… أليس من الغريب أمر هذه الحياة وتصاريفها؟! في أوائل الشباب تكون مرتباتنا أو مواردنا قليلة صغيرة على الرغم من أن فترة الشباب تدعو إلى الانطلاق والمرح واللهو وما يتكلفه ذلك من أموال! ويحدث النقيض حين تأتي الأموال في آخر العمر عند مرحلة الشيخوخة، وهي سن الرزانة والوقار والمرض والضعف، فيحول كل ذلك دون اللهو السرور ولا تكون للمال فائدة أو متاع … أليس هذا تناقضًا في أمور هذه الحياة؟!

سمير ناجي بشاي، إسكندرية

خير ما أصنع في جواب هذا السؤال وأمثاله أن أطلع أخانا «سمير ناجي» على «سر المهنة» عندي في جميع هذه المشكلات التي يكثر فيها التعديل والاقتراح بين بني آدم وقضاء المقادير.

سر المهنة كله أن أسأل نفسي عن البديل المقترح الذي نختاره إذا ملكنا الاختيار، هل يكون وافيًا بالغرض مانعًا للشكوى إذا كان؟

من التناقض في رأي الأستاذ سمير أن يكون شباب ولا مال وأن يأتي المال بعد انقضاء الشباب.

فالأمر الذي لا تناقض فيه إذن ولا غرابة ولا داعية للشكوى أن تجري سنة الحياة على خلاف ذلك، وأن ينقسم عمر الإنسان إلى قسمين متناقضين في كل شيء: قسم يتوافر فيه الشباب والمتعة والمال، وقسم يخلو من كل شيء غير الضعف والفقر والحرمان.

هذه هي الدنيا التي نطلبها ونحسبها موفقة سوية سليمة من آفات التناقض والغرابة.

ولكن هذه الدنيا بعد نظرة واحدة، ستكون ولا شك أسوأ من الدنيا المتناقضة في رأينا بالنسبة إلى الشباب، قبل أن ننتقل إلى الحديث عن الشيخوخة.

ففي هذه الدنيا التي نحسبها مبرأة من التناقض والغرابة ينبغي أن تنتهي الحياة مع انتهاء الشباب ويزول كل معنًى للعمر الذي لا شيء فيه غير العجز والفقر والحرمان.

وفي هذه الدنيا المبرأة من التناقض والغرابة يخلو الشباب من حافز العمل والاجتهاد وهو في إبَّان سن العمل والاجتهاد، فإنه يستطيع متعة العيش بجميع أسبابها فلا تعوزه الصحة ولا المال ولا الفرصة المواتية، ولا يبالي المصير بعد انقضاء الفرصة؛ لأنها ختام العمر المطلوب.

وفي هذه الدنيا المبرأة من التناقض والغرابة تبطل قيمة العمل وقيمة التجربة وقيمة الحكمة؛ لأن العمل فضول لا لزوم له، والتجربة نتيجة لا تأتي بغير عمل، وحكمة الأعمال والتجارب هي والجهل في هذه الحالة سواء.

وفي هذه الدنيا المبرأة من التناقض والغرابة يعود الأستاذ سمير فيطلب التناقض والغرابة؛ لأنه سيرى أنهما مقبولان بغير تعديل، وأننا كما يقول المتصوفة، ويصدقون في كثير من الأحيان: «لو علمنا الغيب لاخترنا الواقع.»

كان أناتول فرانس يقول في شيخوخته ما فحواه: إنه لو ملك مناه لتمنى أن تبدأ الحياة بالشيخوخة وتنتهي بالشباب، ثم تنتهي الحياة كلها في نوبة من نوبات الحب تغمر الحبيبين بالنشوة فلا يفيقان.

ولو أجيبت أمنية الشيخ الحكيم المتأني لما اختلفت النتيجة بينها وبين أمنية الشاب العجول المتوثب.

ترى من أين جاءت النشوة لنوبات الحب؟

إنما جاءتها النشوة من فرط الحياة أو القدرة على إعطاء الحياة، فإذا ابْتُليَ الخلائق بالحب الذي يعطي الموت ولا يحيي أحدًا بعده، فهل تبقى له تلك النشوة، وهل يبقى له طعم المتعة والسرور؟

فيها قول واحد، ولا أقول: فيها قولان، وبخاصة بعد انتهاء الحياة بمتاعب الشيخوخة وانتقال الحي من الشيخوخة إلى شباب نشوته موت عقيم: ليس في الإمكان أبدع مما كان!

حكمة إن لم توافقنا في كل حين فهي أولى بالموافقة من أن يقال: «كل ما كان أسوأ ما في الإمكان!»

كلا، ليس هذا بصحيح، وأصح منه أن بعض ما في الدنيا لا نرتضيه ولكنه أولى بالرضا من كل ما نتمناه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.