لكل ذاكرة عاداتها في الحفظ، والمراجعة، والاستحضار.

وأحسب أن أصدقاءنا القراء يعرفون هذه العادات من مراقبة أنفسهم، ويستطيعون أن يَجْمَعوا منها «قاموسًا» ضافيًا من مختلف الأساليب والحِيَل التي تتفاوت كثيرًا كما تتشابه كثيرًا بين كل فردين اثنين، ولو كانا من أسرة واحدة.

أما تجربتي لأساليب الذاكرة عندي، فالأغلب عليها أنها تقرن التذكر بعلاقتين مختلفتين قد تتبدلان في الموضوع الواحد؛ أحدهما: أنني أَذْكُر المسائل الفكرية من حيث اتصالها بشخص معروف السِّيرة والملامح في ذهني، والثانية: أنني أذكر المسألة بالاتجاه الذي تعوَّدتُ أن أتجه إليه عند البحث عن مراجع الكتب في مواضعها وإن اختلف ترتيبها، فإذا خَطَر لي موضوع الكتاب خطر لي كيف مشيتُ لأخرج الكتاب من مكانه.

وقد سُئِلتُ في اليوميات عن أول مَن ذكر كلمة الاشتراكية، فحضرني على التحقيق أنها عُرِفَتْ بهذا اللفظ قبل أوائل القرن العشرين، وحام في نفسي الظن بأنني قرأتها لأول مرة في كلام منسوب إلى المُصْلِح العظيم جمال الدين الأفغاني، وجمعتُ مراجع جمال الدين على المكتب للتصفح والمراجعة في حينها، فجاءني ابنُ أخي برسالة العالِم الفاضل الشيخ «محمود أبي رية» وبين يديَّ خاطرات «المخزومي باشا» عن أحاديث المُصْلِح العظيم، وهي أحرى المراجع بتفصيل هذا الموضوع.

وقد أغنتني رسالة الأستاذ أبي رية عن البحث في الصفحات وهي تقارب الخمسمائة، فذكر الصفحة وأحالني على مناسبتها في الكتاب بعنوان «رأيه في الاشتراكية — السوسيا ليست — وإنها لا تخالف الدين، بل يقول بها.»

وقد كانت المناسبة كما جاء في الصفحة اﻟ (١٨٩) من الكتاب، أن أحد كبار الأدباء الأتراك كان يغشى مجلس جمال الدين، وأن جمال الدين كان يحترمه لذكائه وحُسن أدبه، وكان الرجل أشد الناس حرصًا على الاقتباس من آراء السيد والتتلمذ عليه، وقد سأله يومًا عن حكم الدين الإسلامي في المذهب الاشتراكي، فأسهب السيد في بيان هذا الحكم وأنكر آراء القائلين بمخالفته لأصول الإسلام، مؤكدًا سبق الإسلام إليه بالأدلة المفصلة من الكتاب والسنة ووقائع التاريخ، ثم ختم كلامه بعد الإفاضة فيه من زيادات الرواية قائلًا: «إن اشتراكية الإسلام هي عين الحق، وإن الحق أحق أن يُتَّبَع.»

ويُؤخَذ من مقدمة الخاطرات أن «المخزومي باشا» رواها عن السيد جمال الدين في أثناء مقامه بالآستانة في الفترة بين سنة ١٨٩٢ وسنة ١٨٩٧، وقد كانت كلمة الاشتراكية معروفة — إذن — قبل بداية القرن العشرين ببضع سنوات.

وقد تلقيت رسالة أخرى في هذا الموضوع من الأستاذ «أحمد المصري» السكرتير العام لنقابة البحارة بالإسكندرية يلخص فيه ذكرياته عن أوائل تاريخ هذه الكلمة باللغة العربية، فيقول: «إن أول من كتب عن الاشتراكية في العربية هما السيد جمال الدين الأفغاني والأمير شكيب أرسلان، وإنهما نشرا أبحاثًا عن الاشتراكية في الإسلام ليعارضا بها الاشتراكية الغربية.»

ثم يستطرد قائلًا: إن الأستاذ سلامة موسى نشر أول مؤلفاته عن الاشتراكية في عام ١٩١١، وأعقب كتابه الأول برسالة صغيرة وجَّهَها إلى الشباب دعا فيها إلى اعتناق المبادئ الاشتراكية. أما الأستاذ إسماعيل مظهر، فقد كان إلى سنة ١٩٢٤ يعارض الاشتراكية، وفيها نشر رسالته عن هذا المذهب وأثره في ارتقاء الإنسان.

ويُشِير الأستاذ «أحمد المصري» إلى الحزب الاشتراكي الذي أُنْشِئ في سنة ١٩٢١، واتخذ له مركزًا بميدان الخازندار، وكان من أعضائه: الأستاذ كامل البهنساوي المستشار، والدكتور علي العناني الأستاذ بالجامعة القديمة، والأستاذ عزيز ميرهم، والأستاذ سلامة موسى. وغيرهم من الأدباء والمثقفين، ولم يعمر هذا الحزب طويلًا لاشتغال العاملين جميعًا بقضية الاستقلال ومحاربة الاحتلال.

