هل تدرك أنه في كل مرة تشغِّل بعض الموسيقى أو تستمع لكلمات أحد المتحدثين فأنت تشارك في إحدى معجزات علم الأحياء؟ ألا وهي القدرة على السمع. إن الأصوات ليست سوى موجات من الضغط تتعاقب عبر جزيئات هوائية متفرقة. ولا تقتصر قدرة أذنيك على التقاط تلك الذبذبات فحسب، بل تستطيع فك شفرتها لتكشف عن سوناتة لباخ أو ضحكة صديق أو صوت لبوق سيارة.

يحدث ذلك عبر ثلاث خطوات، الأولى: هي الالتقاط؛ إذ تمر الموجات الصوتية عبر أجزاء أذنك التي تستطيع رؤيتها متسببةً في اهتزاز غشاء يمتد مشدودًا كالوتر عبر القناة السمعية؛ ألا وهي الأذن الوسطى أو طبلة الأذن، وهي التسمية الأكثر استحضارًا في الذهن. من الناحية الأخرى تتصل طبلة الأذن بثلاث عظام صغيرة تحمل أسماء معبرة؛ ألا وهي: المطرقة والسندان والركاب؛ وهي العظام التي تربط بين الأذن الخارجية المليئة بالهواء والأذن الداخلية المليئة بالسوائل.

تتولى العظام تنفيذ الخطوة الثانية: ألا وهي التحويل والتضخيم؛ إذ تنقل الضغط كله من طبلة الأذن الواسعة نسبيًّا إلى طرف الركاب الأكثر ضآلة، محولةً الذبذبات الكبيرة الخافتة التي يحملها الهواء إلى ذبذبات صغيرة قوية تحملها السوائل.

تدخل تلك الذبذبات الأذن الداخلية، والتي تبدو مثل خفاق بيض سلكي يبرز من صدفة حلزون. دعك من خفاق البيض مؤقتًا وركز على الصدفة، وهي عبارة عن قوقعة مكونة من أنبوب ملتف يمتلئ بالسوائل ومبطن بخلايا شعرية حساسة. تتولى تلك الخلايا تنفيذ الخطوة الثالثة: ألا وهي تحليل التردد. تستجيب كل خلية لترددات مختلفة، وتصطف الخلايا على نحو مرتب بحيث تقع تلك المختصة بالترددات المنخفضة في أحد طرفي الأنبوب، بينما يحوي الطرف الآخر الخلايا التي تستقبل الترددات العالية. فهي تشبه لوحة مفاتيح البيانو لكنها تؤدي وظيفة عكسية؛ ألا وهي استشعار الأصوات بدلًا من إصدارها. تنتقل الإشارات الصادرة من تلك الخلايا إلى عصب السمع وتُفك شفرتها في الدماغ، وعندئذٍ نسمع الأصوات.

تعمل آذان جميع الثدييات بنفس الطريقة وهي التقاط الصوت، تحويله وتضخيمه، ثم تحليل الترددات. لكن الطبيعة نادرًا ما تهدر طرق التكيف النافعة على نوع واحد فحسب من الكائنات الحية، بل غالبًا ما تتطور لدى أنواع الكائنات المختلفة حلول مشابهة للتعامل مع مشاكل الحياة. وهذا يفسر حالة الجندب الأمريكي — أحد أقرباء صرصور الليل — الذي يعيش في الغابات المطيرة بأمريكا الجنوبية، ويسمع مستخدمًا الطريقة نفسها بخطواتها الثلاث التي نستخدمها، ولكن عبر آذان توجد على ركبتيه!

لدى كل من الجنادب وصراصير الليل والجراد آذان على ركبها لا يتعدى طولها جزءًا من المليمتر، وتعتبر واحدة من أصغر الآذان في مملكة الحيوان. ورغم أن أعدادًا لا حصر لها من تلك الحشرات قد شُرِّحت، لم يتمكن أحد حقًّا من فهم تكوينات تلك الآذان.

تمكَّن الدكتور فرناندو مونتيليجريه-زي، الباحث والمحاضر بجامعة بريستول، من سد باقي الفجوات المعرفية حول هذه الظاهرة. فبعدما أنهى لتوه بحثًا يهدف لإعادة استصدار صوت أحد صراصير الليل من العصر الجوارسي، اتجه إلى دراسة نوع من الجندب الأمريكي يطلق عليه اسم كوبيفورا جورجونينسي، وهي حشرة خضراء بوجه برتقالي تعلوها شوكة تشبه قرن وحيد القرن ويحوي عينين صغيرتين مدورتين كالخرز مضحكتين.

