ما هي الصلة بين حياتنا المادية وحياتنا المعنوية؟ وبتعبير آخر، هل لمستوى المعيشة أثر في حياتنا وحضارتنا؟ هذا سؤال اختلف الجواب عليه منذ أقدم العصور، وليس يرجع هذا الاختلاف إلى الفصل بين الجانب المادي والجانب المعنوي من الحياة فصلًا حاسمًا يؤدي إلى أن أحدهما لا أثر له في الآخر، بل يرجع الاختلاف إلى تصوير هذا الأثر. يقول بعضهم: إن الرخاء المادي مفسدة للحياة المعنوية. ويقول آخرون: إن الرخاء المادي هو أساس الطمأنينة المعنوية، وهو الأساس الثابت لرقي الحضارة في الشعوب والأمم.

يذكر الذين أرَّخوا لبوذا أنه كان ابن ملك في الهند، وأنه ضاق ذرعًا بما يعانيه الناس من آلام الحياة، فخرج هائمًا على وجهه وتخطى حدائق القصر الملكي وجعل يضرب في الأرض، فاهتدى آخر الأمر إلى أن رغائب الناس وأطماعهم هي سبب تعاستهم وشقائهم، ثم رأى متسولًا يلتمس رزقه اليومي من فضل الناس، فرأى في صنيعه مفتاح السعادة، فأقام تحت شجرة معروفة في الهند يعيش من أعطيات المارين به، وقد نسك واتخذ الزهد في الدنيا حرفته، فرفعه ذلك إلى مرتبة القديسين الذين ازدروا مطامع الحياة الدنيا ومادتها، فقرَّبهم الله منه.

ومن هذا القبيل عبارة الإنجيل «إن دخول الجمل سم الخياط أيسر من دخول الغني ملكوت السماوات»، وإن كان لعبارة الإنجيل مدلول يختلف عن فلسفة بوذا؛ لأنها نذير للأغنياء المغترين بغناهم والذين لا ينفقون أموالهم في سبيل الله سرًّا وعلانية، ولا يجعلون فيها حقًّا معلومًا للسائل والمحروم.

وقصة القديس «فرانسس الأشيذي» الذي اتخذ من التسول حرفة، ومن إخائه مع خلق الله جميعًا، ومن بينهم الحيوان والطير فلسفةً، وتعظيم الكنيسة لهذا القديس شاهد على أن الحياة المعنوية تسمو بالفقر وتتدهور بالغنى.

وليس هذا اللون من التفكير قاصرًا على الهنود الذين خرج بوذا من بينهم، وليس قاصرًا على المسيحيين المؤمنين بالإنجيل، بل نرى مثله عند الإغريق قبل المسيحية، ونرى مثله عند المصريين القدماء من قبل بوذا، ثم نرى مثله عند متصوِّفة المسلمين العرب وغير العرب، وعند متصوفة الفرس خاصة.

يقابل هذا التفكيرَ تفكيرٌ آخر يحالفه تمام المخالفة، وأصحاب هذا التفكير يذكرون أن الرخاء أساس الحضارة وما أثمرته من آداب وعلوم وفنون، فلولا الرخاء لبقيت الإنسانية في مرتبة الحيوانية الأولى، تقضي نهارها وليلها في التماس الكفاف الذي يرزقها عيش يومها، فإذا كان هناك ما يعاب فليس هو الرخاء، ولكنه الغنى المفرط الذي يبيح الترف وما ينشأ عن الترف من فساد لأصحابه، ومن استذلال لغيرهم، فإذا وجب على الجمعية الإنسانية أن تلتمس الخير لنفسها ولأفرادها جميعًا، فلن يكون ذلك بدعوتهم إلى التقشف والتخلي عن متع الحياة، بل بدعوتهم إلى الإنتاج مع توزيع ثمراته بينهم توزيعًا عادلًا، يكفل لهم جميعًا حظًّا من الرخاء يستطيعون أن يعيشوا معه عيشًا إنسانيًّا كريمًا، وأن تسمو به حياتهم المعنوية التي تنزل بها الفاقة إلى مستوًى وضيع يدنيها من بهيمية العجماوات.

وهناك مَنْ يذهبون إلى أن الغنى الذي يبيح الترف ليس شرًّا لذاته، وأنه لولا الأغنياء الذين يستطيعون أن ينزلوا عن حظٍّ غير قليل من مالهم هبةً للهيئات العلمية أو الفنية، لما تأتَّى للعلوم والفنون أن تصل إلى المركز الرفيع الذي وصلت إليه في حياة العالم، والذي أتاح للحضارة أن تبلغ ما بلغت من سمو.

ولست أريد في هذا المقام أن أفاضل بين هذه المذاهب أو أسوق الحجج التي يعتمد عليها أصحاب كل مذهب منها، فذلك أمر يحتاج إلى دراسات طويلة ومؤلفات تعد صحفها بالألوف، وإنما أريد أن أذكر ما شهدته عيناي في عالمنا، مما دلني على أن ما قد يصدق في عصر لا يصدق في عصر غيره، وأن حياتنا المعنوية تزداد اتصالًا بحياتنا المادية كلما ازددنا على كرة هذه الأرض تقاربًا بعضنا من بعض، واختلاطًا بعضنا ببعض، وأن المذاهب المجردة لا تغني من الواقع في الحياة شيئًا.

