سلام. سلام.

وفي يوم واحد، هو يوم أمس، ترددت هذه الكلمة بما فيه الكفاية للعام كله.

ولو كان ترديد اسم السلام يحقق السلام بمعناه ومسماه لتحقق سلام الدنيا من مشرقها إلى مغربها عدة أعوام.

ولكنه اسم!

وماذا في اسم كما يقول صاحبنا شكسبير؟

كثير في حساب السحرة الذين يستحضرون أرواح الجِنة بأسمائها.

وقليل، بل قليل جدًّا، في حساب العاملين الذين يأخذون من السحر بكلمات وحروف ولا يعثرون فيه على أرواح، ولا على القماقم ذات الأرواح!

وقضية السلام اليوم هي قضية «الإنسان» وليست بقضية السواس والرؤساء وذوي السلطان.

هزيمة الأمس كانت هزيمة ملك، أو أمير، أو قائد، أو أشتات من الجنود.

ولكن هزيمة اليوم هزيمة للإنسان الحي حيثما كان، بل هزيمة للحياة الإنسانية على وجه الكرة الأرضية!

وهكذا انتصار اليوم، إن عقباه وعقبى الهزيمة سواء، ولن يسلم المنتصر من مصير المهزوم؛ لأنه هو حامل عبء الهزيمة، حين ينجو المهزوم من جرائر الأعباء، وحين يأخذ الخراب من العمار على حد سواء.

كانوا يقولون بالأمس: سلام في البحار سلام في جميع البرور.

ومن علامات الزمن في العصر الحديث أن الجزيرة تخلف البحر في تقدير السلام.

سلام في الجزر: سلام في البحر المحيط وفي البر الأصيل.

قبرس في الوسط، وفرموزة في الطرف الأقصى من الشرق، وكوبا في الطرف الأقصى من المغرب، ومن شاء أن يسلك «برلين» في عداد الجزر التي يرصد فيها معيار السلام فله عذره من جغرافية السكان لا من جغرافية المسكونة؛ لأنها الأرض المحصورة بين بحرين، والقلعة المغلقة في غمار المعسكرين.

والجزر البريطانية، هل ننساها في هذا الأطلس الجديد وهي أم البحار قديمًا وأم الجزر في الزمن الأخير؟!

ليست قبرس بشيء لولا حساب هذه الجزر البريطانية.

وليست فرموزة بشيء لو لم يكن للجزر البريطانية ملحقها في هونج كونج على شاطئ محيط السلام؛ ذلك المحيط «الهادئ» كما وسموه ضاحكين، ولكن غير آمنين!

سلام في جزائر الهونج كونج.

سلام في جزائر فرموزة.

سلام في الجزائر البريطانية.

سلام في قبرس.

سلام في كوبا.

سلام في كل مكان.

سلام لكل إنسان.

ومن بشائر السلام أن يريده اليوم كل من كان يريد الحرب بالأمس. إلا من غلبته الشقاوة على ما يريد.

لا أحد اليوم يريد حربًا ويستمع إليه ذو أذنين، غير طويلتين!

ومن كان مستكثرًا على إخوته بني آدم هذه المروءة «الآدمية» فليقل: إنه خوف الحرب لا حب السلام.

ومن خاف حرب اليوم فما هو بجبان، إلا أن يكون الإقدام على خراب الدنيا والآخرة شجاعة يثني عليها من لا يملك الثناء، بين فناء على الأرض وغضب من السماء.

إنما الجبناء هم الذين يدينون بتلك الشجاعة على خاتمة الحروب في دنياهم أو على فاتحة الحروب غدًا بالحجارة والتراب، حيث لا صواريخ ولا طوائر، وحيث لا خناجر ولا حراب.

لم يبقَ اليوم من يؤمن بخرافة القائلين: إن الثورة العالمية خبر اليقين.

ولم يبقَ اليوم من يؤمن بالذهاب إلى الحرب قبل أن تأتي الحرب إليه.

