ولكنها لم تكن حاسمة ولا مزيلة للشك، إنما انجلت عن الميدان فإذا هو كما كان لم يخلص للصدقيين، ولم يخلص للعبفتيين، والصدقيون يزعمون أنه خالص لهم لا يشاركهم فيه مشارك، ولا ينازعهم فيه منازع، وأن المهاجمين قد رُدُّوا شرَّ ردٍّ، وصُدُّوا أقبح صدٍّ، فاندحروا أشنع اندحار. ومع أنهم قد هيَّئوا لهذه الموقعة، وأجلبوا على الميدان بخيلهم ورجلهم — والخيل هنا ليست مجازًا؛ فقد رقصت أمس في مصر الجديدة رقصها المعروف — وغزوه بالكلام والطعام، فقد عادوا كما بدءوا لم يربحوا إلا نيِّفًا وثلاثين عضوًا من الشعبيين في مجلس النواب.

وهؤلاء الأعضاء إذا انضموا إلى الاتحاديين لا يتمون الكثرة التي تبلغ بالدكتور رفعت باشا رياسة المجلس، فإذا أضفت إلى هذا أن بين هؤلاء الأعضاء أنفسهم من يظهر الطاعة ويضمر الخلاف، ومن يعلن المودة ويُسرُّ البغض، فأنت واثق بأن هزيمة المهاجمين أمس قد كانت منكرة، وأن انتصار المدافعين قد كان مؤزرًا مبينًا، والعبفتيون يزعمون أنهم قد كسبوا الموقعة واحتووا الميدان، وعادوا موفورين قد ملئوا أيديهم بالغنائم، ونفوسهم بالثقة، وقلوبهم باليقين، وبطونهم بالطعام والشراب، فهم قد ربحوا في هذه الموقعة الأولى نيِّفًا وأربعين عضوًا إذا انضموا إلى الاتحاديين أتموا الكثرة، وزادوا عليها وبلغوا تسعين، يرفعون الدكتور رفعت باشا إلى كرسي الرياسة، وأنوف الخصوم راغمة، ووجوه الحساد يجللها الخزي والعار.

فإذا أضفت إلى هذا أن من الصدقيين المنهزمين قومًا سيثوبون من غير شك إلى المنتصرين، وسيلتمسون من غير شك عفو الظافرين، وأن بين النواب قومًا يسمون أنفسهم مستقلين، وقومًا يسمون أنفسهم وطنيين، وأن أولئك وهؤلاء سيؤيدون جماعة المنتصرين، فأنت واثق بأن العبفتيين قد ظفروا بكثرة كثيرة لا ترفع الدكتور رفعت باشا إلى كرسي الرياسة في مجلس النواب، بل تجعل مستقره في السحاب، ولا تضمن للوزارة البقاء، بل تجر على الصدقيين ذيل العفاء.

وكذلك انجلت الموقعة والشك ما زال قائمًا كما كان قبل أن يلتقي الجيشان، ويصطدم الفيلقان، ويثور الغبار فيخفي النهار، وتلمع السيوف فتجلي ظلمة الليل. وأكبر الظن أن موقعة الغد في الغريب ستكون كموقعة أمس في مصر الجديدة، وأن الأبطال سيصولون ويجولون، ويعملون ويقولون، وسيأكلون ويشربون ثم ينصرفون، فإذا الميدان كما كان موضوعًا للنزاع بين الشباع والجياع.

وأكبر الظن أن الموقعتين اللتين سيلتحم فيهما المختصمون يوم الخميس حول مائدة وزير الزراعة في داره، وحول مائدة الدكتاتور العظيم في دار الحزب، ستنجليان عن الشك المظلم، والريب المدلهم، حتى يأذن الله بالمعركة الحاسمة تحت قبة البرلمان. هنالك يمحى الشك، ويزول اللبس، ويتبين للناس أين كان العز العزيز، وأين كان الذل الذليل، وإلى أين تكون هذه المعركة. سيلتحم الجيشان، ثم ينفصلان ولم يغنما إلا هذه الألوان التي تُقدَّم لهم من طيب الطعام والشراب.

فنحن إذن بإزاء حرب طويلة، ثقيلة، شاقة، مملة، أشبه بتلك الحروب الجاهلية التي كانت تتصل أعوامًا وأعوامًا تلتقي فيها الجيوش ثم تفترق، ولم يلق أحدٌ منها كيدًا، وإنما هي مفاخرات ومنافرات، ومصاولات ومجاولات، ثم كلام كثير يلذ السامعين ولا يغني عن أصحابه شيئًا. ومن ذا الذي يجهل حرب البسوس ومكاثرة الزير سالم؛ فليست خصومة الصدقيين والعبفتيين إلا كخصومة البكريين والتغلبيين، أولئك يتعصبون لجساس، وهؤلاء يتعصبون لكليب.

