موضوع هذه الكلمة مبحث جديد تشتغل به طائفة من الغربيين يبحثون في المنطق واللغة وأساليب التعبير، ويسمون مبحثهم بالسيمية من Sematic، أو Semantic، أو Sœmasiolage. وكلها مأخوذة من كلمة Sema اليونانية بمعنى: علامة، أو رمز، أو إيماء.

وقد استوقفني من هذه التسمية تقارُبُ اللفظِ والمعنى في كلمة سيما بين اليونانية والعربية، ولم يخطر في بالي أن الكلمة العربية مستعارة من اليونانية؛ لأن مادة الكلمة في لغتنا متمكنة متشعبة، ففيها الوسم والوشم والوصم تفيد معنى العلامة والأثر، وفيها السمة والسيما غير دخيلة على ما هو ظاهر من قرائن الكلمة وتمكن المادة. وليس معنى الاسم من المعاني التي تطرأ بعد زمن طويل من نشأة اللغة، فيُستعار من لغة أخرى.

ولم يستوقفني هذا التشابه بين السيما اليونانية والسمة أو السيما العربية لطرافته وحسب، بل استوقفني لأنه شديد الصلة بالمبحث الجديد في أساسه؛ فإنه يقوم على العلاقة بين حروف الكلمة ودلالتها. ويتساءل بعض الكاتبين فيه: هل تدل حروف الكلمة بلفظها على شيء من معناها؟

أما أجوبتهم عن هذا السؤال فغير متفقة، ولكنهم متفقون على أن كثيرًا من الكلمات نشأ من الحكاية الصوتية، وأنها لذلك تدل بلفظها على شيء من معناها، وأنها خليقة لذلك أن تتشابه في جميع لغات العالم، وبعضها لا يزال متشابهًا في لغات مختلفة. ثم يتفقون على أن الاختلاف بين حروف الكلمات ضرورة لا محيص عنها، وأن ذلك راجع إلى علة أصيلة يهتمون بها كثيرًا لأنها مدار البحث عندهم في صواب الدلالة أو خطئها، وهي علة الصفات والملابسات الكثيرة التي تُلاحَظ في وضع الكلمة لمعناها، وقد تكون من أجل هذا سببًا لتعدُّد الكلمات للمعنى الواحد في لغة واحدة.

ففي كل لغة من اللغات يُلاحَظ في وضع الاسم أو المعنى أكثر من صفة واحدة أو ملابسة واحدة. مثال ذلك في اللغة العربية: اسم السيف، واسم القلم. فقد يدل على السيف لفظ المهند والمشرفي، أو لفظ الحسام والجراز. فالمهند والمشرفي ملحوظ فيهما محل صنعهما، والحسام والجراز ملحوظ فيهما عمل السيف وهو القطع. والسيف — وهو أهم الأسماء — ملحوظٌ فيه الشق، كما يُقال في رأي. أو منقول من «سيفس» اليونانية كما يُقال في رأي آخر.

وكذلك القلم يُسمَّى اليراعَ والمِزْبَر ويُسمَّى الرِّيشةَ في الاصطلاح الحديث. فالقلم ملحوظ فيه التقليم، واليراع ملحوظ فيه أن الأقلام تُتَّخَذ من القصب، والمِزْبَر من مادة الزَّبْر؛ بمعنى: التقييد، أو بمعنى الخط. والريشة تدل على القلم؛ لأن أداة الكتابة عند الإفرنج كانت تُتَّخَذ من الريش. وقِيلَ أيضًا إن القلم من «كلموس» اليونانية.

فلو فرضنا أن كل كلمة في اللغات جميعًا قد لُوحِظَتْ فيها الحكاية الصوتية ودلالة اللفظ على شيء من المعنى، فلا مناص من اختلاف الحروف تبعًا لاختلاف الصفات والملابسات، فلا علاقة بين كلمة المهند وبين صوت من أصوات القطع وما إليه، ولا موجب لأن يكون لفظ القصب مشابهًا للفظ الريشة في جناح طائر، ولا نهاية لتعدد الحروف المنطوقة على حسب التعدد في اللغات وفي مواد اللغة الواحدة، وهذا هو اللَّبْس الأكبر من جراء الملابسات.

