أحب أن ألفت انتباه القرَّاء في مستهل هذه التدوينة إلى أنها تتناول عَظْمة القضيب (وتُسمَّى الجُذَيْل)، فقد لا يرغب بعضٌ منكم في القراءة حول العظمة التي توجد في الأعضاء الذكرية لدى كثير من أنواع الثدييات؛ لذا رغبت أن أعطيكم فرصةً لتغيير وجهتكم نحو مدوَّنات أخف حدةً. لكن ربما عليكم البقاء ها هنا؛ فستجدون فيما يلي بعض المعلومات العلمية الحقيقية، وستشاهدون عملية التطور أثناء حدوثها.

***

في الأسبوع الماضي، كتبتُ مقالين في جريدة «نيويورك تايمز» عن تطوُّر الزواج الأحادي، وذلك بمناسبة صدور دراستين جديدتين تضمنتا تحليل العلماء لمئات أو آلاف الأنواع من الثدييات، متتبعين مسيرة تطوُّر الزواج الأحادي وغيره من الترتيبات الاجتماعية. وقد يؤدي هذا المنهج الكلي في دراسة التطور إلى بعض الأفكار اللامعة الهامة، لكن التفاصيل الأدق في هذا المجال هي ما يصعب فهمها.

إذا تناولنا حالتنا نحن بني البشر (حيث يوجد الزواج الأحادي والزواج التعددي وغيره من الترتيبات الاجتماعية الأخرى المتنوعة)، مقارنةً بقردة الشمبانزي (حيث الزواج الأحادي سمة الضعفاء!) فأنت تنظر فحسب إلى طرفَيْ فرعين من فروع التطور الراسخة. فربما تكون قردة الشمبانزي هي الأقرب لنا من بين أقربائنا الأحياء في مملكة الحيوان، لكن السلف الأعلى المشترك بيننا وبينهم عاش منذ حوالي سبعة ملايين سنة، وعقب انفصال الذُّريَّتين المنحدرتين من ذلك السلف الأعلى، تطوَّر كلٌّ منهما منذ ذلك الحين في اتجاهات مختلفة. وفي وسعنا التوصل إلى بعض الاستنتاجات حول طبيعة التطور بالنظر إلى أنفسنا وإلى الشمبانزي وأنواع الثدييات الحية الأخرى، إلا أن هذا النوع من البحث لا يمنحنا إدراكًا عميقًا لكيفية تطور العادات الجنسية لدى الثدييات من جيل لجيل.

لذا أثارت اهتمامي بشدة دراسة جديدة صادفْتُها للباحثَيْن لي دبليو سيمونز ورينيه فيرمان من جامعة غرب أستراليا؛ إذ تمكَّنا من مراقبة التطور الجنسي لدى الثدييات، بينما يتضح تدريجيًّا في معملهما. يمكنني القول إذن إن الدراسات التي تناولْتُها الأسبوع الماضي كانت تُشبِه الصورة التي يلتقطها القمر الصناعي للقارات، أما الآن فنحن نهبط لنتناول التفاصيل الصغيرة الموجودة على أرض الواقع.

تعتمد الكيفية التي تتعايش بها الذكور والإناث مع بعضها على ظروف معيشة الأنواع التي تنتمي إليها؛ فعلى سبيل المثال، إذا كان في وسع ذَكَرٍ واحد التزاوجُ مع العديد من الإناث، فسوف تصبح له في النهاية ذُريَّة كبيرة، لكن إذا كانت الإناث تنتشر على مساحات متباعدة، فربما لا يتمكن من حمايتهن من الذكور الأخرى التي ترغب كذلك في التزاوج معهن. وفي تلك الحالات، قد تُفضل عملية الانتقاء الطبيعي الذكورَ الذين يفضِّلون ملازمة أنثى واحدة فحسب.

قضيب خنفساء البذور.
قضيب خنفساء البذور.

