إن «ما عليه شيء» هي «معلهش» إذا نَطَق بها عربي فصيح، ولكننا لا نذكر فيما قرأناه ووعيناه أن هذه العبارة كانت من العبارات المتداولة على ألسنة الفصحاء بالمعنى الذي تداولنا به كلمة «معلهش» في الأيام الأخيرة …

كان جان كوكتو يحب الشرق، ولكنه لم يحببه قط لأحسن ما فيه … كان يحب شرق «معلهش» ويحييه على طريقته حين ألَّف كتابه بهذا الاسم، وحرص على تسميته بالكلمة العربية وهو يظن أنها فريدة في معناها بين لغات العصر، فلا توجد في هذا المعنى كلمة تماثلها باللغات الأوروبية.

ولكن الحق «أولى به أصحابه» كما يقول الذين تجري على ألسنتهم كلمة معلهش من الناطقين بالعربية.

وإذا عاد الحق إلى أصحابه — بعد وفاة صاحب الكتاب — فالحق أن «معلهش» إحدى واردات الغرب الحديث، وليست من العبارات التي تنتمي إلى أصل عريق في لغة الضاد.

فهي مفهومة باللهجة الدارجة التي شاعت بعد اتصالنا الوثيق بالأمم الأوروبية، ولكنها ليست مفهومة على تركيب واحد من تراكيبها بلغتنا الفصحى.

فمن الذي قال يومًا في حديث أو كتابة مروية عن الأقدمين: «ما عليه شيء …»؟!

ويجوز أن قائلًا قال في معرض التهوين والتناسي أو المسامحة: … لا عليك، وهو يعني: هوِّنْ عليك … ولا تشغل بالك بهذا … ولا تُطِلْ أسفك عليه … إلخ إلخ.

ويجوز أن يُقال أيضًا في معرض كهذا من معارض الحديث: لا بأس عليك، أو لا عليك من بأس، ثم تنتهي الكلمة في معرضها ولا يبلغ من تداولها أن تصبح مضغة في الأفواه تُعاد في موضعها وفي غير موضعها كما تُعاد كلمة معلهش على كل لسان.

أما هذه «المعلهش» التي أصبحت فلسفة حياة، وعنوانًا لقلة المبالاة وقلة المؤاخذة، وقلة التفرقة بين مواضع الملام ومواضع الرضا والاستخفاف …

هذه «المعلهش» مرادفة لقول القائل في معرض التشهير أو اللوم على قلة المبالاة: «عامل ألافرنكا» …

وقريب منها بعد ذلك «عامل مودرن …» وعامل «سبورت» حين أصبحت الكلمة بلفظتها الأوروبية تُغْنِي عن أختها «معلهش» في الجيل القديم.

وبينما نتعب في البحث عن أصل فصيح لهذه «المعلهش» لا نحتاج إلى بحث طويل عن مرادفاتها في أشهر اللغات الأوروبية بتركيبها الفصيح أو تركيبها الدارج على الألسنة.

فليس أعرق لفظًا من عبارة «سان فيه ريان» باللغة الفرنسية ça ne fait rien وليس أعرق في اللغة الإنجليزية من قولهم: «نفر مايند» Never mind أو من قولهم «نو ماتر» No matter.

وكل هذه العبارات أوسع رحابًا في معارض التسهيل والتهوين من «معلهش» كوكتو وغير كوكتو بين نعاة هذه السهولة على الشرقيين.

وعلى خلاف المظنون نعتقد أن الشرقيين مصابون بداء على نقيض هذا الداء المأخوذ عليهم في أقاويل الغربيين: داء التسهيل والتهوين أمام الأقاويل وأحاديث الملام والتبكيت.

وقديمًا وحديثًا يتخيل السامع في مقام «معلهش» الحديثة من يصيح بمخاطبه: «يا عيب الشؤم! … ماذا يقول علينا الناس؟!»

وقبل المتنبي وبعده كان لسان حال العربي قول هذا الشاعر المغامر الجسور:

والعار مضاض وليس بخائف

من حتفه من خاف مما قيلا

فإن لم يكن بد «فمعلهش يا سيد كوكتو» يغفر لك الله!

معلهشك مردودة إليك وإلى مكانها بجوار «سيه نيه فيه ريان» … ولا أسف على مكانها الخالي في لغة «النار ولا العار».

