يدور بعض الناس حول الجامعة المصرية منذ حين، يتهمها في وطنيَّتها ودينها وإخلاصها للعلم، ويستعدي عليها الناس، ويُنْذِر مصر بالخطر الداهم والشرِّ المستطير؛ لأن الجامعة المصرية فكَّرت في أن تكون جامعة مصرية، وأرادت أن تؤدي واجبها في هذه البلاد كما تؤدي الجامعات الأخرى واجباتها في البلاد الأخرى.

نعم، يدور بعض الناس حول الجامعة، ويتَّهِمُها بكل هذه المنكرات؛ لأنها فكرت في أن تدعو أستاذًا فرنسيًّا ليلقي فيها محاضرات حول الآداب العربية، أو حول فقه اللغة العربية. فكرت الجامعة في ذلك، فهي تُتَّهَم في دينها ووطنيتها، تُتهم بالردَّة، وتُتَّهَم بالخيانة العظمى. وليس ذلك غريبًا، فليس في مصر شيء غريب.

ونحن نخشى أن يصل مثل هذه الأوهام إلى قوم ليس لهم صلة بالجامعة؛ فيسيئوا الظن بهذه الجامعة، أو يخطئوا فهمَ ما تعمل الجامعة وما تريد. لهؤلاء وحدهم نكتب هذه الكلمة.

لم تكد تنشأ الجامعة حتى شعر مجلس إدارتها — وعلى رأسه يومئذ صاحب الجلالة المصرية — بأن هذه الجامعة لا تستطيع أن تعيش ولا تستطيع أن تنهض إذا اكتفت بالعلماء المصريين والأساتذة المصريين، وبأنها إنما أُنشئت لتكون صلة في العلوم العالية بين مصر وأوروبا، شعروا بذلك فاعتزموا أن يدعوا أساتذة أوروبا إلى هذه الجامعة.

ولم تفتح الجامعة دروسها حتى كان من بين أساتذتها ثلاثة من الأوروبيين في قسم الآداب: أستاذ للآداب الإنجليزية، وأستاذ للآداب الفرنسية، وأستاذ إيطالي هو السنيور جويدي للآداب العربية، أو قل كما قالت الجامعة يومئذ لا آداب الجغرافيا والتاريخ. وقد ألقى هذا الأستاذ الجليل دروسه باللغة العربية، وكان ازدحام الناس على هذه الدروس شديدًا وإعجابهم بها أشدَّ.

فلما كانت السنة الثانية، دُعيَ إلى الجامعة مكان هذا الأستاذ، الذي اعتذر لتقدمه في السن، أستاذ إيطالي آخر هو الأستاذ نللينو؛ فألقى دروسه في تاريخ الفلك عند العرب. فلما كانت السنة الثالثة نظم قسم الآداب في الجامعة ودُعيَ إليه أستاذان إيطاليان: أحدهما الأستاذ نللينو لدرس تاريخ الآداب العربية، والآخر الأستاذ مليوني لدرس تاريخ الشرق القديم، ودُعيَ أستاذ ألماني هو الأستاذ ليتمان لدرس اللغات السامية، ودُعيَ أستاذ إيطالي آخر هو الأستاذ سانتللانا لدرس تاريخ الفلسفة. كان هؤلاء الأساتذة الأربعة يُلْقُون دروسهم باللغة العربية، وكان الأزهريون يختلفون إلى هذه الدروس فيعجبون بها الإعجاب كله كما كان الأساتذة يعجبون بتلاميذهم الأزهريين، حتى لقد ذهب الأستاذ سانتللانا إلى رئيس الجامعة وقال له: إذا كنت تريد أن تنجح الجامعة حقًّا، فأَعِن الأزهريين على أن يختلفوا إليها ويتخصصوا لها. ثم كانت الحرب وانقطعت الصلة بين الجامعة وأوروبا، انقطعت هذه الصلة بعد أن اختلفنا في الجامعة إلى أساتذة من الفرنسيين والإيطاليين والألمان، درَّسوا لنا آداب العرب وفلسفتهم وتاريخهم، ودرَّسوا لنا اللغات السامية درسًا نعترف بأننا لم نشهده في مصر، وبأننا ما زلنا بعيدين عن أن نشهده في مصر، وبأن واجب الجامعة المصرية وغير الجامعة المصرية هو أن تقرِّبنا من هذا اليوم الذي نجد فيه أساتذة مصريين يدرِّسون على نحو ما يُدرِّس الأساتذة الأوروبيون.

انقطعت هذه الصلة أثناء الحرب، واكتفت الجامعة بأساتذة من المصريين، منهم بعض علماء الأزهر، ومنهم غير علماء الأزهر من رجال العلم. ويسوءنا أن نسجِّل أن القيمة العلمية للجامعة ضعفت ضعفًا شديدًا، أحسَّه الطلبة، وأحسَّه الأساتذة أنفسهم، وأحسَّه أعضاء إدارة الجامعة، وأحسَّه الناس من حول الجامعة؛ فكانوا جميعًا يأسفون، ويتمنَّوْنَ أن تعود الجامعة إلى سُنتها القديمة.

