سأصرف وجهي عن بلاد غدا بها

لساني معقولًا وقلبي مقفلا

وإن صريح الحزم والرأي لامرئ

إذا بلغته الشمس أن يتحولا

ولكن التحول في هذه الأيام ليس شيئًا يسيرًا، وقد تستطيع الشمس أن تبلغنا وأن تغمرنا بنارها المحرقة وتصهرنا بحرها المهلك دون أن نجد إلى التحول عنها سبيلًا؛ لأن الشمس تغمر الأرض كلها في هذه الأيام. تغمرها في النهار كما تغمرها في الليل، وتغمرها في الشرق كما تغمرها في الغرب. وليست هذه الشمس هي التي تحدث عنها أبو تمام، والتي ينعم الناس بها في الشتاء ويشقى الناس بحرها في الصيف، ويستطيعون أن يتحولوا عنها إلى الظلِّ إن ضاقوا بها. وإنما هي شمس أخرى قد استقرت في المكاتب، وامتد سلطانها المحرق ولهيبها المهلك إلى العقول حين تفكر، وإلى القلوب حين تشعر، وإلى الضمائر حين تواجه حقائق الأشياء وحين تتأثر بحقائق الأشياء. ثم امتد سلطانها المحرق ولهيبها المهلك إلى الألسنة والأقلام حين تريد أن تظهر ما ترى العقول إذا فكرت، وما تجد القلوب إذا شعرت، وما تحس الضمائر إذا واجهت حقائق الأشياء.

وهذه الشمس الغريبة هي الرقابة التي تفرضها الحرب على المحاربين والمسالمين جميعًا، والتي تستقر جذوتها في دار من دور الحكومة هنا وهناك؛ فينبعث منها هذا اللهب الذي يمنع العقول من التفكير، والقلوب من الشعور، والضمائر من الإحساس، والألسنة من القول، والأقلام من التحرير، إلَّا أن تفكر العقول وتشعر القلوب وتحس الضمائر وتقول الألسنة وتكتب الأقلام كما تريد لها الحرب والرقابة، لا كما تريد هي.

وما أحب أن ينخدع صديقي الأستاذ أحمد أمين بما يقرأ في التيمس أو في غير التيمس من الصحف الأوروبية والأمريكية؛ فإن الحرب وحدها هي التي توحي بهذا كله، وهي التي توجِّه هذا كله. وهي على كل حال تراقب هذا كله إن أوحت به شخصية الكتَّاب والمفكرين، فتحذف منه ما لا يلائمها، وقد تضيف إليه ما يلائمها، وإن لم يلائم شخصية الكتَّاب والمفكرين. وأكبر الظن — بل المحقق — أن للحرب والرقابة كتَّابًا ومفكرين، لهم وحدهم أن يفكروا وأن يكتبوا وأن يذيعوا في الناس ما يفكرون وما يكتبون بعد أن يظهر عليه الرقيب ويقرَّ إذاعته في الناس. وأن هناك كتَّابًا آخرين ومفكرين آخرين لا تحبهم الحرب، ولا ترضى عنهم الرقابة؛ فهم في راحة من التفكير، وهم في راحة من الكتابة، وهم قد فرضت عليهم هذه الراحة فرضًا، وأُمروا أن يعيشوا على هامش الحياة الاجتماعية. يرون ويشعرون، ولكنهم لا يفكرون فيما يرون ويشعرون، ولا يكتبون عما يرون ويشعرون.

وفيمَ التفكير والكتابة، وقد ضُرِب بينهم وبين الناس بسورٍ متين، ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قِبَلِه العذاب؟! وهم يخففون عن أنفسهم هذا العذاب بقدر ما يستطيعون؛ يرون الأشياء وكأنهم لا يرونها، ويحسون الحقائق وكأنهم لا يحسونها. يمنعون أنفسهم من التفكير؛ لأنهم إن فكروا كتبوا، وإن كتبوا أرادوا أن ينشروا، وإن أرادوا أن ينشروا قام الرقيب دونهم يردهم إلى القصد ويعيدهم إلى المكان الذي ينبغي لهم على هامش الحياة. فإن أذعنوا فهو الألم الممض، وإن قاوموا فهو الأذى في النفس، وهو الأذى في الرأي، وهو التعرض للشر المادي والمعنوي. ومن يدري؟ لعل في مقاومتهم هذه التي يدفعهم إليها حرصهم على الحرية إيذاءً للوطن، وإساءةً إلى مصالحه، وإضاعةً لبعض منافعه!

