بسطنا في الفصل السابق خطة محمود فهمي (باشا) رئيس أركان الحرب للجيش المصري، ومن هذه الخطة تحصين الوجه البحري، وقطع المياه عن بورسعيد والسويس والإسماعيلية، وجعل العباسية نقطة ارتكاز الجيش كله، وسد قناة السويس عند عتبة الجسر. وقد قال النقَّاد الحربيون في هذه الخطة إنها لو نُفِّذت لما لقي الإنكليز أيةَ سهولة للوصول إلى النصر، وقالوا إن تنفيذ خطة محمود فهمي كان يفصل قوة الجيش الإنكليزي عن المدد الهندي، ولا يبقَ أمام قائد جيش الإنكليز إلا أحد أمرين؛ إما المغامرة في الصحراء محرومًا من الماء، وإما المغامرة في الدلتا في زمن الفيضان، وفي هذه الحالة كان يصطدم بالأقنية طافحة بالماء وبالمناقع وبالمياه الدافقة على الأرض تغرقها، وتلك الأرض المغرقة محوطة بالمواقع الطبيعية المنيعة. ولكن حُسْن حظ إنكلترا وبراعة رجالها السياسيين وقُوَّادها المفكرين، خفَّفت عن عاتقها هذا العبء، وسهَّلت كلَّ التسهيل عملَ الجنود.

فالثوار لم يُقدِموا على أعمال التخريب التي كانت لازمة؛ مراعاةً للرأي العام في أوروبا، ووثوقًا منهم بحياد قناة السويس، وهكذا فتحوا البابَ الواسع السهل للعبور إلى بلادهم. وإذا كانوا قد أنشئوا معسكرًا في التل الكبير، فإن أكثر قواتهم ظلَّ في الوجه البحري وسواحل البحر المتوسط؛ فالأورطة السودانية وهي زهرة الجيش ظلَّتْ في دمياط بقيادة عبد العال، والقوة الأخرى المنتظمة ظلَّتْ جامدة في رشيد، والقوة الكبرى بقيادة عبد العال ظلَّتْ واقفة في كفر الدوار، وأُرسِل العمالُ لحفر الخنادق هناك وإقامة المعاقل، واستخدموا مهاجري الإسكندرية ليحولوهم عن أحداث الشغب والاضطراب. وكانت معاقل كفر الدوار مؤلَّفة من ثلاثة خطوط وخنادق، وكل خط يبعد عن الآخَر من ٤ إلى ٥ كيلومترات، وأمام كل خط خندق عمقه ١٥ قدمًا. وأقيمت الطوابي على أكمات الرمال، ونُصِب في البطاريات خمسون مدفعًا، كما نُصِب مدفعان ضخمان من مدافع كروب بعيدَا المرمى، وأُغرِقت الأرض كلها على الجناحين.

وهذا الوصف للقلاع والحصون والخنادق منقول عن تقرير محمد شكري بك وكيل التحصينات في جيش عرابي، وقد استند إليه النقاد العسكريون في كلامهم عن حملة الجنرال ولسلي على مصر.

وفي قولهم إن مركز مصر كان منيعًا جدًّا لو أُقفِل باب السويس كما طلب محمود فهمي باشا، وتوفير السلاح والذخيرة.

قالوا وكانت إنكلترا تعرف موارد الثوار ومعداتهم بكل دقة؛ لأنها أوفدت في أوائل ١٨٨٢ ضابطًا كبيرًا، هو الماجور تولوك لدرس حالة مصر وقواتها. وقد قال الكولونيل بستانس في كتابه «الحملات الإنكليزية في أفريقيا» إن هذه الخطة التي تذرعت بها إنكلترا تدل على أن إنكلترا لم تدبِّر الثورة المصرية تدبيرًا محكمًا كما اتهمها الآخَرون. والدليل الثاني على تفنيد هذا الاتهام أن الحكومة الفرنساوية كانت قد عملت العمل ذاته بشهادة الدوق داركور صاحب كتاب «مصر والمصريون».

***

ظلت إنكلترا تُعِدُّ معدات الحملة مدة شهر كامل — أي طوال شهر يونيو — وسبب تأخُّرها هو الانتهاء من أمر هذا المؤتمر في الآستانة.

أما الحملة الإنكليزية بقيادة الجنرال ولسلي، فكان رئيس أركان حرب والقائد الثاني فيها السير جون أدي، وكانت مؤلَّفة من فرقتين من المشاة بقيادة الجنرال ويلس والجنرال هملاي، ومن لواء من الفرسان بقيادة الجنرال دروري لو، وكان سلاحها من المدافع اثنتي عشرة بطارية.