ومن آمن بهذا لم يجد من يصغي إليه، وإن وجد المؤمنين لم يجد من يقول: آمين آمين؛ مخافة اللاعنين من الشمال ومن اليمين.

وحسب الإنسان أن يأمن إرادته؛ ليأمن كثيرًا من الشر الذي يجنيه على نفسه بيديه.

وليس الشر الذي يفجأ الإنسان من وراء الإرادة بالمستحيل.

ولكنه كثير — كذلك — أن نأمن ما هو أقل من المستحيل بقليل.

وحبذا الرجاء في خير يريده الإنسان ويتمناه، ويصدق النية له في سره ونجواه.

أما الخير الذي يسومه فوق ما يريد وفوق ما يطيق، فسلام عليه. سلام … سلام!

***

يسأل الطالب الحقوقي بجامعة الإسكندرية عبد الرزاق المهداوي، عن «تصريح بابا الكنيسة الرومانية الحالي في خطبته أمام المجلس الديني الذي ينظر في التوفيق بين المذاهب المسيحية: ما المراد بقوله: إن الكنيسة الكاثوليكية لا يمكنها أن تستبعد الآن — في محاولتها التوفيق الديني — أديانًا أخرى موحدة بالله كالإسلام. فإن هذا التصريح الصادر من رجل ديني كبير وإن كان مقتضبًا ولكنه عميق المعنى، وعلى مسلمي العالم أن يعرفوا ما هو المقصود منه وما أهميته؟»

والذي نستطيع أن نقوله في جواب هذا السؤال: إننا لم نطلع على النص الرسمي المعتمد من الفاتيكان لخطاب الحبر الأكبر في ذلك المجلس، ولكننا نعلم من خطة الحبر الأكبر في مسألة التوفيق بين المذاهب المسيحية وتوحيد الموقف بين الأديان الإلهية، أنها متممة للخطة التي ينهجها أستاذه بيوس الثاني عشر، وخلاصتها: توحيد الموقف بين المؤمنين بالله في وجه الدعوات المادية إلى الإنكار والإلحاد وتقويض مبادئ الأخلاق وأوامر الضمير التي تتفق عليها الكتب السماوية.

ومما أذكره أن سفيرنا في الفاتيكان خوطب في هذا المعنى قبل أكثر من خمس عشرة سنة، واتصل بوزارة الخارجية لاستطلاع رأي الحكومة في السياسة العملية التي يمكن اتباعها لتحقيق هذه الرغبة بغير إخلال بالتقاليد الدولية وتقاليد الفاتيكان في هذه الأمور، وقد كنت يومئذٍ عضوًا بمجلس الشيوخ وتفضل الوزير فأطلعني على ما دار في هذا الصدد بين سفيرنا ووزارة الخارجية بالفاتيكان، ولكن العلاقات بين الشرق والغرب في إبان أزمة الجلاء حالت يومئذٍ دون التفاهم على موقف قد يعرض بلادنا لمجاهرة الشرق والغرب بالعداء في وقت واحد.

وقد أعلنت تفاصيل هذه الخطة في مرسوم بابوي خطير ذيع في العشرين من شهر أكتوبر (سنة ١٩٣٩)، وقامت دعوة المرسوم على أساس التضامن بين أبناء النوع الإنساني بجميع أممه وأفراده، وعلى اختلاف أجناسه وعقائده.

ذلك التضامن الأصيل الذي دلت عليه وحدة النسب الآدمي، ووحدة القواعد الفكرية بين عقول بني الإنسان. وليس أضيع لتلك الوحدة من اتباع منهج «اللاأدرية الدينية والأخلاقية» في تصرف الإنسان بينه وبين وجدانه، وبينه وبين أبناء نوعه. ويراد باللاأدرية الدينية والأخلاقية قلة الاكتراث للتمييز بين الصواب والخطأ، وبين الخير والشر على أصول المعتقدات، وعلى أصول الحكمة الأخلاقية التي يدين بها أصحاب الضمائر الحية والعقول السلمية.