ويتبين من هذه المراجع جميعًا، أن المذهب عُرِف باسم «الاشتراكية» في اللغة العربية منذ نحو سبعين سنة، وأنه شاع لأول عهده بالتداول على الألسنة بين تلاميذ جمال الدين، وقلَّما ظهرت في الشرق العربي نهضة إصلاح لم يكن لها أصل في مدرسة هذا المُصْلِح العظيم.

***

الحَبْر الأكبر في مدينة «الفاتيكان»، هو أحد الرجال القلائل الذين ينهضون بالنصيب الوافر من أعباء القضايا الإنسانية التي تهم الناظرين إلى مستقبل العالم في حياته الاجتماعية الروحية، أو الثقافية بعبارة أعم وأوفى، قبل كل شيء.

وقد تعاقب على الكرسي البابوي في هذا الجيل ثلاثة من أقدر الأحبار الذي شغلوه في تاريخه الطويل؛ وهم: بيوس الثاني عشر، وحنا الثالث والعشرون، وبولس السادس، الذي أعلن انتخابه اليوم، وكان انتخابه دليلًا على أن الوجهة التي تتجه إليها الترشيحات يغلب فيها على الدوام أن يكون اعتبار الأصلح مقدمًا على كل اعتبار، مهما يبلغ من اختلاف الأقطاب الناخبين في أسباب التقدير.

والاسم الذي اختاره الحَبْر الجديد أول دليل على الإدراك الواسع لمغزى التاريخ وعلامات الزمن ومطالب المستقبل؛ لأن آخر مَنْ تَسمَّى باسم بولس — أو بولس الخامس — كان هو البابا الذي حضر حرب الثلاثين، ووزن موقف الملايين من أتباعه بين الكتلتين الشرقية والغربية في القارة الأوروبية، وكانت أُولاهما مع أسرة هابسبرج في النمسا والثانية مع أسرة البوربون في فرنسا، وكان حرج الملايين من أتباعه في أواسط القارة وشرقيها على أشده في ذلك الحين.

والأهبة التي يستعد بها البابا الجديد للنهوض بأعبائه بين جماعات الأمم هي الأهبة الوافية التي بلغت في باب العلم والدراية، فلا نخال أن أحدًا من أقطاب الدين يَفُوق الحَبْر الجديد عِلْمًا بمذاهب الفكر ودعوات الاجتماع في العصر الحاضر كما ظهر من دراساته ومن خطته في حماية العقول بين أتباعه من آفات «المادية والإنكار»، ولا سيما أتباعه الناشئين والأُجَراء، ولم يُعْرَف أحد من قرنائه يُعْنَى بتوثيق الصلة بين الروح الدينية والروح الرياضية والروح التعاونية، كما كان يُعْنَى بها وهو يتولى منصبه الأخير في ميلان قبل انتخابه للبابوية.

ويكفي أن يُذْكَر من ذلك أنه كان يفتح فناء كنيسته الكبرى لناشئة الحي الذين يلعبون كرة القدم، وأنه يبذل العون للعمال في نقاباتهم وفي مصانعهم بكل ما في وسعه من المعونة، وأنه يُعِدُّ الفِرَق الطائرة من القساوسة لشهود كل اجتماع تُذاع فيه دعوات الإلحاد والإنكار والمادية المتطرفة …

وما هذه الفِرَق الطائرة؟

هي فِرَق من رجال الدين المتعلمين يَرْكَبون الدراجات البخارية ويَطِيرون بها إلى كل اجتماع مفتوح للمناقشات المذهبية، على استعداد كبير لقرع الحجة بالحجة ومقابلة الدعاية التي يطلقون عليها اسم دعاية الفضائح بدعاية مثلها وأنفذ منها للتو والساعة.

ولا يخلو اختيار اسم بولس السادس من دلالته على ناحية مهمة من نواحي الدعوات العالمية في الشرق الأقصى؛ فإن بولس الخامس قد كان رائدًا من رواد التأسيس في طقوس الكنيسة بالصين، وله في ذلك تجاربه المبتكرة بين الترخيص والتشديد، وهي في المقام الأوسط بين توسع الحَبْر الراحل حنا الثالث والعشرين وبين تضييق الأسبقين من أحبار الفاتيكان وأعوانهم المحليين في الصين.

إن البابا الجديد لينهض بعبء كبير من أعباء العالم الإنساني في هذا العصر المريج، بين مشاكله ومنازعاته التي لا تُحصى في ميادين الحياة الاجتماعية وحياة الروح والضمير قبل كل شيء، وبين مفارق الطرق التي تتشعب من الحاضر إلى المستقبل في شتى المقاصد والغايات. وكل نجاح له في دفع آفات المادية الحيوانية والإنكار الذميم، هو نجاح للمؤمنين من كل عقيدة وكل دين.