إن السيميين يهتمون — كما قدَّمْنا — بهذه العلاقة بين الكلمة ودلالتها؛ لأن شكواهم كلها من هذه الملابسات التي تحيط بوضع الكلمة ثم باستخدامها، ويضيفون إلى أثر الملابسات في دلالة الكلمات، أن الكلمات تتجرد شيئًا فشيئًا من ألوانها وحركاتها، وتصبح في الكتابة كأنها الشارة ناقصة. فعندما تكلَّمَ الإنسانُ قديمًا كانت اللغة مزيجًا من الأصوات الطبيعية؛ كالتأوه والصياح والضحك، ومن أصوات الحكاية في مقطع أو عدة مقاطع، ومن ملامح الوجه وإشارات الرأس واليدين، ومن طبقات الصوت ومبلغ ما فيه من الإشباع والخفوت. فلم يبقَ من كل هذا في الكلمات المكتوبة غير الحروف.

وقد تكون الكلمة المنطوقة نفسها مجردة من ألوانها الأولى، تختلف دلالاتها وآثارها حسب اختلاف الناطقين بها، كما يختلف الكلام والغناء. وكل هذا يعمل عمله المتزايد في الفصل بين الكلمة وما وُضِعَتْ له، أو يعمل عمله في استقلال الكلمات، فلا تصبح الكلمة مستقلة بمعناها، ولا تصبح الإشارة محدودة بين المتكلمين جميعًا، وبخاصة بعد أن ظهرت المعاني المجردة وتكاثرت في لغة الخطاب ولغة البحث والدراسة.

ويحسب السيميون أن كثيرًا من سوء الفهم بين الناس مرجعه إلى هذه الملابسات المبعثرة، وأن الحاجة ماسة إلى تصحيح الدلالة بحيث يصبح الكلام مستقلًّا ممثلًا لغرض محدود.

ويوشك أن تنتقل اللغة من نقيض إلى نقيض؛ فالمتكلمون من الهمج الأوائل كانوا يحسبون الاسم شيئًا لا ينفصل عن المُسمَّى، أو شيئًا داخلًا في الذات، وكان أحدهم يخشى أن يطلع أعداؤه على اسمه لأنه يحسب أن من تمكن من اسمه فقد تمكن من حياته، وبقيت آثار هذا الوهم بعد تقدُّم الإنسان في الحضارة مراحل عِدَّة، فكانتْ قُوَّةُ السِّحْر في أمم الحضارة القديمة هي قوة الكلمة، وما تُسخِّره من نواميس الطبيعة وتنطوي عليه من الأسرار.

واليوم ينتقل الإنسان من تجسيم الكلمة على هذا النحو إلى تجريد المعنى، ينتقل من اعتبار الاسم شيئًا لا ينفصل عن الجسم إلى اعتبار الاسم شيئًا كأنه لا صلة له بجسم من الأجسام. ويرى السيميون أن تبلبل الفهم من أجل هذا مماثل أو مقارب لتبلبل الفهم من إلصاق الأسماء بالأجسام. حتى لقد كتب بعضهم صفحة تتردد فيها عبارات مجردة كعبارات الجمال والحق والحرية والخير والكرامة، ثم أعاد كتابتها وفي موضع كل عبارة خلاه وقال: إننا إذا حصرنا الذهن وجدنا أن الصفحتين تؤديان معنى واحدًا، إذا أردنا بالمعنى ما هو محدود معلوم!

والصعوبة المحققة هي صعوبة الكلمات التي تنفي وتتوقف على فهم ما تنفيه؛ كالبارد ما ليس بحار، والحرام ما ليس بحلال، والخفيف ما ليس بثقيل. فهذه الكلمات تحويل على كلمات أخرى، وقد يتبع التحويل تحويل آخر إلى غير انتهاء.