فقد أتيح لي أن أزور بلادًا كثيرة في القارات الأربع: أمريكا وأوربا وأفريقيا وآسيا، وأن تمتد زياراتي من الولايات المتحدة غربًا إلى الهند شرقًا، وقد لاحظت حيثما ذهبت أن الحضارة والرخاء يسيران جنبًا إلى جنب، وأن الفاقة لا تطيق من صور الحضارة إلا الألوان التي تعبِّر عن الحياة الآخرة، وقلما تعنى بشيء مما في هذه الحياة الدنيا، وأن البلاد المتخلفة اقتصاديًّا يتفشى فيها الجهل والأمية، وتبدو على أهلها مظاهر البؤس والألم الصامت، الذي لا تحركه قدرة النفس على الثورة بهذا الألم وهذا البؤس، فإذا اتصلت من أهل هذه البلاد نفسها بطبقات أكثر رخاء، رأيت أساريرهم أكثر انفراجًا، ونفوسهم أكثر صفاء، ونظراتهم أشد يقظة، وحديثهم ينم عن حرصهم على ما بلغوا وبلغت بلادهم من رخاء، وعلى أن يزدادوا وتزداد بلادهم رخاء ورقيًّا في مضمار الحضارة.

فأنت تدخل المتاجر في نيويورك أو في واشنجطن أو في غيرهما من مدن الولايات المتحدة، فتجد ثغور العاملين فيها تجمع بين الابتسام والجد في وقت، واحد وترى في هندامهم وفي لون بشرتهم وفي نظراتهم ما يدل على الذوق المطمئن إلى الحياة، وترى في معاملتهم ما تشعر معه بأنهم، مع حرصهم على حسن خدمتك، حريصون كذلك على أَلَّا يضيعوا وقتهم ولا يضيعوا وقتك في مساومات لا فائدة منها، وأنت ترى مثل ذلك في البلاد الأوربية التي احتفظت بمستواها الاقتصادي بعد الحربين العالميتين، أما البلاد التي نكبت في أي من هذين الحربين فقد تضعضعت معنويات أهلها قليلًا أو كثيرًا. زرت النمسا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكانت الحرب قد مزقتها، فإذا النظرات شاردة، وإذا الوجوه التي عُرفت بدقتها وظرفها قبل تلك الحرب عابسة، وإذا المساومة في الحوانيت تعيد إلى ذاكرتك أمثالها مما تضيق به نفسك. وفي المجر كنت أسمع الشكوى من الحيف الذي نزل بتلك البلاد في أعقاب الحرب الأولى، وقد زرت النمسا بعد الحرب العالمية الثانية فإذا الحال كما وصفت، وإني لأرجو أن تتحسن الأحوال فيها بعد توقيع معاهدة الصلح التي تمت أخيرًا.

وزرت الكثير من بلاد الشرقَين الأدنى والأوسط، وكانت الهند خاتمة ما بلغت من هذا الشرق، وقد أدت الظروف بهذه البلاد التي كانت يومًا ما باعثة الحضارة الإنسانية إلى انكماش أسباب الرخاء فيها عن أن تستمتع بها الكثرة الكبرى من أبنائها، فإذا هذه الكثرة تتردى في مهاوي الفاقة، وإذا الحضارة يتقلص ظلها عن هذه البلاد، وإذا الجهل يتفشى فيها، وإذا آثارُ هذا الجهل تبدو واضحة في حياتهم، فإذا دخلت متاجرها لم ترَ في نظامها ذوق الجمال الذي تراه في الولايات المتحدة، ولم تر على ثغور عمالها تلك البشاشة التي تراها في الغرب، ولم تر للوقت قيمة عند أصحابها، بل تراهم يساومونك ويطيلون المساومة وكأن لا قيمة عندهم لوقتك ولا لوقتهم، وكأن دريهمات معدودة يكسبونها هم أو تكسبها أنت نتيجة لهذه المساومة الطويلة تساوي ضياع الوقت، مع أن ضياعه يعادل أضعاف الدريهمات التي طمعت أو طمعوا فيها.

وكشأن المتاجر شأن غيرها من مظاهر الحياة، فالمتاحف، والمستشفيات، والطرق، والتعليم، ومظاهر الحياة والنشاط، كلها تتأثر إلى حد كبير بما تنعم به البلاد من رخاء أو تنوء به من فاقة، والحياة المعنوية تتأثر بهذا كله تأثرًا ظاهرًا محسوسًا، ومظاهر الحضارة تخضع لهذا الأثر خضوعًا تلمسه في كل خطوة من خطواتك وفي كل حركة من حركاتك.

كنت أتحدث إلى البانديت نهرو زعيم الهند العظيم، فكان مما قاله: «إن جيش الهند صغير جدًّا بالقياس إلى سعتها وعدد سكانها، وهذا لا يعنيني كثيرًا فملافاته ممكنة عند الضرورة، إنما يعنيني أن أرتفع بالمستوى الاقتصادي في الهند زراعة وصناعة وتجارة، فإذا ازداد أهل الهند رخاء ازدادوا إقبالًا على الحياة وإنشاءً فيها، وازدادوا بذلك قوة، وكانوا كلهم جيشًا يدافع عن أرض الوطن إذا حدثَتْ أحدًا نفسُه بالاعتداء على أرض الوطن.»

بين الحياة المادية والحياة المعنوية إذن صلة أوثق الصلة، وهذه الصلة أكثر وضوحًا في عهدنا الحاضر مما كانت فيما سبقه من عهود التاريخ، وما يسير العالم نحوه من وحدة في الاقتصاد والحضارة يقتضي كل مسئول عن شئونه أن يبذل غاية الجهد ليعم الرخاء الشعوب كلها، وفي إمكانيات الأرض التي نعيش عليها ما يكفل للجميع هذا الرخاء، وما يكفل للحضارة الرقي تبعًا لذلك، فإذا عمت الحضارة أرجاء العالم استتب فيه السلام، وعاش الناس فيه إخوة متحابين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.