***

تترقب ربات البيوت في الأرياف خاصة ليلةَ نزول النقطة، فتسرع كل ربة بيت قبل الغروب بعجن الدقيق بالماء فقط ثم لفِّه بقطعة من القماش، وفي الصباح تتحول هذه العجينة إلى خميرة، ويقال إنه في غير هذه الليلة لا يحدث ذلك مطلقًا كما جرَّبْتُ ذلك بنفسي، ويقال أيضًا إنه في هذه الليلة تتكون النواة داخل البلح وفي ثمار المنجة ولا يمكن أن تتساقط بعد هذه الليلة … فهل هناك تفسير علمي لما يحدث في الحالتين؟ وهل تسمحون ببيان عن ذلك في اليوميات؟

محمد الأسود، شارع حدائق الأهرام

… منذ دهور لا يُدرَك أولها يحتفل أجدادنا وآباء أجدادنا بدمعة إيزيس التي يعنيها السيد «محمد الأسود» بسؤاله، ويُسمَّى موعدها بالاسم الذي اشتهر به في العصور الأخيرة، وهو ليلة النقطة، أو ليلة الشيخ إسماعيل الإنبابي رضي الله عنه وأرضاه.

وقديمًا كانت هذه الليلة عزيزة على ربَّات البيوت في أقاليم القُطر كله وفي إقليم الجيزة على الخصوص؛ لأنها تُعِيد إليهن قصة الربة المحبوبة «إيزيس» وهي تذرف دموعها على زوجها المفقود أوزيريس، وتفتتح بزفرتها موسم السموم اللافح من الحادي عشر في شهر بئونة إلى أن ينضج الزرع ويحتفل الضرع بما سرى فيه من تلك الدموع المباركة وتلك الأنفاس المُسَعَّرة، وكلها من نفحات الأرباب خيرات وثمرات، ولا سيما الربة التي تتحلى بحلية البقرة الولود الحلوب، بديلًا من تيجان الربات والأرباب.

وقد حفظ ربات البيوت تلك الذكرى العزيزة المباركة ألوف السنين، وتوالى حفظها على الزمن حتى نَسِينَ أصْلَها القديم ولم ينسين موعدها المتجدِّد على مدى الأعوام.

وشاعت هذه الذكريات في أقاليم القُطر كله، ولكنها تأصلت في إقليم الجيزة وبَقِيَتْ فيه محفوظة ملحوظة بعد نسيانها في أكثر الأقاليم؛ لأن إقليم الجيزة هو الموقع الذي ينتهي فيه مجرى النيل الموحَّد وتتفرع به مجاريه إلى الشمال والشرق والغرب، وفي جواره قامت منذ القِدَم عواصم منف وعين شمس، وتتابعت محافل الأقدمين والمحدثين بكل موسم من مواسم النيل، وأبقاها إلى اليوم موسم العقبة وموسم التاريخ، وهي الليلة التي يقترن بها فصل السموم وفصل الفيضان، ويأتي على أثرها ميقات الانقلاب الصيفي الذي يحسبه أبناء الزمن الأخير بين الثاني والعشرين والثالث والعشرين من شهر يونيو، وكان الأقدمون يرصدونه في النصف الأخير من شهر بئونة أو شهر «آبت سن سيت» على حسابهم لمواقيت الفيضان.

ومهما يكن من تجارب ربات البيوت وأربابها في «خميرة» هذه الليلة دون سواها، فالحق أنها ذكرى عزيزة ترث العزة من تاريخ طويل ولكنها على النقطة، ومعه مولد الشيخ إسماعيل.

ويُلاحَظ أن مولد الشيخ إسماعيل كان يُعاد بموعده على حساب الأشهر المصرية القديمة ولا يُعاد بحساب الأشهر الهجرية ولا الأشهر الميلادية؛ لأن مولده قد حل من الرعاية بين أهل الإقليم محل البقية الباقية من ذكرى الدمعة المقدسة، بعد أن فارقتها القداسة وحرَّمتْها شعائرُ الدين، وبعد أن وافق المولد موعدها في عام من الأعوام، ثم بقي على هذا الموعد الذي لم يتحول منذ عشرات القرون.

فليلة النقطة الحديثة، هي الليلة التي فاضت فيها دموع إيزيس، فيما قبل هذا لا ينبغي أن تُنسينا أن العجين يختمر في كل بلد من بلدان العالم، وأن البلح يحمل نواته في مصر وفي غير مصر، وأن الكرامة التي نحفظها لدمعة إيزيس وحدها تتكرر في المشرق والمغرب حيث يجهلون اسم إيزيس ويجهلون ليلة النقطة ومولد الشيخ إسماعيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.