وقد يضرب بعضهم أمثلة مبالغًا فيها كما هو دأب الأمثلة التي يُراد بها إبراز غرابة من الغرابات. ومِنْ قبيلِها مَثَل القاضي الذي سأل المتَّهَم: أين تسكن؟ فقال: مع أخي. قال: وأين يسكن أخوك؟ قال: معي. فسأله: وأين تسكنان كلاكما؟ قال: نسكن معًا … فعند ضاربي هذا المثل وأشباهه أننا نضحك من هذه الغرابة كأننا لا نصنعها كل يوم. ولو تأملنا مليًّا في كثير من العبارات لرأيناها تنتهي إلى غرائب من هذا القبيل.

كذلك يختلف التعبير عن حقيقة واحدة، فيُخيَّل إلينا أن كل تعبير منها مطابق للآخر، وهي عند النظر إلى ما يقارنها لا تتساوى في الأداء كما يقول قائل: إن حيوان «الكواجا» Quagga يُوجَد منه في العالم بضعة عشر فردًا فقط. ويقول قائل: إنه يوجد منه بضعة عشر ذكرًا وأنثى. ويقول آخر: إنه نادر. ويقول آخر: إنه قليل. ويقول غيرهم: إنه يوشك أن ينقرض. فهذه العبارات صادقة جميعًا ولكنها لا تتساوى في الأداء ولا في الأثر؛ فمنها ما يخيفك على مصير هذا الحيوان، ومنها ما يعز قيمته، ومنها ما يدعوك إلى المقارنة بينه وبين غيره.

ولا ضير من وجود هذه التعبيرات في اللغة، ولكن الضير من استخدام المتكلمين كلًّا منها في موضوع الآخر بلا تفريق.

ويجب عند السيميين أن نحضر دائمًا في أذهاننا الفرق بين اللغة والكلام، فليست اللفظة في اللغة متساوية للفظة نفسها في الكلام، بل بين اللغة والكلام فرق كالفروق بين المادة الخام والمادة المصنوعة. وينسى الناس هذه الحقيقة ويظنون أن شيئًا يُسمَّى اللغة وُجِد بمعزل عن الكلام، كما وُجِدَت الحجارة بمعزل عن البيوت وصناعة البناء.

ولكنهم خليقون أن يذكروا أن اللفظة في الكلام عضو في بنية حية، وأن الألفاظ في اللغة متاع في مخزن، وأن اللغة قد تكون صورًا أو رموزًا إلى الأشياء، فإذا أصبحت كلامًا كانت وسيلة إلى غاية يريدها المتكلم، ويصدق في هذه الحالة أحيانًا قول القائل: إن الكلام جُعِل لإخفاء ما في الضمير لا لإبدائه وبيانه، وإن العبارة في أسلوب إنسان غير العبارةِ عيْنِها في أسلوب إنسان سواه.

من أشهر الكُتَّاب السيميين الأستاذان: أجدن Ogden ورتشارد Richards صاحبا كتاب معنى المعنى The meaning of meaning، وقد افتتحا فصله الأول بكلمة مقتبسة من الحكيم الصيني لاو تس Law Tce، يقول فيها: مَنْ يَعْلَم لا يتكلَّم ومن يتكلَّم لا يَعْلَم … وهي كلمة بعيدة المدى يرى قائلها أن الكلام عبث ضائع إذا بلغ العلم غايته. ويجمع في سطر واحد كلَّ ما تفرَّق من عيوب المعاني والكلمات عند السيميين.

وقبل هذه الكلمة سرد الكاتبان شواهد من أقوال الفلاسفة والعلماء، منها قول هنري جيمس: «إن الحياة كلها ترجع إلى مسألة كلامنا؛ لأنه وسيلة الاتصال بيننا …» ومنها قول «بنتام»: «إن أعسر الأخطاء إدحاضًا ما كانت له جذور من اللغة.» ومنها قول «بوانكاريه»: «نحن نستخدم اللغة التي هي بطبيعة الحال مؤلَّفة من مدركات سابقة، هذه المدركات التي نسلمها بغير شعور منا هي أخطر الأمور.» ومنها قول «هيوم»: «ليس أعمَّ ولا أَشْيَع في بيئة الفلاسفة من افتئاتهم على بيئة النحاة والأجروميين، ثم استغراقهم في جدل لفظي وهم يحسبون أنهم يتناولون بحوثًا غاية في الجد والجلال …» ومنها قول «لوك»: «إن الناس يُقنِعون أنْفُسَهم بالكلمات كما يستخدمها غيرُهم، كأن مجرد الصوت الملفوظ يحمل في أطوائه نفس الدلالة …» ومنها قول «كورنوال ألويس»: «إن المناقشات اللفظية قد تكون هامة أو غير هامة، ولكن يحسن على الأقل أن نعلم أنها لفظية …» ومنها قول «شوستر»: «إن المنازعات العلمية لا تني تدور على اختلاف في معاني الكلمات.»