ثم انتهت الحرب، وعاد إلى الجامعة نفرٌ من أبنائها الذين درسوا في أوروبا، فأخذوا يدرِّسون في الجامعة. ولكنهم لم يتعلموا الغرور في أوروبا، وإنما تعلموا فيها الشعور بأن اليد الواحدة لا تستطيع أن تصفِّق، وبأن الجامعة لن تنهض ولن تعيش إلَّا إذا استعانت بأساتذة أوروبا، وكانت صلة متينة بين مصر وبين البلاد الأوروبية. فأخذ كل واحد من هؤلاء الأساتذة يلحُّ في أن تستعين الجامعة بأساتذة من الأوروبيين في المادة التي يدرِّسها هو. وأكثر الأساتذة من الإلحاح، ووضعوا لذلك نظامًا مكتوبًا، لو نُفِّذ لكانت الكثرة في أساتذة الجامعة الآن يلحُّون في تنفيذ هذا النظام، ويتمنون على الله وعلى جلالة الملك وعلى الحكومة المصرية أن تُزال العقبات المادية التي تحول بين الجامعة وبين تنفيذ هذا النظام.

أساتذة الجامعة إذن ومجلس إدارتها متضامنون في الرغبة في دعوة الأساتذة الأوروبيين بكثرة إلى الجامعة المصرية. وقد عرض نظامهم الجديد على صاحب الجلالة فتفضَّل بالوعد بأنه سينظر فيه وسيشمله بتأييده الكريم. وفي أثناء هذا كله علمت أن الأستاذ بول كازانوفا الذي يدرِّس اللغة العربية في أكبر معهد علمي فرنسي هو «الكوليج دي فرانس» College de France، والذي اختلفت أنا إلى دروسه في باريس أربع سنين، قد يزور مصر في الشتاء المقبل لعمل له في المعهد الأثري الفرنسي وفي آثار الفسطاط؛ فاقترحت على مجلس الأساتذة أن تنتهز الجامعة وجود الأستاذ في مصر لتطلب إليه إلقاء طائفة من المحاضرات في مناهج البحث عن فقه اللغة وآدابها. وقبل المجلسان هذا الاقتراح، وكتبت الجامعة إلى الأستاذ، فأجاب معتذرًا بأن زيارته لمصر في الشتاء المقبل ليست محققة، وهي إن تحققت فقد تستغرقها أعماله التي يجيء من أجلها، ولكنه وعد بأن يتحدث إلى الجامعة في تنظيم طائفة من المحاضرات يقف عليها جهده في سياحة خاصة في السنة المقبلة، ووقف الأمر عند هذا الحد. أترى إلى هذا الخطر الداهم الذي تتعرض له مصر في كرامتها وعلمها ودينها ووجودها السياسي؟

أريد أن يعلم الناس جميعًا أن الجامعة المصرية حين تدعو أساتذة من أوروبا لإلقاء الدروس فيها لا تأتي بدعًا من الأمر، وإنما تنهج في ذلك نهج الجامعات الأوروبية والأمريكية الكبرى التي تتقارض الأساتذة وتتبادل المعلمين في كل عام دون أن تجد في ذلك غضاضةً أو مسًّا للكرامة القومية، ودون أن تجد في ذلك شيئًا غير النفع العلمي الخالص الذي إنما أُسست الجامعات له، حتى إن الأساتذة الألمان ليدعون إلى فرنسا، وإن الفرنسيين ليدعون إلى ألمانيا في هذه الأيام.

وأريد أن يعلم الناس أن الجامعة المصرية حين تدعو الأساتذة الأوروبيين لا تأتي بدعًا من الأمر، وإنما تستأنف سنتها القديمة التي قامت عليها وانتفعت بها ونفعت بها كثيرًا. ثم أريد أن يعلم الناس أن هذا الأستاذ الذي دعته الجامعة إليها فاعتذر ليس رجلًا عاديًّا، وإنما هو أستاذ حقًّا وأستاذ في اللغة العربية فقهها وآدابها. ولقد أريد أن يعلم الناس أني سمعت هذا الأستاذ يفسِّر القرآن الكريم تفسيرًا لغويًّا خالصًا، فتمنيت لو أُتيح لمناهجه أن تتجاوز باب الرواق العباسي ولو خلسة ليستطيع علماء الأزهر الشريف أن يدرِّسوا على طريقة جديدة نصوص القرآن الكريم من الوجهة اللغوية الخالصة على نحو مفيد حقًّا.

وأريد أن يعلم الناس أن هذا الرجل يخدم مصر في تاريخها وآدابها خدمة لو قام بجزء منها نفرٌ منَّا لكنت أول من يُكْبِرُهم ويدين لهم بالإجلال. يضع كتابًا قيِّمًا عن تخطيط مدينة الفسطاط، وقليلٌ منَّا من يُعْنَى بمدينة الفسطاط ويعرف موقع مدينة الفسطاط … يترجم إلى اللغة الفرنسية خطط المقريزي، وقليلٌ جدًّا منَّا من يقرأ خطط المقريزي. ثم يعدُّ للنشر كتابًا لإمام من أئمة الحديث، استكشف منذ سنتين في إدفو على ورق البردي، ولم يسمع به أحد من أولئك الذين يخشونه على مصر.

أحب أن يعلم الناس أن الجامعة المصرية معهد للدرس الحديث، يجب أن تظل أبوابها ونوافذها مفتوحة؛ ليكون فيها الهواء طلقًا حرًّا ملائمًا للرأي الحر والرقي الحديث.

فإذا كان في مصر قومٌ يريدون أن يدرِّسوا والأبواب والنوافذ مغلقة من دونهم، فدونهم معاهد التعليم على النحو القديم. على أن هذه المعاهد تفتح أبوابها بعض الشيء في هذه الأيام، فإن كانوا في حاجة إلى الظلمة فليغلقوا ما فُتح من هذه الأبواب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.