فالرقابة لم تُفرض عبثًا، وإنما اقتضتها المصلحة. ولكن تنفيذ الرقابة قد تُرك إلى ناس من الناس، يخطئون ويصيبون، ويضلون ويهتدون، ويظلمون ويعدلون. وإذن، فالمفكر الحر والكاتب الصريح خليق أن يؤثر الصمت ويعيش — حيث تريد له الحرب والرقابة أن يعيش — على هامش الحياة الاجتماعية، فإذا أبت عليه شخصيته إلَّا أن يفكر ويكتب، فهو يفكر لنفسه ويكتب لنفسه، ويحتفظ لنفسه ويحتفظ بآرائه وآثاره إلى أن تنجلي غمرة الحرب، وتكشف غمة الرقابة، ويُباح للأحرار أن يواجهوا الناس في صراحة وحزم واطمئنان إلى المصلحة العامة بما يرون.

وما أزعم أن الرقابة يجب أن تُلغى، فقد قلت: إن المصلحة هي التي تفرضها. وما أعرف كيف يضمن من الرقابة أن تلائم بين المصلحة العامة كما يراها الرقباء وبين الحرية التامة للكتاب والمفكرين.

وما أريد أن أتجنى على الرقابة والرقباء، وإنما أريد أن أقر الأمر في نصابه بين ما يجب على الكتاب الأحرار من الجهر بالحق والنصح للناس، وما يجب على الرقابة والسلطان العام في البلاد المحاربة والمسالمة من رعاية المصلحة العامة وحياطة منافع الوطن أن تعرضها الحرية لخطر من الأخطار.

وما أرى لإقرار الأمر في نصابه بين الحرية التي هي حق للمفكرين والرقابة التي هي للمصلحة العامة إلَّا أن يأخذ المفكرون الأحرار بقول أبي تمام؛ فيصرفوا وجوههم عن بلاد غدت بها ألسنتهم معقودة وقلوبهم مقفلة، وأن يتحولوا عن الشمس إذا بلغتهم. وهم يفعلون ذلك كلما يستطيعون، فإذا أعجزهم أن يصرفوا وجوههم عن البلاد صرفًا ماديًّا، وأن يتحولوا عن الشمس تحولًا مكانيًّا إذا بلغتهم، فهم يستطيعون أن يصرفوا وجوههم ويتحولوا عن الشمس في الزمان لا في المكان، وهم يستطيعون أن يدعوا هذا العصر؛ ليعيشوا في عصور أخرى مع فيلسوف من الفلاسفة أو شاعر من الشعراء أو كاتب من الكتَّاب أو رجل من أصحاب الفن أو بين هؤلاء الكتاب جميعًا. يتنقلون بين ألوان الحياة القديمة كما ينتقل النحل بين ألوان الأزهار. والسياحة لا تكون في المكان وحده، ولكنها تكون في الزمان أيضًا. والانتقال بين أقطار الأرض لا يكون بقطع البر والبحر والجو في القطار والسفينة والطائرة فحسب، ولكنه يكون باصطحاب الكتب ومرافقة الأسفار.

وأؤكد للصديق أحمد أمين وأمثاله أن هذه السياحة في الزمان قد تكون أشد إمتاعًا من السياحة في المكان، وأن التنقل في الأرض بواسطة الكتب والأسفار قد يكون أجمل من التنقل في الأرض بواسطة السفينة والقطار، والناس لا يخسرون من هذا شيئًا. فربما كان من الخير أن يحتفظ الكاتب الحر الصريح بآرائه الحرة الصريحة؛ ليهديها إلى الناس حين يستطيع إهداءها إليهم نقية خالصة لم تعبث بها السياسة ولم يمسسها تحكم الرقيب.

وقد يلاحظ الصديق أحمد أمين وأمثاله الذين يلومون الكتَّاب لأنهم لا يكتبون، أني أتحدث في أمور عامة، وأرسل القضايا إرسالًا مهملًا مجملًا لا دقة فيه ولا تفصيل، ولست أكره أن أضرب لهم أمثالًا فيها دقة وفيها تفصيل؛ ليتبيَّنوا أن خير ما يصنعه الكاتب الحر في هذه الأيام هو أن يأخذ برأي أبي تمام.