في الفقرة الثامنة والثلاثين من ذلك المرسوم يقول الحبر الأكبر:

إن الأمم — على الرغم من فوارق النشأة وأحوال المعيشة وتعاليم الثقافة — ليس بالمقدور لها، أو المقضي عليها، بأن تحصل أواصر الوحدة الإنسانية، بل على نقيض ذلك قدر لها أن تزيد من ثروتها الروحية بالمشاركة بين المواهب وتبادل الطيبات والخيرات التي لا تتيسر ولا تتحقق إلا إذا اشترك بنو الإنسان في المحبة المتبادلة وفي الشعور الحي بالخير شعورًا خليقًا بالأبناء المنتسبين إلى أب واحد، وخليقًا بالذين يتحدون في الإيمان بالفداء الإلهي.

فالدعوة إلى التوفيق بين المذاهب المسيحية، هي دعوة للذين يؤمنون بالفداء. والدعوة إلى التقريب بين الأمم على اختلاف الثقافات، هي دعوة إلى الآدميين الذين ينتسبون إلى آدم أبي البشر أجمعين.

والمفهوم أن الحبر الحاضر، قد كان من أكبر أعوان أستاذه صاحب هذا المرسوم في تقرير هذه الخطة، وربما كان هو الوكيل البابوي الذي نيط به تحضير المرسوم وصياغة التعليمات الشفوية التي تلقاها من أستاذه الكبير، وهو على كونه تلميذًا للبابا بيوس الثاني عشر، يضارعه اليوم في رجاحة الرأي وسعة الثقافة والقدرة على صد ذلك التيار الجارف الذي أوشك أن يجتاح أمامه عقول أبناء الغرب باسم العلم تارة، واسم الفلسفة المادية تارة أخرى، ويؤثر عنه — يوم كان مطرانًا لكنيسة ميلان — أنه أنشأ فرقة من الرهبان تسمى بالفرقة الطائرة من راكبي الدراجات البخارية، تبادر إلى الاجتماعات التي يقيمها دعاة المادية والخروج على الديانات الكتابية على إطلاقها، لمناقشة البرهان بالبرهان، والأسانيد العلمية بما يماثلها من أسانيد العلم والتفكير. ومجمل الدعوة إلى التوفيق أن يكون البحث عن جوانب الوفاق بين الوجهات الفكرية والروحية مقدمًا على البحث عن جوانب الخلاف عمومًا وجوانب الشقاق والعداء على الخصوص … ومن تعليمات هذه الدعوة لمن يقومون بها أن يحاربوا المادية ولا يحاربوا الماديين، وأن يغلبوا حسن الظن والمحبة على سوء الظن وسوء النية، وعلى طوية الكراهية والبغضاء قبل كل شيء.

ومن الواجب عند النظر إلى أمنية أي رئيس من رؤساء الأديان، أن نذكر أنه لا يتمنى شيئًا كما يتمنى أن يتوحد الناس على دينه، ولكن الأمنية التي تتعلق بالأمل شيء والأمنية التي تتعلق بالواقع وبالخطط العملية شيء آخر، ولا سيما الخطط التي يراد من أصحاب المذاهب المختلفة أن يتفقوا على تنفيذها.

وهذه الخطط العملية هي التي يصح أن نفسر بها مقاصد الرؤساء المسئولين ممن يقدرون تبعاتهم ثم يقدرون ما يستطاع وما لا يستطاع. وما من أحد يأبى أن يقابل مقاصد التوفيق بما هي أهل له من القبول، ما دامت في حدود المستطاع وفي نطاق السعي الناجح والأمل المعقول.

«ليس في التاريخ سند معروف لدينا يثبت أن «الشعرة» منقولة من ودائع الخلفاء العثمانيين، ولا هي من ودائع الخلفاء الأمويين الأقدمين، ولكن المرجح في اعتقادنا أن الأخوة الأحياء من أسرة «باندي» يحتفظون بالوثيقة التي ترتفع بأسانيد الرواية إلى مصدر هذه الشعرة، وأسباب انتقالها إلى حوزة السلاطين المغول في البلاد الهدية».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.