ولسنا ندري أين يكون جساس وأين يكون كليب من هؤلاء الشعبيين الذين تقاذفوا أمس بأكواب الشاي وأطباق الحلوى، وسيتقاذفون منذ غدٍ بالأوز والدجاج.

ولكن من الحق أن نقف وقفة لاهية عند هذه الخطبة البارعة التي ألقاها رئيس الوزراء، وظن أنه سيمحق بها عدوه محقًا، ويسحق بها خصمه سحقًا، فإذا هو لم يمحق أحدًا، ولم يسحق أحدًا، وإنما هو كما كان قبل الموقعة رجل طيب القلب، قليل الحول، محتاج إلى المعونة والتأييد في غير ظفر بالمعونة والتأييد.

كان رئيس الوزراء هادئًا أمس، وخير الحرب ما كان قوامه الهدوء، فالحرب العنيفة تزهق النفوس، وتسفك الدماء، وتفسد ما بين الناس من صلات، ثم لا يلبث المختصمون أن يعودوا إلى الصلح، فإذا هم يندمون على ما قدموا بين أيديهم من الشر.

ورئيس الوزراء من هؤلاء الناس الأخيار، الذين مهما تقس قلوبهم، وتجف طباعهم، ومهما يعنفوا في القول والعمل، فهم رجال طيبون، لا يؤذون ولا يقدرون على الأذى؛ لأنهم لم يخلقوا للشر ولا للأذى، وإنما وضعتهم الظروف في مواضع لم يخلقوا لها، وليس من الممكن أن يثبتوا فيها.

أراد رئيس الوزراء أن يقضي على خصمه قضاءً أخيرًا، وكان قد أنذر في أول الأسبوع بأنه سيكشف من أمر خصمه ما استتر، ويظهر منه ما أخفى. انتظر الناس أن تفضح الأسرار، وتهتك الأستار، ثم سمعوا أمس وقرءوا اليوم، فإذا هم لم يسمعوا جديدًا، ولم يقرءوا طريفًا، وإذا هم يتساءلون: أهذا كل ما يقدر عليه رئيس الوزراء؟ قد أسمعنا جعجعة ولم يُرنا طحنًا.

فرئيس الوزراء لا يسجل على خصمه إلا أشياء قد سجلت عليه من قبل، يحدثنا بأن صدقي باشا قد رشَّح — وهو في أوروبا — خليفته في رياسة الوزارة. وقد علم الناس ذلك منذ عهد بعيد، نشرته الأهرام قبل أن يستقيل صدقي باشا أو يُقال، وأكثَر الناس فيه الحديث، ولام الناسُ فيه صدقي باشا، وطلبوا إليه أن ينفيه، فلم يجد إلى نفيه سبيلًا، ورئيس الوزراء يُسجِّل على صدقي باشا أنه كتب إلى القيسي باشا مذكرة ينكر فيها أن يتولى عبد الفتاح يحيى باشا رياسة الوزارة على أنه شعبي، ما دام حزب الشعب لم يُستشر في ذلك، وينكر فيها أن يتولى الوزيران المفصولان ثم المقبولان الوزارة، إلا إذا دخل معهما فيها صفيه علام باشا، ويبين فيها مذهب حزب الشعب في تأييد الوزارة وشروطه لهذا التأييد.

والناس يعلمون هذا كله حق العلم لا يجهلون منه شيئًا، فلم يأتهم رئيس الوزراء بجديد، وقد يكون لصدقي باشا مذهب في التمدُّح بهذه الخصال التي يأخذه بها خصمه، فمن المحقق إذن أن رئيس الوزراء لم يكن ماهرًا ولا لبقًا حين أراد أن يقضي على خصمه القضاء الأخير. ويسجل رئيس الوزراء على خصمه أنه أظهر الرغبة في الاستقالة من رياسة الحزب، وأضمر الرغبة في البقاء فيها، ويشكو رئيس الوزراء من أن صدقي باشا قد مكر به وبأصحابه، واحتال عليه وعلى أصحابه.

