كنت أزور صديقي الدكتور «منصور فهمي» منذ أيام، فأدى بنا الحديث إلى ذكر محاضراته عن طيبة الذكر الآنسة «مي»، وذكر قبرها، وإلى ذكر قبور رجال خدموا بلادهم أجلَّ خدمةٍ، ولا يكاد أحد يعرف مواقع هذه القبور اليوم، ولا يكاد أحد يفكر في زيارتها.

ذكر صديقي «منصور» أنه زار منذ سنوات عديدة قبر المرحوم «عبد الرحمن الكواكبي» صاحب كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)، ثم قال: إنه لا يكاد اليوم يذكر مكان هذا القبر، ويكاد يؤكد أن ما كتب عليه قد زال بفعل الزمن، ولهذه المناسبة ذكرنا الفيلسوف العالم «ابن خلدون» الذي دفن بمصر ولا يعرف أحد قبره، ثم ذكرنا مقابر المسلمين في صحراء القاهرة وعدم العناية بها، إلا أن يقيم أهل المتوفى إن كانوا من ذوي الثراء دارًا حول قبره أو قُبة فوقه، أما إن كان المتوفى فقيرًا فقلَّما يعنى أحد بقبره، وإن كان من نوابغ العظماء.

وقد أعاد هذا الحديث إلى ذاكرتي حملة صحفية قام بها المرحوم الدكتور «محمود عزمي» منذ سنوات تزيد على العشرين؛ لمناسبة مروره بمعرة النعمان في «سوريا»، وزيارته قبر «أبي العلاء المعري»، وما بعثه موقع القبر، وما يحيط به إلى نفسه مما أثار تقززه. يومئذ طالب صديقنا «عزمي» بأن يشاد حول قبر الفيلسوف «المعري» بناء يتفق مع جلال الذكرى التي تركها هذا الشاعر المفكر العظيم لمن بعده من الأجيال، ولقد زرت أنا «معرة النعمان» منذ سنتين، زرت فيها قبر «أبي العلاء»، فألفيت حكومة «سوريا» قد استجابت إلى نداء الدكتور «عزمي» منذ سنين، فأقامت حول القبر بناءً فسيحًا، وعدَّلت في تنظيم الحي كله، واحتفظت بقبر الشيخ «أبي العلاء» كما كان، أعترف بأن البناء لم يعجبني، وأنني كنت أرجو أن يبدع فن العمارة في إقامة هذا البناء بما يتفق مع عظمة الشيخ الفيلسوف، وألا يُكتفى بجعل البناء بسيطًا بساطة الشيخ في حياته، لكنني مع ذلك اغتبطت بأن استجابت الحكومة السورية في ذلك العهد إلى نداء الدكتور «عزمي» وأقامت حول القبر مكتبة وفناءً فسيحًا، وإن خلت المكتبة من الكتب، وخلا الفناء من الزائرين.

و«ابن خلدون» و«الكواكبي» وسائر العظماء المدفونين في صحراء القاهرة جديرون بالتكريم، كما أن «المعري» جدير به، ومن حق هؤلاء العظماء أن يعنى الباحثون والمنقبون بالتعرف إلى مواضع رفاتهم، وأن تعنى الدولة بإقامة المنشآت التي تجعل ذكراهم حاضرة في أذهان من يمرون بها، وأن تتألف من العلماء وتلاميذهم جمعيات للعناية بآثار هؤلاء العظماء ودراستها، لقد كان أسلافنا يقيمون المساجد والمزارات للصالحين وذوي التقوى من آل بيت رسول الله، وجدير بنا أن نقيم المنشآت لهؤلاء العظماء الذين يرقدون في ثرى وطننا رقدتهم الأخيرة؛ تكريمًا لعلمهم وفضلهم، وخدمة للأجيال المتعاقبة من أبناء هذه الأمة، وأبناء سائر الأمم العربية.

لقد ألِف الناس في هذه البلاد وفي غيرها أن يزور الأحياء قبور موتاهم في المواسم والأعياد، وأن يتصدقوا عندها؛ إعلانًا لما بين الأحياء والذين سبقوهم إلى الحياة الآخرة من صلة لم ينسها هؤلاء الأحياء، والعظماء أقرباء لبني الوطن جميعا على تعاقب أجيالهم، وما خلفوا من ميراث قد أفاد منه كل واحد من أبناء الوطن فائدة مباشرة أو غير مباشرة، فإذا كانت الأسرة الواحدة تحتفي بالذين سبقوها إلى جوار الله من أسلافها، فحق على الأمة كلها أن تحتفي بهؤلاء العظماء الذي ورَّثوها علمهم، أو فضلهم، أو فنهم، أو ما إلى ذلك من ثمين آثارهم.

فهل لي وأنا أكتب هذه الكلمة أن أطمع في أن يتولى الباحثون — شيبًا وشبانًا — تحديد مواقع هؤلاء العظماء، وأن تتولى الدولة تشييد آثار تكرمهم بها، وأن تتألف جماعات علمية، أو فنية، أو أدبية تحافظ على آثارهم وتنشرها، إن ذلك يكون أجلَّ خدمة تؤدى للأحياء، فضلًا عما فيها من اعتراف بالفضل لأصحابه على نحو يشجع الناشئين على الاحتذاء بالعظماء وأسلافهم، ويضاعف من إنتاجهم في خدمة وطنهم.

جبران خليل جبران

يدعوني ما سبق إلى ذكر محاضرة ألقاها مساءَ الجمعةِ الماضي بالقاهرة الأستاذ «موريس أرقش»، وذلك بنادي لبنان عن «جبران خليل جبران»، وقد استهلَّ محاضرته بأن أربعًا وعشرين سنة انقضت على وفاة هذا الشاعر الناثر المصور النابغة الذي قضى حياته في «أمريكا» بعيدًا عن وطنه «لبنان»، والذي ظل طول حياته مشوقًا لهذا الوطن حتى نقلت رفاته إليه، ودفنت في الموضع الذي كان يرجو بعد عوده من «أمريكا» أن يقضي فيه حياة الوحدة والتأمل عند نبع «مار سركيس» بجوار «قاديشا» على مقربة من مقربة من مسقط رأسه في «بشري».

رغم قِصَر الزمن الذي انقضى منذ وفاته، ومع أن جماعة تألفت باسم «جبران»، فقد مر موعد هذه الوفاة فلم يحفل به أحد، وكأن «جبران» لم يخلد على صفحات الزمن أكثر الآثار بقاءً وأحراها بالخلود.

لا نستطيع في «مصر» أن نقول عن «شوقي»، أو «حافظ إبراهيم»، أو «محمد عبده»، أو «قاسم أمين» ما قاله «موريس أرقش» عن «جبران خليل جبران»، فلم تتألف عندنا جماعات تحيي ذكرى هؤلاء العظماء، أينا أجدر باللوم، نحن هنا في «مصر» أم هم هناك في «لبنان»؟

إن الذين سبقونا إلى العالم الآخر في غير حاجة إلى أن نذكرهم، إنهم هناك بين يدي الغفور الرحيم يحاسبهم ويجزيهم بما صنعوا، لكننا نحن في حاجة إلى أن نذكرهم، وأن نُعْنَى بتراثهم؛ لأنه ميراث الأجيال جيلًا بعد جيل، فإذا نحن ألفنا الجماعات، أو أقمنا الحفلات، أو قمنا بالدراسات لآثار هؤلاء السابقين، فإنما نقوم بذلك لأنفسنا لا لهم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.