فجملة الجنود الإنكليزية ٢٠٩٨٠، وجملة الجنود الهندية ٤٥٨٦ بقيادة الجنرال مكفرزون، يضاف إليهما لواء الدوق كونوت، وهو من قوة الحرس الملكي، وهو مؤلَّف من ثلاثة توابير، وكانت هذه القوة الأخيرة أول مَن وصل إلى مصر في ٣٠ يوليو.

في هذه الفترة من ١١ يوليو إلى ٣٠ منه صرف الخصمان الوقتَ في التحصُّن والامتناع في الرمل وكفر الدوار، مع بعض المناوشة بين الطلائع. وفي ٢٩ يوليو ضلَّ الجندي شير من جنود البارجة ألكسندرا وهو يحمل البريدَ إلى جهة الرمل، فقبض عليه الجنود المصريون، فقال البعض إن الإنكليز يفاوضون عرابي، وإن القبض على الشاب شير أرادَ منه التعمية؛ ومن هذه التهمة ارتقوا إلى اتهام عرابي بأنه يبيع وطنه للإنكليز، مع أن المسألة بسيطة لا تتعدَّى ضلال فتى الطريق وأخذه أسيرًا. على أن الثوَّار ذاتهم طنطنوا كثيرًا بأمر أسره، فأذاعوا في بداية الأمر أنهم قبضوا على الأميرال سيمور، وطار الخبر في جميع أنحاء البلاد فهلَّلوا لذلك وكبَّروا، ثم قالوا بعد ذلك إنه ابن الأميرال لا الأميرال ذاته، وأرسلوه إلى القاهرة فكان دخوله في جمعٍ حافل؛ فأركبوه بغلةً وأحاط بالبغلة الجنود وحَمَلَة المشاعل، وسارت البغلة به بين هتاف الألوف لاعتقادهم بأن الثوَّار نالوا نصرًا كبيرًا.

وفي ٢ أغسطس حدث العمل الأول الحربي المهم، وذلك أن الإنكليز احتلُّوا مدينة السويس، وكان السير ويليام هويت قد وصَلَ إليها في ٢٩ يوليو وبقيادته أربع سفن حربية صغيرة، فذعر لوصولها السكان لِما بلغهم عن ضرب الإسكندرية. ولم تكن الأوامر التي تلقَّاها الأميرال تُجِيز له العمل إلا في حالة الاضطرار والضرورة القصوى، كما جاء في تلغراف اللورد غرنفل وزير خارجية إنكلترا إلى اللورد دوفرين سفير إنكلترا في الآستانة. فشدَّدَ الأميرال على المحافظ بأن يعلن إخلاصه للخديوي ضد عرابي، وظلَّ على ذلك مدة يومين كاملين، وبعد أن نال الأميرال هذا الوعدَ من المحافظ، غادَرَ المحافظ السويسَ إلى القاهرة، وكان سفره سببًا لجزع الأهالي وخوفهم، فأخذوا يفرون من المدينة، وأخذ الجنود يهدِّدون بأنهم لا يتركونها إلا بعد إحراقها وتركها دمارًا ورمادًا، وهذا ما اضطر الأميرال هويت إلى إنزال بعض البلوكات من جنوده إلى البر؛ فاستولوا على القشلاقات بعد أن احتلها العساكر المصرية مولية نحو الصحراء.

وكان الأميرال قد أبلغ قصده لقناصل الدول فلم يعترض عليه أحد، ولما احتلت الجنود الإنكليزية القشلاقات أعلن الأميرال الأهالي بأنهم جميعًا في أمان، وأنه لا يضع يده على المدينة إلا باسم الخديوي، وظلَّ العلَم الخديوي خافقًا فوق القشلاقات إلى جانب العلَم الإنكليزي.

وهنا تظهر هفوة الثوَّار العسكرية؛ لأنهم لم يحركوا بعد احتلال السويس ساكنًا، ولم يعلِّقوا أقلَّ أهمية على ذلك الاحتلال، وتركوا الباب بيد المهاجم.

وفي ٣ أغسطس شاع في الإسكندرية أن عرابي سيهاجم المدينة، وأن الأهالي سينقضُّون على الأجانب، فانقضى ذلك اليوم والناس في أشد حالات الخوف، واتخذ الجنرال آليزون الحيطةَ، فأرسل الطلائع إلى جهة الرمل والمكس، فلم تقابل طلائعه سوى بعض أنفار من المصريين لم يُرِد الاشتباكَ معها بالقتال.

