لفظ يسير ينطق به اللسان في غير مشقة ولا جهد، ومعنًى كبير تقصر العقول عن إدراك جلاله، وتضيق القلوب عن الإحاطة بروعته، ويُقبِل الناس مع ذلك على تمجيده والاحتفال به كلما دار العام. يظنون أنهم يؤدون إليه كل حقه أو بعض حقه، وهم لا يؤدون إليه من حقه شيئًا، وإنما يخدعون أنفسهم عن هذا الحق، ويجورون بها عن قصد السبيل.

ولستُ أدري لماذا لا تتعلق الحكومات المصرية والجماعات المصرية بشيء عظيم إلا ابتذلته ابتذالًا، وردَّتْه إلى ما لا يلائمه من ضآلة القدر وتواضُع المنزلة.

فالحكومات التي تظن أنها تحتفل بالهجرة حين تغلِق الدواوين، وتريح الموظفين، وتُطلِق المدافع في أوقات معلومة من رأس العام الهجري، لا تزيد على أن تعبث بنفسها وتعبث بالناس، وتضحك من نفسها وتضحك من الناس، وتتيح للناس أن يضحكوا منها، وهي لا تعبث بمعنى الهجرة؛ لأنه فوق عبث الحكومات وجدِّها، وفوق تواضع الحكومات وكبريائها، وفوق تقدير الحكومات وحكمها.

والجماعات التي تظن أنها تحتفل بالهجرة، حين تحتشد بالهجرة حين تحشد في هذا المكان أو ذاك، لتسمع الخطب المدبجة والأحاديث المنمقة والكلام الذي لا يدل على شيء، ثم لتصفق حين تدعو المواقف إلى التصفيق، أو حين لا تدعو إليه، ثم لتثني على هذا الخطيب، وتغض من ذاك الخطيب، ثم لتتفرق بعد ذلك كأنها لم تشهد شيئًا ولم تسمع شيئًا، وإنما انصرفت عن لعب إلى لعب، وتحولت من لغو إلى لغو …

هذه الجماعات لا تزيد على أن تخدع نفسها بالأماني، وتضل نفسها بالآمال، وتستجيب للغرور كما يستجيب له الأطفال، ثم تعود إلى اللهو الباطل كما يعود إليه الأطفال. وهي مع ذلك لا تحتفل بالهجرة؛ لا تزيدها جلالًا، ولا تغض من قدرها بهذا اللعب؛ لأنها أرفع شأنًا وأعظم خطرًا وأسمى مكانًا من أن يبلغها لعب اللاعبين وغرور المغرورين.

فلم تكن الهجرة كلامًا يقال الآن ليُنسَى بعد حين، ولم تكن الهجرة تمثيلًا يُعرَض على النظارة ليلتهوا به حين يُعرَض عليهم، ثم يكون الانصراف عنه والنسيان له بعد ذلك بوقتٍ يقصر أو يطول.

وإنما كانت الهجرة حدثًا خطيرًا، لم تشهد الإنسانية مثله من قبل أن يكون، ولا يُنتظَر أن تشهد الإنسانية مثله بعد أن كان حدثًا خطيرًا، لم يُقدِم عليه الإنسان بدافع من نفس الإنسان، وإنما أقدم عليه النبي — صلى الله عليه وسلم — بأمر من الله ووحي من السماء.

حدثًا خطيرًا لم تنقضِ آثاره القريبة والبعيدة لمجرد وقوعه، أو بعد وقوعه بالأعوام أو بعشراتها أو بمئاتها، ولكنها لن تنقضي حتى يرِث الله الأرضَ ومَن عليها.

وهل من أجل هذا لا يمكن ولا ينبغي أن يكون الاحتفال بها كلامًا يقال وحركات تُعرَض؛ كلامًا تنطق به الألسنة وتتلقاه الآذان، وحركات تأتي بها الأجسام وتتلقاها العيون؟ وإنما الاحتفال بالهجرة إيمان يستقر في القلوب فيملؤها نورًا، ويقين يبلغ أعماق الضمائر فيملؤها نقاءً، وثقة تستأثر بالنفوس فترفعها عن الدنيات، وليس هذا كله من الكلام والحركات في شيء.