والناس يعلمون هذا حق العلم لا يجهلون منه شيئًا، وقد ضحك الناس من هذا وأغرقوا في الضحك، وقالوا ألف مرة ومرة: إن رئيس الوزراء رجل طيب القلب، سليم النية، لا يستطيع أن يثبت في ميدان السياسة لرجل ماهر ماكر كصدقي باشا، فرئيس الوزراء إذن قد سجَّل على نفسه أنه كان رجلًا طيبًا يمكن أن يُخدع في غير مشقة ولا عناء، ورئيس الوزراء قد سجَّل على نفسه أنه أيسر من أن يتعب صدقي باشا، وإن كان صدقي باشا مريضًا، وألين من أن يحمل صدقي باشا مشقة ما في جهاده والانتصار عليه، ورئيس الوزراء قد بيَّن أن لصدقي باشا أضراسًا تستطيع أن تمضغه، وحلقًا يستطيع أن يُسيغه، ومعدة تستطيع أن تهضمه، رغم ما يحتمل صدقي باشا من ألم المرض.

فرئيس الوزراء قد أقام أوضح برهان وأنصع دليل على أنه ليس رجل حرب ولا خصام، وعلى أنه ليس رجل سياسة ولا رياسة، وإنما هو رجل سلم وهدوء وترف واستمتاع بنعمة الحياة ولذة الحديث. فأما الحرب فلها قوم آخرون. وقد خرج رئيس الوزراء عن طوره بعض الشيء، وتجاوز طبعه الهادئ فقسا على صديقه أمس، وخصمه اليوم، وذكر مرضه، فأسرف في ذكره، وذكر أنه مضطهد، وأنه كثير الأوهام والهواجس والخيالات، وأن هذا كله يفسد عليه رأيه وعمله، وينطقه بما لا ينبغي أن ينطق، ويكلفه ما لا ينبغي أن يتورط فيه، ونصح له أن يستريح، ولولا بقية من رحمة في نفس رئيس الوزراء لنصح لصديقه أمس وخصمه اليوم، وصديقه بعد أن تسقط وزارته — إن شاء الله — أن يلجأ إلى بعض المستشفيات.

ولعل من الظلم أن نحمل رئيس الوزراء وحده تبعة هذه القسوة، فزملاؤه ومشيروه متضامنون معه في إنشاء هذه الخطبة وإلقائها، فهم شركاؤه إذن في هذه القسوة، التي لا تفيد صاحبها شيئًا. وأنت إذا أردت أن تستخلص من هذه الخطبة الطويلة ما قصد إليه رئيس الوزراء انتهيت إلى أمرين اثنين؛ أحدهما: أن صدقي باشا مريض قد ثقل عليه المرض حتى أفسد عليه رأيه وعمله، وجعله لا يصلح للحياة العامة، فيجب عليه أن يستريح، ويجب على أوليائه وأصفيائه أن يريحوه، والثاني: أن صدقي باشا رجل غير مأمون العاقبة، يقول ويريد غير ما يقول، ويعد ويعمل غير ما يعد، فلا ينبغي للنواب والشيوخ أن يثقوا به أو يطمئنوا إليه؛ لأن رئيس الوزراء قد جرب عليه الوعد ثم الإخلاف، والتأكيد ثم العدول عما أكد.

وحسبك أنه زعم على الأطباء ما لم يقولوا، وزعم على نفسه ما لم يكن يريد. وما دام الرجل مريضًا، وما دام الرجل رواغًا زواغًا، فما ينبغي للنواب والشيوخ أن يطمئنوا إلى رجل مريض يروغ ويزوغ.

كذلك قال رئيس الوزراء وأصحابه أمس، أما ما سيقوله صدقي باشا غدًا فسنراه بعد غد. وأكبر الظن أنه سيفسد الأمر على رئيس الوزراء إفسادًا. والغريب أن هؤلاء الناس يتنازعون ويتصارعون، ويخيلون إلى الناس أنهم يختصمون في شيء، مع أنهم لا يختصمون في شيء، ومع أن الأيام الماكرة التي هي أشد مكرًا من صدقي باشا، وأكثر مهارة منه، توشك أن تكون جادة في أن تردهم جميعًا إلى حيث لا يحسنون كلامًا، ولا خصامًا، ولا يقدرون على حرب ولا نزال، ومن يدري؟ لعل من تدبير الأيام ألا ينقضي وقت طويل حتى يستريح رئيس الوزراء من خصومة صدقي باشا، ويستريح صدقي باشا من خصومة رئيس الوزراء، ويغتبط الطاعمون بما طعموا، ويأسف المنفقون على ما أنفقوا، ويقول بعضهم لبعض: لو علمنا ما أقدمنا.

ولكن الآمال تبعث الخيال، وتملأ الرءوس بالأوهام، وتطلق الألسنة بالكلام، حتى إذا تكشفت الأيام عما يجري وراء الأحلام؛ عرف المغرورون كيف يكرهون الغرور.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.