في الأنواع التي يشتد فيها تنافُس الذكور على الإناث، قد يُسفِر التطور عن خلق أجزاء جديدة في تشريح الحيوان؛ فتطوِّر بعضُ الذكور قرونًا مفرطة الضخامة للتغلُّب على المنافسين، بل وقد يتغيَّر كذلك تشريح أعضائها التناسلية، وهو ما يحدث على الأرجح عندما تتزاوج الأنثى مع العديد من الذكور؛ إذ تقاتل الذكور بعضها بعضًا حتى أثناء الاتصال الجنسي. فعلى سبيل المثال، تستخدم بعض ذكور الحشرات أعضاء تناسلية مغطَّاة بالأشواك لحكِّ الحيوانات المنوية لمنافِسِيها وإزالتها.

ويفترض علماء الأحياء التطورية أن تلك الأعضاء الجنسية الشاذة جاءت نتيجةً لسلالة متطورة نشأت بين الذكور، وهي الفكرة التي وجدوا دعمًا لها عندما قارنوا بين الذكور؛ إذ اتَّضَح أن أصحاب أكبر ذُريَّة هم في الأغلب الذكور الذين يملكون أعضاءً ذكرية تحوي أكبر عدد من الأشواك.

وقد بدأ الباحثون في الآونة الأخيرة في مراقبة هذه الأعضاء أثناء تطوُّرها. على سبيل المثال، قدَّمَ علماء سويسريون عام ٢٠١١ دراسةً عن خنافس البذور التي تملك أشواكًا على أعضائها التناسلية من أجل حكِّ الحيوانات المنوية للذكور المنافِسَة وإزالتها.

بدأ العلماء السويسريون بعزل كل ذَكَر مع أنثى واحدة فحسب، وهكذا لم تواجِه الذكور أي منافَسَة على شريك التزاوج، ثم تركوا الخنافس تتزاوج حتى أنتجت ٢١ جيلًا. وكانت النتيجة أن قَلَّ حجم أشواك الأعضاء التناسلية لدى الذَّكَر بمعدل كبير، وهو ما تنبَّأ به العلماء بناءً على نظرية التطور؛ فدون وجود أي منافَسَة من الذكور الأخرى، تصبح الأعضاء الذكرية الشائكة بلا جدوى.

عظام القضيب لدى جرذان الأرز وفئران الحقل، من دراسة باولا ستوكلي: http://dx.doi.org/10.1016/j.cub.2012.11.001.
عظام القضيب لدى جرذان الأرز وفئران الحقل، من دراسة باولا ستوكلي: http://dx.doi.org/10.1016/j.cub.2012.11.001.

وثَّقَ سيمونز أدلةً كثيرةً على هذا التطور في الأعضاء التناسلية الذكرية في الحشرات، والآن حوَّل هو وفيرمان اهتمامهما إلى الثدييات، ولمزيد من الدقة، حوَّلَا اهتمامهما إلى عَظْمة القضيب؛ العَظْمة التي وصفاها بأنها: «إحدى أعظم الألغاز المحَيِّرة في تكوين الثدييات.»

تتميز عظمة القضيب بالطول في بعض الأنواع، وبالقِصَر والغِلْظة في أنواع أخرى، وقد تكون مستقيمة أو معقوفة أو شائكة أو مثل رمح نبتون ثلاثي الشعب، وفي بضعة أنواع — مثل النوع البشري — تختفي هذه العظمة تمامًا.

قدَّم العلماء العديدَ من التفسيرات المحتملة لوجودها؛ فاقترح البعض أنها تمكِّن الذكر من ضخِّ المزيد من الحيوانات المنوية داخل الأنثى عبر إضفاء الصلابة على القضيب، فربما تفوق تلك الحيواناتُ المنوية الإضافية عددًا الحيواناتِ المنويةَ للمنافِسين. بينما اقترح آخَرون أنها تساعد الحيوانات المنوية على التقدُّم لمسافة أطول نحو البويضة. في حين اقترح علماء آخرون أنها تحفِّز الأنثى على إحداث التبويض.

تشترك هذه الفرضيات الثلاث في عامل واحد؛ وهو أن عَظْمة القضيب تتطوَّر بفضل قدرتها على جعل عملية التزاوج تُسفِر عن إنجاب ذرية. في شهر يونيو، نشر بعض الباحثين البريطانيين دراسةً تدعم هذه الفكرة؛ إذ درسوا حالة فئران المنازل، وهو نوع من الحيوانات تتزاوج فيه الإناث مع عدة ذكور في كل مرة تمر فيها بمرحلة التبويض، ووجدوا أن ذكر الفأر الذي يملك عَظْمة قضيبٍ أعرض ينجب عددًا أكبر من الصغار مقارنةً بالذكور الآخَرين.