إنَّ النَّبيَّ حين هاجر لم يتكلم، ولم يُلْقِ خطبًا طوالًا ولا قصارًا، ولم يعرض على أصحابه وأعدائه حركات تُسحِر العيون وتُبهِر الألباب وتستهوي العقول، وإنما تلقَّى أمر ربِّه بالهجرة من تلك القرية الظالم أهلها، فأذعن للأمر، وأنبأ صاحبه وقَبِلَ مرافقته، وأمر ابن عمه أن يبيت في فراشه، وأن يتخذ برده، ثم خرج في الساعة التي أُذِنَ له أن يخرج فيها، فمر بالرصد القائمين حول بيته، الذين كانوا ينتظرون به أن يسفر الصبح فيقتلوه. مر بهم لم يستخف عنهم ولم يحتط منهم، ولم يهدئ من مشيئته، ولم يخافت بصوته، ولم يضائل من شخصه، وإنما خرج كما تعوَّد أن يخرج، ومرَّ كما تعوَّد أن يمر، وجعل يتلو آيةً من القرآن، ويضع على رءوس هؤلاء الرصد التراب، ثم مضى لغايته. لم يَرَوا شخصه، ولم يحسوا خطوه، ولم يسمعوا صوته، ثم لم يطيقوا أن يسهروا له إلى آخِر الليل، وإنما شملهم نوم عميق غليظ، ليس أقل عمقًا من جهلهم، ولا أقل غلظًا من حمقهم، فلما أصبحوا تبيَّن لهم أنهم قد مكروا ومكر الله والله خير الماكرين.

وقد بلغ محمد دار هجرته بعد خطوب كلأه الله فيها بعنايته، وشمله برعايته، وصحبه في وحدته، وآنسه في وحشته، فلما بلغ المدينة لم يحفل بكلامٍ يقال ولا بحركاتٍ تُعرَض، وإنما بنى المسجد، فأسَّس في الأرض أول بيت خالص للدين الجديد، وآخَى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، فأسَّس هذه الدولة الني نشرت في الأرض نورَ الدين الجديد.

صبر على المحنة وصبر معه أصحابه عليها ثلاثة عشر عامًا قبل الهجرة، واستقبل العمل والإنشاء (كما نقول الآن)، واستقبلهما معه أصحابه عشرة أعوام بعد الهجرة. وكان في أثناء هذا الوقت الطويل القصير يبلِّغ رسالات ربه، ثم لا يقول بعد ذلك إلا حين يحتاج إلى القول، وكان أصحابه يتلَقَّون ما يبلغ إليهم من رسالات ربهم، ثم لا يقولون بعد ذلك إلا حين يحتاجون إلى القول.

لم يتخذ هو ولم يتخذ أصحابُه القولَ غايةً يقصدون إليها، ويقفون عليها جهودهم، وينتهون إليها بعنايتهم، وإنما اتَّخَذَ القولَ، واتَّخَذَ أصحابَه وسيلةً إلى العمل الصالح كما أراد الله أن يكون.

نعم، عمل وعمل أصحابُه في هذا الوقت الطويل القصير أكثر جدًّا مما قالوا؛ أنشئوا دولة ما زالت آثارها خالدة، وستظل خالدة إلى آخِر الدهر، لا سبيل إلى إحصائها إلا أن تكون هناك سبيل إلى إحصاء الخلود. أعمال لا تُحصَى، وأقوال تُجمَع في مجلدات صغار، ثم يختاره الله لجواره، فيمضي أصحابه على سُنَّته، يعملون دائمًا ولا يتكلمون إلا قليلًا، فتكون الفتوح، وينتشر دين الله في الأرض، وتدخل الإنسانية في طور جديد من أطوار حياتها.

حتى إذا كانت هذه الأيام من آخِر الزمان، تبيَّنَ أنَّ من الناس مَن يتَّخِذ القولَ وسيلةً إلى العمل، فيملأ القلوب رحمةً، والعقول علمًا، والأرض عدلًا، والدنيا نورًا، وأنَّ من الناس مَن يتعزى عن العمل بالقول، ويتلهَّى عن الجد بالهزل، ويتخذ من القول غايةً لا وسيلة، ويهمل العمل إهمالًا، فيملأ القلوب قسوةً، والعقول جهلًا، والأرض جورًا، والدنيا ظلامًا.

كلا أيها السادة، لا تحتفلوا بالهجرة في المجامع والمحافل قبل أن تحتفلوا بالهجرة في القلوب والضمائر والعقول. إنْ كنتم تحبون الله ورسوله، وتؤمنون بما دعا إليه النبي قبل الهجرة وبعدها، فأقيموا في قلوبكم وضمائركم وعقولكم محاريب، يُذكَر الله فيها حين تمسون وحين تصبحون، وحين تنامون وحين تستيقظون، وتتمثل فيها الأسوة الحسنة التي عرضها عليكم الرسول قبل أن يهاجر وبعد أن هاجر.

هنالك تجدون في قلوبكم رحمةً تعصم البائسين من البؤس، وتنقذ الأشقياء من الشقاء، وهنالك تجدون في ضمائركم نقاءً يرتفع بها عن الصغائر والدنيات، وهنالك تجدون في عقولكم نورًا يبيِّن لكم أن سوق العدل والبر والإحسان هي الرابحة، التي لا يتعرَّض أصحابها إلى بوار أو كساد. فأما ما أنتم فيه من كلام يُقال ليُنسَى، وحركات تُرَى لتُهمَل، وغرور لا يرضي الله وإنما يرضي الشيطان؛ فانظروا، أتريدون أن ترضوا الله، أم تريدون أن ترضوا الشيطان؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.