وقد صدَّر الأستاذان كتابهما بهذه الشواهد؛ لأن الكتاب كله ينتهي إلى الغاية التي تنتهي إليها؛ وهي أن الكلام لا يعطي السامع ما يريده القائل على الدوام، وأننا نقع في الخطأ كثيرًا من جراء النقص في أداة الكلام.

وليس أكثر من الأمثلة التي يذكرها السيميون وغير السيميين للاستدلال على سوء التفاهم بين الناس من قبل الكلام لسوء دلالته أو لسوء استخدامه. ولكن الجانب الذي يُعنَى به السيميون خاصة هو سوء التفاهم الذي يقع بين الإنسان ونفسه من أثر الكلام؛ فقد يضل عن حقيقة شعوره أو تَحُول الكلمةُ بينه وبين الشعور الصحيح، ويحدث هذا للمفكر القدير على التمحيص، كما يحدث لمن لا يفكرون ولا يمحصون.

وقد قال «برجسون» في كلامه على الزمن وحرية الإرادة: «إنني حين أتناول شيئًا من صفحة طعام جرى العرف بالتذاذه، يعرض لي الاسم الذي يُسمَّى به ليدل على استحسانه، فيقف بين حسي ووعيي وقد أعتقد أنني أستطيبه، في حين أن التفاتة يسيرة تثبت نقيض ذلك.»

وقد تباعدت المسافة بين آراء السيميين كالعهد بكل دعوة لم تبلغ بَعْدُ مستقرَّها ومقطعَ الرأي فيها، فمنهم من تُراجِع ملاحظاته فلا تَرى فيها دعوة إلى شيء أكثر من تصحيح الهجاء أو النظر في علوم البلاغة، ومنهم من تُراجِع ملاحظاته فيُخيَّل إليك أنه يقترح على الناس أن يَعُودوا إلى إنشاء اللغة من جديد.

فمن كتابهم الذين يكفي في استدراك ملاحظاتهم تصحيح الهجاء أو دراسة علوم البلاغة؛ الدكتور «استيفان أولمان Ullmann» أستاذ اللغويات في جامعة جلاسكو ومؤلف كتاب «الكلمات وما تُستعمَل له»، ونجتزئ من بحثه بشواهد قليلة توضح منهجه كله، ومنها أن الكلمات التي تتشابه في النطق وتختلف في المعنى لا تُفهَم وحدها ولا بدَّ لها من قرينة تلازمها، وأن بعض الظروف يحتاج إلى القرينة كهذه الكلمات، فلا يفهم السامع علامَ تدل كلمة صحيح أو صِحِّي Healthy ما لم يُعيِّنها الاستعمال؛ لأنها قد تفيد معنى الصحيح حين يُقال: طفل صحيح، وقد تفيد معنى المعطي للصحة أو الموافق لها حين يقال: جو صحيح. وإن كلمة حائط مثلًا من الكلمات التي يُظَن أنها بعيدة من إثارة الشعور، إلا أنها تصبح من الكلمات الشعورية أو الأخاذة حين تُوضَع في أبيات من الشعر؛ كقصيدة شكسبير في رواية «حلم ليلة صيفية»، وذلك حيث يتغنى بالحائط الذي يفصل بين الحبيبين.