طوَّر سيمونز وفيرمان هذا البحث إلى المرحلة التالية المتوقعة؛ إذ استنتجا أن هذا الاختلاف بين ذكور الفئران يجب أن يؤدي إلى تطوُّر عَظْمة القضيب. ولاكتشاف ذلك، أجرَيَا تجربة مشابِهة لتلك التي أجراها العلماء السويسريون، فكوَّنا مجموعتين من الفئران: إناث متعددة الأزواج، وإناث أحادية الزوج.

وفي هذه التجربة، سُمِح للإناث متعددة الأزواج بالتزاوج مع ثلاثة ذكور في كل دورة، بينما لم يُسمَح للإناث أحادية الزوج بالتزاوج سوى مع ذكر واحد فقط، وسمح العالمان للفئران بالتناسل حتى ٢٧ جيلًا، ثم فحصا عظام القضيب لديها، ووجدا أنه كما هو الحال لدى خنافس البذور، تطوَّرت عظمة القضيب؛ إذ أصبحت أغلظ في المجموعة متعددة الأزواج وأرفع في المجموعة أحادية الزوج. وهكذا راقب العلماء للمرة الأولى عظمة القضيب أثناء تطوُّرها.

مع ذلك، لا تقدِّم هذه التجربة حلًّا للُغْز وظيفة عظمة القضيب، لكن سيمونز وفيرمان لديهما في الواقع فكرة عن ذلك، على الأقل بالنسبة للفئران؛ فهما يعتقدان أن عظمة القضيب تساعد ذكر الفأر على تحفيز الجهاز التناسلي للأنثى، وربما يزيد هذا التحفيز من احتمالية تخصيب الذكر لبويضات الأنثى، أو يرفع احتمالات نجاح البويضة المخصَّبَة في زرع نفسها في الرَّحِم.

إذا كانت عملية الانتقاء الجنسي هي بالفعل الدافع وراء وجود عظمة القضيب، فالسؤال الذي يطرح نفسه بطبيعة الحال هو: أين عظمة القضيب لدينا؟ كتبت باولا ستوكلي — عالمة الأحياء في جامعة ليفربول — في ديسمبر الماضي بمجلة «كَرَنت بيولوجي»: «يظل سبب فقدان عظمة القضيب لدى البشر لغزًا.»

تمتلك أنواع الحيوانات أحادية الزوج في رتبة الرئيسيات عظمة قضيب أصغر بكثير من تلك التي توجد في الأنواع التي يتنافس فيها الذكور على التزاوج؛ لذا من المنطقي أن نفترض أن تحوُّل أسلافنا إلى الزواج الأحادي تسبَّب في الاختفاء الكامل لعظمة القضيب (باستثناء بعض الحالات القليلة جدًّا؛ والمخيفة للغاية).

رغم ذلك، فالأمور ليست بهذه البساطة؛ فمثلًا قردة الشمبانزي — أقرب أقربائنا — بعيدة كل البُعْد عن فكرة الزواج الأحادي، وبناءً على ذلك قد تعتقد أنها تملك عظمة قضيب ضخمة، لكنها تملك عظمة لا يتعدَّى حجمها حجم حبة الأرز؛ أي أقل خمس مرات تقريبًا من حجم عظمة القضيب لدى قردة البابون. وفي الواقع، تملك جميع القردة العليا عظامَ قضيبٍ بالغةَ الصِّغَر. إذن لسبب ما غامض اختفت هذه العظمة الغامضة لدى أسلافنا تقريبًا منذ عشرة ملايين سنة أو أكثر. وبينما قد تتطور عظام القضيب في غضون أسابيع أثناء التجارب المعملية، فإن تطوُّرها قد يمتد كذلك عبر فترة طويلة من الزمن.

A Most Interesting Bone by Carl Zimmer. The Loom. August 9, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.