وفي ٥ أغسطس أراد الإنكليز أن يحملوا عدوَّهم على الكشف عن نياته وإبانة مواقفه، فوجَّهوا حملتين كل واحدة منهما مؤلَّفة من ألف جندي؛ إحداهما إلى ضفة المحمودية، والأخرى إلى خط السكة الحديدية على القطارات، وركَّبوا في القطار مدفعًا ضخمًا، وكان موعد ملتقى القوتين عند ملتقى الخط الحديدي بالقناة؛ أي في الأرض الواقعة وراء الملاحة، وكانت البقعة ملأى بالمنازل والحدائق والأقنية، فلو أن المصريين تنبَّهوا للإنكليز لَأخذوا كلَّ فريقٍ منهم على حدة في رأي النقاد العسكريين؛ ولكن الضابط المرشد ضلَّ الطريق، وكان ضلالُه سببًا لإنقاذ الجنود المصريين الذين كانوا يرابطون في المثلث.

وكانت النتيجة الوحيدة أن طلبه لجأ إلى فريق من قوته فجرَّدها للقتال، ولما أذنت الشمس بالمغيب عاد الجنرال بجنوده إلى معسكراته، وقد قُتِل ضابط وثلاثة جنود وجُرِح ٢٧ جنديًّا.

وكانت خسائر المصريين ثلاثة ضباط قتلى و٢٢ جريحًا، وأوَّلَ عرابي ذلك بالنصر المبين، ووصفه وصفًا رائعًا ليعقوب سامي في كتابٍ بتاريخ ٥ أغسطس نشرته الوقائع المصرية.

هذه المعركة الطفيفة أقنعت عرابي بأن الهجوم الإنكليزي الكبير سيوجه دائمًا إلى كفر الدوار، ثم عقب ذلك بعض السكون لولا خروج القطار المصفَّح للاستطلاع.

واشتدَّ الجوعُ بالإسكندرية، فذهب الأهالي إلى سراي رأس التين يطلبون الأكل والماء، فأمر الخديوي بإعداد الطعام للجياع، وكان يُشرِف على الجموع وهي تأكل، وكان الماء قليلًا لانقطاع ترعة المحمودية، فكانوا يستقون من رشح قاعها، ثم رمَّموا الآبار التي كانت قد طُويت.

وعادت الأهرام إلى الظهور، وكان المرحوم بشارة تقلا باشا يحرِّرها، والمرحوم رشيد سعادة الذي كان بعد ذلك وكيلها في البحيرة يجمع حروفها، وكانوا يقتسمون مهامَّ الحياة مع أربعة آخرين منهم: الخواجا جورج كرم، والخواجا سمعان كرم؛ فواحد يهيِّئ الطعامَ وآخَر يغسل الملابس … إلخ إلخ.

ولما اشتدَّ العوز والضيق أذاع الخديوي إرادة سنية في ٧ أغسطس يَعِدُ الناسَ فيها بالفرج القريب وتوزيع التعويضات والإعانات، وانقطعت الأخبار عن الداخلية إلا ما كان ينقله البدو والفارون؛ لذلك شاع في أوروبا أنه حدث في القاهرة وقليوب المذابح، وأن الثوار أحرقوا الكنيسة الكاثوليكية؛ فأرسل رفعت بك وكيل قلم المطبوعات إلى شركة هاوس يكذِّب ذلك كله ويقول: «إن عرابي ليس إلا الخادم الأمين، يؤيده خمسةُ ملايين مصري وثلاثة عشر مليون سوداني والعالم الإسلامي كله.»

ولقد رووا أن ماسبيرو العالم الأثري الفرنساوي لم يَشَأ تركَ الآثار ودار الأنتيكة، فأمرته حكومته أمرًا بالسفر، ويُرجِعون الفضل إلى ماسبيرو بأنه هو الذي أقنَعَ عرابي بألَّا يبيع الآثار المجموعة في بولاق؛ لأنه كان مصمِّمًا على بيعها لشدة حاجته إلى المال. ولما سافَرَ ماسبيرو سلَّم الآثارَ للموظفين المصريين الذين حرصوا عليها كلَّ الحرص فلم يُفقَد منها شيء.

وفي هذه الأثناء كتب عرابي إلى كبار المسلمين وأمرائهم في أنحاء العالم كالأمير عبد القادر وكالسيد السنوسي، وكان أهل طرابلس ينوون إنجاد مصر، ولكن الإنكليز ضغطوا على الباب العالي ليُصدِر أمرَه إلى الولاة بإيقاف كل حركة. وخطر للثوَّار الاتحادُ مع مهدي السودان — كما قال حسن حسني بك مدير القلم التركي في نظارة الجهادية — ولكن الوقت ضاقَ عن كل مسعًى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.