موقف مصر من الحرب ما هو؟ وماذا ينبغي أن يكون؟ أتقدم مصر على الحرب أم تؤثر السلم والعافية؟ كيف السبيل إلى التحدث في هذا الموضوع بما ينبغي للكاتب الحر الصريح من الحرية والصراحة في هذه الأيام التي نعيش فيها؟

هناك رقابة رسمية تفرضها الدولة متأثرة بالظروف القاهرة التي تحيط بنا، وهذه الرقابة لن تتيح للناس أن يقولوا في هذا الموضوع إلَّا ما ترى أن فيه المصلحة، وقد يكون رأيها مناقضًا لرأي هذا الكاتب الحر أو ذاك. وهناك رقابة غير رسمية أوجدتها الظروف العامة التي وجَّهت الناس توجيهًا خاصًّا، وكونت لهم آراءً معينة. وصحف مضطرة إلى أن تراعي هذه الرقابة غير الرسمية؛ فتنشر ما يلائمها وترفض ما لا يلائمها. فخيرٌ للكاتب الحر — في هذه الظروف — أن يفكر لنفسه الآن، وأن يعلن آراءه للناس يوم يستطيع ذلك في غير إساءة إلى المصلحة العامة كما تتصورها الدولة وكما يراها المسئولون الناهضون بتصريف الأمور.

والمستقبل السياسي لمصر فيما يكون من علاقتها بالدول الأجنبية: كيف تكون الكتابة الصريحة فيه الآن؟! وللظروف أحكامها وللدولة مواقفها وللرقابة سلطانها. والاستعداد الداخلي للطوارئ وإيواء المهاجرين واللاجئين إلى الريف، واشتراك الأغنياء والقادرين في معونة المهاجرين واللاجئين. كيف يكون الحديث الصريح الحر في هذا كله الآن؟! والمصلحة العاجلة تقتضي أن تجري الأمور في مصر على أحسن ما يمكن أن تجري عليه من الأمن، والسلم، والوفاء، والبعد عن إثارة الأحقاد بين الذين يجدون ما ينفقون وأكثر مما ينفقون، والذين لا يجدون شيئًا ولا يستطيعون أن يجدوا شيئًا، وحاجة الدولة إلى الاقتصاد استعدادًا للطوارئ واحتياطًا للخطوب.

كيف السبيل إلى الحديث عن هذا في صراحة وحرية في هذه الأيام؟ كيف السبيل إلى أن تبين للدولة مواضع الإسراف فيما تنفق، ومواضع الخطأ فيما تقتصد؟ وكيف السبيل إلى أن تبيِّن للدولة الوجوه التي يجب أن تقصد إليها؟ لتُحصِّل ما هي في حاجة إليه من المال دون أن تمس مشكلات سياسية واجتماعية ليس من المصلحة أن تُمس في هذه الأيام. أمَّا أن كتَّابنا وقادة الرأي فينا مقصرون في ذات الشعب وفي ذات القراء، فذلك شيءٌ لا أشك فيه؛ لأنهم لا يقولون الآن شيئًا، ولا يعملون الآن شيئًا؛ بل لأنهم لم يقولوا أو لم يعملوا حين كانوا يستطيعون القول والعمل، أي قبل أن تُعلن الحرب وتُحيط بمصر من جميع أقطارها.

وأمَّا أنهم مقصرون الآن، فهذا ما أشك فيه كل الشك، فهم لا يستطيعون الآن أن يقولوا، ولا أن يعملوا وما ينبغي لهم أن يقولوا أو يعملوا، وإنما القول والعمل الآن للذين ينهضون بأعباء الأمر ويحتملون التبعة في تصريف مصالح البلاد.

ومن الحق على الذين ينهضون بأعباء الأمر في مصر أن ينظِّموا نشر الدعوة على أحسن وجه ممكن، وأن يقولوا للناس ما ينبغي أن يُقال لهم، وأن يوجهوا الراديو والصحافة كما ينبغي أن يوجها. يستعينون على ذلك كله بمن يرى رأيهم من الكتَّاب والخطباء أو بمن لا يكره أن يرى رأيهم حين تدعو المصلحة العامة إلى ذلك.

ومن هذه الناحية — ومن هذه الناحية وحدها — يمكن أن يوجه النقد الشديد، ولكني أخشى أن هذا النقد إذا وُجه إلى أحد فما ينبغي أن يوجه إلى الكتَّاب، وإنما ينبغي أن يوجه إلى الدولة؛ لأن الدولة لا تقول للناس شيئًا، أو لا تريد أن تقول للناس شيئًا، ومن يدري لعل الدولة نفسها تريد أن تأخذ بقول أبي تمام:

سأصرف وجهي عن بلاد غدا بها

لساني معقولًا وقلبي مقفلا

وإن صريح الحزم والرأي لامرئ

إذا بلغته الشمس أن يتحولا

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.