***

مما رواه الأستاذ أنيس منصور عن كاتب هذه السطور رأي نميل إليه في تعليل من تعليلات كثيرة لفلسفة التشاؤم بأنواعه، وفحوى هذا التعليل أن أناسًا من المتشائمين يسخطون على الحياة؛ لأنهم أصحاب «مثل عليا» يئسوا منها ولم يستطيعوا تحقيقها، ولا الإيمان بإمكان تحقيقها بعد التجربة.

ويقول الأستاذ «مغاوري همام مرسي المتخصص للدراسات النفسية والاجتماعية إنه لا يرى ارتباطًا سيكولوجيًّا واضحًا بين كون الفرد متشائمًا وما يكون لديه من مثل عليا وقيم أخلاقية.»

ثم يقول في ختام رسالته: «هذا ما أراه. وقد يكون الأمر على خلاف ذلك؛ فأرجو الإيضاح.»

ونعود إلى هذا الموضوع الذي لخَّصَه الأستاذ أنيس منصور لنقول إن الأمر على خلاف ذلك فيما نراه، ولكن بعد الاحتياط الشديد من تعميم القول على جميع مذاهب التشاؤم؛ إذ ليس الإيمان بالمُثُل العليا أساسًا لكل تشاؤم بالفكر أو بالمزاج، بل كثيرًا ما يكون المرء متشائمًا لأنه ضعيف الثقة ضعيف الأمل ضعيف القدرة عليه وعلى العمل في آنٍ.

ولكن العلاقة بين الأمل الكبير وبين التشاؤم عند بعض الناس واضحة جد الوضوح في حياتنا الاجتماعية.

ومن أمثالنا الشائعة أن «العتب على قدِّ العشم.»

وتفسير ذلك أننا نغضب ممن نرجوه، ولا نغضب ممن لا رجاء فيه، ونسخط على من نظن فيه الخير، ولكننا لا نسخط على من نسيء به الظن و«نرمي حجره»، فلا نبالي ما يصنع من إساءة وإحسان.

وأذكر أنني قلتُ للسيد أنيس منصور إن الإنسان قد يسخط على محسن أعطاه خمسين جنيهًا ويرضى كل الرضا عن آخر لم يأخذ منه غير خمسة جنيهات، ولا موجب لهذا الاختلاف في الشعور غير الاختلاف في الأمل؛ فإنه إذا أخذ الخمسين وهو ينتظر الألف سخط واتهم من أعطاه بالبخس والانتقاص، ولكنه لا يتهم بهذه التهمة أحدًا أعطاه خمسة جنيهات وهو لم ينتظر منه غير جنيه واحد، أو لم ينتظر منه عطاءً على الإطلاق.

وهكذا يكون الانقباض من الحياة في بعض الأحيان دليلًا على انتظار الكثير، ثم اليأس من الكثير والقليل.

***

جاء في يوميات الأسبوع الماضي أن الزعيم الخالد سعد زغلول أخذ على بعض المنشورات التي أذاعها الجهاز السري بالقاهرة، أن كاتب المنشور أنكر ولاية السلطان أحمد فؤاد؛ لأن صاحب الحق في العرش هو الخديو عباس الثاني المعزول، وكانت تعليمات سعد تقضي بأن يكون العمل كله قائمًا على اعتبار مسألة العرش حقًّا للأمة دون غيرها، وليست حقًّا لعباس ولا لفؤاد.

وفي رسالة مطولة بتوقيع «طالب تاريخ بجامعة إسكندرية» يقول الطالب الأديب إنه هو وطائفة من زملائه سمعوا من بعض المعاصرين للثورة بعد الحرب العالمية الأولى أن سعدًا إنما كان يعمل لرئاسة الجمهورية، وأن هذا العمل كان سبب الخلاف بينه وبين المنشقين من أعضاء الوفد، ولا سيما بعد رفضه النص على اعتبار مصر دولة ملكية عرشها في بيت محمد علي، كما جاء في قواعد الاتفاق الذي أعدته لجنة ملنر وأقرَّها عليه عدلي يكن باشا وزملاؤه، وقد كان عدلي يكن — كما هو مفهوم — من أصهار الأسرة الخديوية.

ونختصر الطريق فنقول للطالب الأديب وزملائه، إن سعدًا لم يكن عليه من حرج ولا معابة لو أنه قام بالدعوة إلى الجمهورية، ورشح نفسه لرئاستها بعد إعلانها أو قبل إعلانها، فلو لم تكن هذه الخطة مقبولة من الزعماء لما قامت في العالم جمهورية ولا سقطت فيه أسرة ملكية.

