لمَّا أهدى إليَّ صديقي الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي كتابه «تاريخ الحركة القومية وتطوُّر نظام الحكم في مصر» فرحت به وأكبرت هذا الجهد وانتويت أن أعجل بالتخلي لقراءته والكتابة فيه، وأقبلت عليه مُبتدِئًا بالفصل الأول حتى بلغت نصفه، ثم وقعت عيني على الإهداء، وفيه يقول:

إلى أخي العزيز أمين بك الرافعي، من فقدته وأنا أحوج ما أكون إلى حُبِّه وعطفه …

فوقفت وطويت الكتاب وانصرفت عنه …

أنا أيضًا كان لي أمين بك «أخًا عزيزًا»، كان قريبي وليس من رحمي، وكان نسيبي ولست من نَسبِه، وقد فقدته — كما فقده أخوه — وأنا «أحوج ما أكون إلى حبه وعطفه»، وما زلت كُلَّما ذكرته، جفَّ حلقي وعصب ريقي، وكل شيء يُذكِّرنيه: شمائله الطيبة الشكول، وفقري إلى حرارة إيمانه وقوة روحه التي كنت أستمد منها العون والغوث، وهذا التحطم الذي أحسه بعده في كياني، والتهدم الذي أجده في بنياني، والضعف الذي يساورني، واليأس الذي يخامرني، فقد كنت معه كأنما ليس في الدنيا سواه، وكأن الناس غيره ما كانوا، فلما خَلَتْ منه رقعتي صارت الصحراء في قلبي …

فمن العسير أن أكون بسبيل من ذكر أمين بك، وأن أقدر مع ذلك على توقِّي الخلط والاضطراب؛ الخلط بين خواطري وبين ما أعالج من التفكير في أمور لا علاقة لها بشخصي، والاضطراب الذي يحدثه اكتظاظ النفس بالذكر، وهي — على كونها عناء — تسحر العقل وتغريه بالتعلق بها والاستغراق فيها، ومن سوء حظي أن ذكراه كالحلم بالفردوس؛ حاجة النفس كلها ومنى النفس جميعًا.

***

اتهم الأستاذ عبد الرحمن بك بأنه احتذى كتاب «فتح مصر» للأستاذ حافظ بك عوض، أو نقل عنه، ثم لم يُعنَ بالإشارة إليه في جملة المراجع التي اعتمد عليها «وانتفع بها»، وقد أذكرني هذا بأني أنا أيضًا رُمِيت بهذا، وقال عنِّي بعضهم إني نقلت «مذكرات حواء» عن «مارك توين» الكاتب الأمريكي، وصحيح أن «مارك توين» سبقني إلى الوجود وتقدمني في الحياة، وأنه عاش ومات قبل أن أجيء أنا إلى هذه الدنيا بحقبة طويلة، وصحيح أيضًا أن له «مذكرات حواء»، ولكن غير الصحيح هو أني نقلت عنه أو سطوت عليه، ولو قال العائب إني اقتست به أو قلَّدته بأن تناولت موضوعًا سبقني إليه، لكان هذا أشبه بالحق، ولكنه نظر فلم ير أني زدت على آدم وحواء إنسانًا ثالثًا، أو أحلت الجنة شيئًا غير الجنة، أو جعلت إبليس يوسوس بغير العصيان، فقال: سرق وسطا وليس له فضل فيما كتب، ولا جديد فيما جاء به، وبديهي أن للموضوع عناصره التي لا يمكن أن تختلف أو تتعدد أو تزيد أو تنقص، ولو كتب مائة غير مارك توين وغيري عن حواء وآدم لما وسعهم أن يضيفوا إلى هذه العناصر أو ينقصوا، فالعوامل المشتركة بين مارك توين وبيني، والتي لا يمكن إلا أن تكون مشتركة، هي آدم وحواء والجنة وإبليس والشجرة المحرمة والعصيان والخروج من الفردوس، ولا جديد في هذه ولا حيلة لأحد فيها ولا قدرة على تبديلها، وإنما يكون الجديد أو الاختلاف بين كاتب وكاتب فيما يصنعه المرء بها، ويتخذها أداة له، وقد عالجت أنا أن أدير الموضوع على فرق ما بين الرجل والمرأة من حيث الإحساس الجنسي والأمومة والأبوة، وأن أمثِّل لما سبق أن ذهبت إليه فيما كتبت عن «المتنبي» في «حصاد الهشيم» من أن الخلود يعفي على الإحساس الجنسي بل على كل إحساس إنساني سواه، وأن قضاء الموت هو الذي ينشئ هذه الإحساسات ويثيرها، وهو ما لم يقصد إليه مارك توين، ولم يتعرض له لا صراحةً ولا ضمنًا ولا من قريبٍ ولا من بعيد.

