يظهر أن قضاء الله نازل بهذه المدرسة التعِسة لا محالة، وأنها ستُلغى أو ستُحوَّل أو ستُلحَق بالأزهر الشريف كما يقولون. فقد نشرت الصحف — ويظهر أن ما نشرته صحيح — أن هذا المشروع قد تَمَّ، وأن اللجنة التشريعية نظرت فيه، وأنه قد يُعرض على مجلس الوزراء في جلسة اليوم فيقضي فيه، ومع أن «السياسة» قد لفتت الحكومة غير مرة إلى أن هذا المشروع الذي يجهله الناس قد يكون خيرًا وقد يكون شرًّا، ولكن المنفعة كل المنفعة في ألَّا يُبت فيه ولا يتعجل به قبل اجتماع البرلمان؛ فقد أعرضت الحكومة وألحَّت في إعراضها عمَّا كتبت «السياسة» وغير «السياسة». وأبت الحكومة أن تحفل بالرأي العام في هذه المسألة كما أبت أن تحفل به في غيرها من المسائل، حتى إنها لم تتنزل إلى إصدار بلاغ يبين للناس ما عزمت عليه الحكومة، وما حملها على أن تفكر في هذا المشروع وتتعجله كأنما تختلسه اختلاسًا.

لم تحفل الحكومة بشيء، وإنما مضت في المشروع حتى أتمَّته، ولم يكُن مشروعها مقصورًا على مدرسة القضاء الشرعي، وإنما تناولها وتناول الأزهر الشريف أيضًا، فتناول إذن قسمًا عظيمًا جدًّا من أقسام التعليم القومي، رأت فيه الحكومة رأيًا دبَّرته بليل وأبت أن تُظهر الناس على شيء منه حتى تقفهم في ذات يوم من الأيام أمام أمر واقع. وهذه سياسة الوزارة القائمة في كثير من الأشياء.

الحق أنَّا قد نفهم — دون أن نعذر — تعجُّل الحكومة في بعض القوانين التي أصدرتها؛ فقد تكون متأثِّرَةً بضغط الإنجليز في أمر التعويض على الموظفين، وقد تكون متأثرة بالرغبة في إلغاء الأحكام العرفية في أمر قانون التضمينات. ولكننا لا نستطيع أن نفهم تعجُّل الحكومة في أمر مدرسة القضاء والأزهر، ولا نستطيع أن نفهم تكتُّم الحكومة أمر مدرسة القضاء والأزهر، ولا نستطيع أن نفهم سياسة الأمر الواقع في مثل هذه المسائل التي تستطيع البلاد أن تتأنَّى فيها كما تأنَّت في مسائلَ أجلَّ منها خطرًا.

ولكن الناس يتحدثون بأشياء نرجو ونُلِحُّ في الرجاء ألَّا تكون صحيحة. يتحدثون بأن الحكومة لم تقصد إلى مصلحة التعليم ولا إلى مصلحة العلم، ولم تفكر في إصلاح الأزهر ولا في إصلاح مدرسة القضاء. وإنما فكرت في شيء آخر، فكَّرَت في أن تؤثِر قومًا على قوم، وفي أن تتملَّق طائفة دون طائفة، وفي أن تُرضي ناحية الآن كما أرضت ناحية أخرى بالأمس.

يتحدث الناس بذلك ويُلِحُّون في هذا الحديث، ومصلحة الحكومة وكرامتها ومصلحة الأمة وكرامتها في ألَّا يكون هذا الحديث صحيحًا، وأن يكون هذا الحديث كاذبًا، إلَّا إذا تنزلت الحكومة فسمِعت لنصح الناصحين وأجَّلت الفصل في هذا الأمر إلى أن ينعقد البرلمان.

إن الحكومة بطيئة جدًّا في إصلاح التعليم بوزارة المعارف، وكأنها لا تريد أن تصلح التعليم أو تغير من أمره إلَّا بعد انعقاد البرلمان، ولها في ذلك الحق كله، وهي في ذلك موفَّقة كل التوفيق. فيكفي أن يدرس إصلاح التعليم وتعد مشروعات الإصلاح، حتى إذا انعقد البرلمان عُرِضت عليه ليقضي فيها.

فما بال وزارة الحقَّانية تتعجل تغيير مدرسة القضاء؟ وما يزال المجلس الأعلى للمعاهد الدينية يتعجل تغيير الأزهر؟ وما بال هذه اللجنة التي أُلِّفت سرًّا وعمِلَت سرًّا وأتمت عملها سرًّا ورفعته إلى مجلس المعاهد سرًّا؟ وما بال مجلس المعاهد قد درس المشروع سرًّا وأقره سرًّا؟ وما بال وزارة الحقانية تتكتم هذا المشروع حتى تفجَأَ الناس به غدًا أو بعد غدٍ؟

وبعدُ، فما هذا الإصلاح الذي يُراد بمدرسة القضاء؟ زعموا أنها ستُلحق بالأزهر وتُقصر على التخصيص في الشريعة أو في فقه أبي حنيفة. ولكنهم لم يضعوا برنامجًا لهذا التخصيص، ونحن لا نستطيع أن نفهم هذا التخصيص. فما الذي يُراد بالطالب إذا قضى في الأزهر اثني عشر عامًا يدرس فقه أبي حنيفة، ويحفظ كتبه، ويستظهر متونه وشروحه وحواشيه؟ ما الذي يُراد به بعد هذه المشقة؟ وعلى أي شكل يريدون أن يلقِّنوه فقه أبي حنيفة؟ وفي أي لون يريدون أن يُظهروا له هذا الفقه؟ وأي معنى لأن يدرس الطالب فقه أبي حنيفة اثنتي عشرة سنة في الأزهر ثم يتخصص فيه مرة أخرى أربع سنين في مدرسة القضاء؟

يظهر أن الواضح من أمر هذا المشروع شيئان؛ أحدهما: إلغاء ما يُدرَّس في هذه المدرسة من العلوم الحديثة؛ لأنه سيُدرَّس في الأزهر. الثاني: أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون. وقد تكون هذه الجيوب ممتلئة وقد تكون هذه البطون شَبْعَى. وقد توجد طريقة أخرى لإفعام هذه الجيوب وإشباع هذه البطون غير إلغاء مدرسة القضاء الشرعي. وإذا لم يكُن بدٌّ من أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون على حساب مدرسة القضاء الشرعي، فليكن ذلك بأمر البرلمان، فسينعقد البرلمان قريبًا، ويقينُنا أنه لم يكُنْ أقل سخاءً وَجُودًا على هذه الجيوب والبطون من وزارة الحقَّانية ومجلس المعاهد الأعلى.

يظهر أنَّا مُضطرون إلى نُوجِّه القول إلى صاحب الدولة رئيس الوزراء وإلى أصحاب المعالي زملائه غير وزير الحقَّانية؛ فقد يئِسْنَا من وزير الحقَّانية، ومن استماعه للنُّصح أو احتفاله بالناصحين. وحديثُنا إلى صاحب الدولة وزملائه أن إصلاح مدرسة القضاء ليس من المسائل الخطِرة التي يتوقف عليها مستقبل مصر، وليس أجلَّ خطرًا من إصلاح التعليم الأولي أو الثانوي أو العالي. فإذا كانت الحكومة تنتظر للبرلمان في أمر التعليم كله، فلتنظره في أمر التعليم الديني، وإلَّا فإن الناس لن يستطيعوا أن يفهموا هذا التعجُّل على وجه يشرِّف الحكومة ويُحسِّن الظن بها والرأي فيها، وقد نعود.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.