ولكن سعدًا رحمه الله قد أغلق هذا الباب في تلك الظروف؛ لأنه أراد أن يجمع الجهود كلها على الإيمان بقضية الاستقلال وإلغاء الحماية، ولو أنه فعل غير ذلك لانفتحت أبواب الدسائس على القضية القومية من كل جانب، ولاستطاع المحتلون أن يصوروه للناس — بمصر وغير مصر — في صورة الخارج على السلطة الشرعية التي يدَّعُون حمايتها من أوائل عهد الاحتلال كما فعلوا في محاكمة عرابي لعصيانه للسلطان توفيق، ويقترن ذلك بغلبة الشكوك على النفوس في صدق الإخلاص لقضية الاستقلال وفي دخيلة النيات عند العاملين لتلك القضية، ولا بد من سريان سوء الظن في هذه الحالة، وانتقال المسألة من محاربة سعد؛ لأنه خصم الاحتلال والحماية إلى محاربته لأنه «صاحب مطامع شخصية» ينافسه عليها كثير من أبناء وطنه، وينكرها عليه بيت الإمارة وأشياعه وأصهاره وخدامه ومأجوروه.

ولقد عرض الإنجليز مُلْكَ مصر على سعد وهو في طريقه إلى منفاه بجزر سيشل، وسمعنا تفاصيل هذا العرض من لسانه، فكتبناها في ترجمة حياته، ولولا أن هذه المسألة قد خرجت من طوايا الكتمان على لسان رئيس الوزارة البريطانية نفسه، لبقيت روايتنا في كتاب سعد زغلول هي السند الوحيد المكتوب لهذه الحادثة التاريخية، قبل نشر تفاصيلها في مذكراته، ولكن لويد جورج صرَّحَ بها لرهط من وزراء مصر وزعمائها في المأدبة التي أقامها رئيس الوزارة المصرية «عبد الفتاح يحيى باشا» لتكريمه. فثبتت الرواية في سجلات التاريخ من مصادر شتى.

أما إنكار سعد للنص على نظام مصر الملكي وولاية أسرة محمد علي لعرشها — فهو الموقف الذي لا مناص له منه، وهو يحارب الحماية البريطانية وينادي بحق مصر في استقلالها واختيار نظام حكومتها بمشيئة شعبها.

وقد كان مشروع ملنر يقضي في أول فقرة من فقراته «باستبدال الحالة الحاضرة بمعاهدة تحالف دائم بين بريطانيا العظمى ومصر، يُشترَط فيها — أولًا — أن تتعهد بريطانيا العظمى بضمان سلامة مصر واستقلالها باعتبارها دولة ملكية ذات أنظمة دستورية.»

وكان سعد يستنكر هذا النص من وجهة القانون الدولي ومن وجهة القوانين الدستورية المرعية في نظام كل أمة مستقلة.

ولما أعرب الإنجليز عن استعدادهم لحذف النص على ضمان سلامة مصر واستقلالها، قال سعد إن النص على المحالفة الدائمة التي لا اختيار للأمة في تجديدها لا يقل في المدلول الدولي عن النص على الحماية الصريحة، وبخاصة حين يصحبه اشتراط النظام الملكي باتفاق مع دولة أجنبية. فإن قيام هذا النظام بمعاهدة دائمة مع دولة أجنبية هو اعتراف بحماية تلك الدولة لعرش البلاد وإشرافها على نظام الحكم فيها، وقد كان سعد يقول: هل يقبل الإنجليز منا أن نشترط في المعاهدة أن يكون الاتفاق مع ملك يجلس على عرش إنجلترا من هذه الأسرة أو تلك بين الأسر المالكة؟!

كان يقول ذلك، فكان المنشقون عليه يحرفون الكلم عن مواضعه ويخرجون المسألة عن كونها مسألة دولية دستورية إلى عداد المسائل الشخصية التي يرمي سعد من ورائها إلى مأرب يخفيه، ولا خفاء فيه فيما أعلنوه وروَّجوه.

وهكذا بلغ من سخف التأويلات التي فسروا بها مناقشة سعد للنص على النظام الملكي في معاهدة دائمة مع دولة أجنبية، فهل كان يكثر عليهم تشويه قضية الاستقلال بحذافيرها واتهام الدعوة القومية من ألفها إلى بائها، لو افتتحها سعد بغير خطته المأثورة في طلب الاستقلال والدستور؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.