ومن هذا القبيل أيضًا اتهام الأستاذ الرافعي بالنقل عن كتاب الأستاذ حافظ بك عوض، وكلا الكتابين يتناول تاريخ مصر من عهد الغزوة الفرنسية مع التمهيد لذلك بما لا بد منه، فهذه فترة من التاريخ معالمها قائمة، وحدودها مرسومة، وحوادثها معلومة، وليس في طوق مؤرخ أن يقدم أو يؤخر أو يغير أو يبدل فيما هو ثابت منها، وكل كتاب عن هذه الفترة ككل كتاب آخر عنها من هذه الناحية؛ أي من حيث تسلسل الوقائع وتتالي الحوادث، وإنما يكون الفرق في وجهة النظر وفيما يحاول كل مؤرخ أن يبرزه أو يستخلصه، وكتاب الأستاذ الرافعي يختلف عن كتاب الأستاذ حافظ بك عوض — أو يتميز إذا شئت — بأنه درسٌ لحوادث التاريخ وبحث عن مظاهر الشعور القومي فيما وقع، وهو ما لم يقصد إليه حافظ بك، فلكل كتاب منحى وأسلوب وغاية وطريقة في تناول الموضوع وعرض الحوادث، وإن كانا من حيث المعالم الكبرى لا يكادان يختلفان إلا بمقدار التفاوت في القدرة على التحقيق والصبر على الغربلة.

وأنعم باليقظة والتدقيق في محاسبة الكتاب، فليس أعون من ذلك على إحكام التقدير والإنصاف في إيفاء كل ذي حق حقه، ولكنَّ الغلوَّ في ذلك يقضي على الاجتهاد أو على الأقل يقطع الطريق على التوليد، ولو جرى العالم على أن كل من سبق إلى شيء فله احتكاره ولا حقَّ لمتأخر في تناوله، لكان هذا قضاء بالعقم والركود، ولاستحال معه التطور والتقدم. وماذا كان مصير الأديان يكون؟ وندع الأديان، فإن طريقها شائك والعثار غير مأمون، ونضرب مثلًا من الأدب: قصة «فَوست» التي تداولها الشعراء والكُتَّاب ورجال الدين وتعاقبوا عليها، وهي كما يعرف القراء قصة أستاذ ألماني في وتنبرج بَرِمَ بالعلم ولم يجد فيه مقنعًا له فانصرف إلى السحر، وجاءه اثنان من تلاميذه بكتاب في السحر استعان به على إحضار الشياطين لاستخدام أسرعها؛ فوجد في ميفيستوفليس بُغيَته فتعاقد معه على أن يكون طوع أمر فَوست أربعة وعشرين عامًا يسلم نفسه بعدها إلى الموكلين بالجحيم، ويزور فَوست بلاط «بارما» ويعرض فنون سحره على الأمير، ويرد إلى الحياة بعض الغابرين وفي جملتهم هيلين الإغريقية، ثم يعود إلى وتنبرج ويستفسر من ميفيستوفليس عن الجحيم وآلها، ثم يستخبره عن النعيم الفردوسي، فيأبى الشيطان أن ينبئه ويلح فَوست، فيفر الشيطان؛ فيعتزم فَوست أن يبتغي الرحمة من السماء ويلعن السحر، وتسمع الجحيم لعنته فيعود الشيطان إليه وهو يصلي ويعرض عليه تاجًا وصولجانًا فلا يقبل، فيدعو الشيطان هيلين ويحضرها من العالم الماضي فتستولي على قلب فَوست وتنأى به عن التوبة، ثم يوافيه الميعاد المضروب ويستحوذ عليه الشيطان. والمغزى ظاهر، وهو أن الإغراق في المطامع مغبته اللعنة، وأن السعيد هو القنوع.

وقد صنع مارلو الشاعر الإنجليزي روايته وحاكها من هذه الخيوط، فلما جاء لسنج لم يرضَ أن يدع فَوست فريسة للشياطين وطعامًا للجحيم؛ لأن هذا يكون معناه القول بأن نشدان الحقيقة مسعى شيطاني، وقد نشر فصلًا واحدًا من روايته كان كافيًا لإثارة الرغبة في تناول هذا الموضوع، وصار فَوست في رأي زعماء الأدب في ذلك العصر يمثل الطماح وتنكب الطرق المعبدة المألوفة والتمرد على القيود الإنسانية، ووضع جيته روايته المشهورة وسبقه مالر موللر وكلنجر وسودن وفيدمان وفريدريك شنك.