حلل مونتيليجريه-زي أرجل حشرات الجندب الأمريكي وهي حية، مستخدمًا جهاز تصوير بالأشعة المقطعية مصممًا لفحص الأشياء بالغة الصغر. كشف الجهاز عن وجود طبلتي أذن — أو أغشية طبلية — على كل ركبة، وهو ما نعرفه بالفعل، غير أن مونتيليجريه-زي اكتشف كذلك عضوين جديدين.

الأول هو الحويصلة السمعية، وهي تشبه قوقعة الأذن لدينا لكنها غير ملتفة، في شكل أنبوب مجوَّف مستدقِّ الطرف ومليء بالسوائل. افترض علماء آخرون أن الحويصلة السمعية مجرد وعاء دموي، لكن مونتيليجريه-زي أدرك خطأ هذا الافتراض؛ أولًا لأنها لا توجد سوى في أول زوج من الأرجل، حيث توجد آذان الجندب الأمريكي، وتضم كذلك صفًّا من خلايا حساسة تدعى العُرف السمعي تشبه الخلايا الشعرية التي تبطن قوقعة الأذن لدينا وتضطلع بنفس الدور؛ ألا وهو تحليل الترددات.

تتصل الحويصلة السمعية بكل طبلة أذن عبر نسيج جديد تمامًا، يطلق عليه اسم الصفيحة الطبلية. وهي تبدو كأنها مجرد جزء عادي من هيكل الحشرة الخارجي الصلب، لكن عند استخدام أشعة الليزر اكتشف مونتيليجريه-زي أنها تهتز بالتزامن مع طبلة الأذن. وتعتبر هذه الصفيحة هي العضو المماثل لدى الجندب الأمريكي لعظام الأذن الثلاث عندنا، وهي عبارة عن رافعة صلبة تصل بين الأذن الخارجية المليئة بالهواء والحويصلة السمعية المليئة بالسوائل. وكما تحتل طبلة الأذن لدينا مساحة تبلغ ١٧ ضعف مساحة الركاب، تحتل طبلة أذن الجندب الأمريكي مساحة تبلغ ١٣ ضعف مساحة الصفيحة الطبلية؛ مما يُحدث التأثير نفسه وهو تحويل الذبذبات الخافتة الضخمة إلى ذبذبات قوية صغيرة.

فيما يلي نوضح الطريقة التي يسمع بها الجندب الأمريكي؛ الخطوة الأولى: تلتقط طبلتي الأذن صوتًا، مثلما يحدث لدينا. الخطوة الثانية: ترسل الصفيحة الطبلية تلك الذبذبات إلى الحويصلة السمعية المليئة بالسوائل وتضخمها في هذه العملية. الخطوة الثالثة: تنتقل الموجات إلى العرف السمعي الذي تستجيب خلاياه لترددات متنوعة، وترسل تلك المعلومات إلى الجهاز العصبي لدى الحشرة. الأمر لا يختلف عن نظام السمع في آذاننا، لكنه ينفذ عبر أنسجة أصغر بمئات المرات.

رغم أوجه التشابه، توجد اختلافات واضحة بين آذان الجندب الأمريكي وآذاننا، بخلاف الموقع وطبلات الأذن المزدوجة؛ إذ تضم قوقعة الأذن لدينا عددًا من الخلايا الشعرية يتراوح ما بين ١٧ ألفًا و٢٤ ألفًا من الخلايا، بينما تملك الجنادب الأمريكية من ١٤ إلى ٧٠ خلية فحسب. تغطي تلك الخلايا مدًى من الترددات يتراوح بين ١٠ و٥٠ كيلوهرتز. ويشمل هذا المدى ثلاث جوابات موسيقية عالية النغمة، ويتسع لما يفوق بكثير الأصوات التي تخاطب بها الجنادب بعضها البعض، مثل نغمة المغازلة التي يتراوح ترددها بين ١٨ إلى ٢٣ كيلوهرتز. يعتقد مونتيليجريه-زي أن الحشرات تطورت بحيث أصبحت تسمع أصواتًا أخرى غير أصواتها الخاصة، ربما أصوات الصيحات عالية التردد التي تصدرها الخفافيش أثناء الصيد.

The Insect That Hears Like a Human, with Ears on Its Knees by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. November 15, 2012.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    elasmr ·٣٠ يناير ٢٠١٦، ١٣:٥٩ م

    افضل شركة مكافحة حشرات بالمدينة المنورة وينبع 0552692371https://twitter.com/eyadelasmrhttps://www.youtube.com/watch?v=OYyKjZbbfWA