فهذه الملاحظات وما جرى مجراها لا تدعو إلى تغيير كبير في أصول التعبير ومذاهب البلاغة. أما الملاحظات التي قلنا إنها تُخيِّل إلينا أن أصحابها يقترحون على الإنسان أن يعود إلى إنشاء اللغة من جديد، فمن قبيلها ملاحظات الأستاذ «ستيوارت شاس» Chase في كتابه «طغيان الكلمات»؛ فهو يتحدث في بعض فصوله عن قِطِّهِ، فيقول أنه يفهم منه حزنه وقلقه، ورغبته في الخروج بغير إبطاء، وأن القط لِحُسْن حظِّه يُعبِّر عن ذلك بغير الألفاظ، فيظل واقعيًّا Realist طوال حياته، ولولا هذه الواقعية لأصابه الوسواس والوهم كما يصيب عقول الناس من لغة البحث والتفكير. ثم ينتقل من القط إلى الفلاسفة، فيقول عن فلاسفة اليونان: إنهم مناطقة أقوياء يندر نظراؤهم في العالم، إلا أنهم لم يزالوا على مقربة من المقدمات البدائية، فلم تتخلص عقولهم من سحر الكلمة، وحسبوا أنها ذات قوة كامنة فيها، كما قد يَحْسَبُ الطِّفلُ أو معتقِدُ الشعوذة. ولولا ذلك لما أقاموا كل شيء على «اللوغوس»، وشغلوا العقول والنفوس بهذه الفكرة إلى اليوم. ولم يسلم فيلسوف قط — على قول هذا الكاتب — من شعوذة بغير قصد على هذا المثال.

ومهما يتوسع القارئ في الاطلاع على آراء السيميين، لا يخرج منها بمذهب مفصل أو بغرض محدود. وغاية ما في أمرهم أنهم يَعْبُرون اليوم المرحلةَ التي لا بدَّ منها قبل وضع المذاهب، وهي مرحلة تنتهي بتجميع الملاحظات وتقرير المقدمات، وتتبع الآراء المتشعبة إلى ملتقاها. وقد مرت مذاهب شتى بمثل هذا الطور من أطوار التمهيد، ثم أصبحت فتحًا جديدًا بعد أن كان الناظرون إلى معلوماتها المتفرقة يحسبونها من قديم المألوفات.

ويبدو لنا أن السيمية لا تصبح مذهبًا ولا تأتي بفتح جديد، ما لم تحصر جهودها فيما يمكن وما يفيد.

وعليها لأجل ذلك أن تُفرِّق بين ما هو خصائص العقل البشري وما هو من عوارض اللغة، فليس من المُجْدِي أن نحاول تغيير الدماغ في تكوينه لكي نصل من ذلك إلى تغيير اللغة، وإنما المستطاع أن نجعل اللغة موافقة لتكوين المعقول وما فطرت عليه من أساليبها في تحصيل المدركات.

وعلى السيمية أيضًا أن تذكر أن اللغة لا يُطلَب منها أن تُغني الإنسانَ عن التفكير، أو أن تكون هي الفكر غنيًّا عن العلامات والرموز. وكل ما يُطلَب منها أن تحسن الرمز وتساعد العقل على عمله. ومهما يفعل السيميون — واسمهم مشتق من الرموز — فستظل اللغة رمزًا ويظل الفكر متلقيًا للرموز مجتهدًا في تفسيرها، وتظل أفكار الناس متفاوتة في إدراك الرموز، كما تتفاوت العيون في إدراك نور الشمس، وهو الأداة التي لا يعيبها السيميون كما يعيبون أداة الكلام.

وإذا كان للدعوة السيمية باب رجاء، فباب الرجاء لها أنها بدأت من موضع اتفاق أو موضع إجماع. فالحاجة إلى مراجعة وسائل التعبير وتنبيه الذهن إلى أخطائها، حاجة دائمة لا اعتراض عليها ولا انتهاء لها في زمن من الأزمان. وقد تيسرت في زمننا هذا أسباب للمراجعة والتنبيه لم تكن مُيسَّرة في الأزمنة الماضية، وتزداد يسرًا مع الزمن كلما اتسع العلم بدراسة اللغات ودراسة السلالات البشرية ودراسة البنية الإنسانية والنفس الإنسانية وعلاقة كل منهما بالصوت والكلمة. وليس أَوْلَى من الكلام بعناية علوم الكلام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.