والأصل في كل هذه الروايات واحد ولكن أسلوب التناول مختلف؛ فمارلو — كما رأيت — يدع فَوست يبوء بلعنة الجري وراء الغايات البعيدة ويقيم إلى جانبه خادمًا له هو هانز فورست ويجعله مثله قادرًا على إحضار الشياطين ولكنه لا يجعل لهم عليه سلطانًا، ويصير هذا الخادم حارسًا ويشهد مصرع فَوست وهو يعالج غصص الموت وهول اللعنة السماوية، والخادم يرجع الصوت بأنشودة الحراس، ولنسج — كما أسلفنا — يأبى أن يجعل الطماح ونشدان الحقيقة مجلبة للعنة، وكلنجر يجعل فَوست هو مخترع الطباعة ويخوض به شرورًا شتى — بعضها مما اجترح والبعض مما اقترف غيره — إلى الجحيم، وسودن يصور فَوست خصمًا للطغاة ووطنيًّا متأجج الحماسة وإن كان يلقي به في آخر الأمر إلى الشياطين، وشنك يرفع مستوى فَوست النفسي ويمثله أقوى وأقدر على مقاومة الإغواء.

أما جيته فلم يستطع — كما لم يستطع لسنج — أن يسلم فَوست إلى الشيطان على ما رسمت الأسطورة القديمة، ومن أجل هذا جعل الله في المقدمة يقول: إن طماح فَوست يسره وإنه سيخرجه من الظلام الذي يتحسس طريقه فيه إلى النور، وينال الشيطان الإذن بإغواء فَوست، ولكنا نعلم على الرغم من ذلك أنه لن يستطيع أن يتنكب بفَوست طريق روحه، وأن الشيطان قد يسعه أن يضله حينًا، ولكنه لا يستطيع أن يبلغ منه مأربه كله وأن يُثنِي خطاه إلى طريق الإثم والخطأ بلا رجعة. وفَوست في هذه القصة القديمة هو جيته الذي طرق كل باب من أبواب المعرفة، وكان يرجو أن يهتدي إلى حل للُّغز المحير، حتى في العلوم التي كانت في زمنه مستهجنة وفي كتابات الكيميائيين والسيميائيين، وقد فكر كفَوست في الانتحار، وكان مثله ليس بمقفر النفس من الإحساس الديني، وكان له — كما كان لفَوست — إخوان من طراز ميفيستوفليس — ميرك وهردر مثلًا — يشعرونه بضآلته ويدفعونه إلى السعي والمجاهدة وطلب الشأو البعيد، وأحب كفَوست فتاة من طبقة دون طبقته، وكما شقيت جريتشن في الرواية، كذلك فريدريكه بريون شقيت بحب جيته لها، وظل كما ظل بطل روايته إلى آخر عمره يرى الطريق المستقيم ويرجع إليه بعد أن ينحرف عنه، وقد جاء إلى البلاط — كما جاء فَوست — وصار له فيه صوت مسموع، وذهب إلى جنوب أوربا كفَوست، واستمد من بلاد الأدب القديم قوة جديدة ومطامح أسمى وأنقى، وأفاد منها نظرًا أصفى وبصيرة أذكى، وشارف كفَوست آلهة الإغريق، وأكب على فنونهم وآدابهم الخالدة واستوحاها أسمى الحقائق، واستجمع قوته في جوارها وحشد نزعاته وميوله ووحدها في ضوئها، وليس معنى هذا أن فَوست هو جيته في كل ما جلَّ ودقَّ، ولكنما معناه أنه يمثل آراء جيته في كبرى المسائل: في ذهابه مثلًا إلى أن الإنسان مخلوق للكفاح، وأن طريق الخلاص هو العمل الجدي الشاق، وفيما وضعه على لسان فَوست وهو يلفظ روحه «إن الذي يستحق الحرية، كالحياة، هو وحده الذي يكون عليه أن يفوز بها كل يوم» كما قال «تل» قبله في رواية «شيللر»: إني لا أستمتع بالحياة إلا حين أنتزعها، وأفوز بها كل يوم من جديد، وفي رفعه العمل للخير العام فوق المصالح الأدبية وتقديمه عليها، فقد كانت رواية فَوست كما صاغها جيته درسًا للأمة الألمانية بما أعربت عنه من الشوق إلى العمل في عصر كان فقيرًا في الأعمال، فقام الكُتَّاب بعده١ يرددون صوته وينعون استيلاء المباحث النظرية على هوى النفوس وميول القلوب، ويعللون ذلك بحرمان الشعب الألماني من الاشتراك في إدارة شئونه، ويقولون إن طول هذا الحرمان أفقده القدرة على التصرف العملي، وألجأه إلى إدارة عينه في نفسه والنسج من خيوط إمعانه.

وبعد فليس هذا محل الكلام على فَوست، ولا كان هذا ما قصدنا إليه، ولكن الكلام فتح بعضه بعضًا، وقد أردنا أن نقول إن كون واحد قد تناول موضوعًا لا يوصد باب الاجتهاد ولا يمنع التوليد، وفي تاريخ قصة فَوست وما تطورت إليه في أيدي من تعاقبوا عليها شاهدٌ وعبرةٌ، والعود إلى ارتياد المطروق قد يفضي إلى الكشف عن لقية نفيسة ومعدن كريم، وأين ذلك الغائص الذي يسعه أن يطفو بكل ما في درك اللُّجَّة؟


١ مثل البارون فون شتين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.