كل أعمال الثقافة مستحق للتشجيع والتنويه. ولا جدوى من الموازنة بينها في هذا الحق؛ لأنها لا تُوضَع موضع الترتيب بالمشيئة والتدبير، ولا تستغني الأمم بنوع منها دون نوع، ولا تتم ثقافة الأمم بغير الجمع بينها واستكمال جوانبها في شتى معارضها.

ولكن ربما جازت الموازنة بينها في الحاجة إلى التشجيع والتنويه، وربما جاز على هذا أن يُقال إن الشعر خاصة أحوجها إلى التشجيع الكريم والتنويه العادل في العصر الحاضر، على تباعد المواطن واختلاف الأقوام.

ففي العصر الحاضر، نرى أن الشعر قد شُورِك في ميدانه مشاركة قوية من جوانب كثيرة.

وميدانه هو التعبير عن العواطف الإنسانية وتلطيف الواقع بالأخيلة الصادقة والأحلام الرفيعة. وقد وجد الناس متنفسًا لعواطفهم، ومسرحًا لأخيلتهم، في كثير من المنظورات والمسموعات التي يَسَّرَتْها لهم مخترعات العصر الحديث. ومنها: الصور المتحركة، والمذياع، والصحف السيارة بالأخبار الطريفة والحوادث المثيرة والمغامرات المشوقة التي تحفز غرائز الطموح والمجازفة. فأصبح نصيب الشعر من هذا الميدان حصة من حصص كثيرة … وقد كاد أن يشمل الميدان كله في بعض الأزمان.

أما الأحلام الرفيعة فقد أوشكت أن تتقيَّد في العصر الحاضر بقيود الضرورات العادية والتجارب العملية، وقد أوشك الناس أن يتبرموا بها وينفروا منها؛ لأنهم يحاسبونها حساب الصيارف ويحللونها في البوتقة والإنبيق، وهي لا تكون أحلامًا إذا خضعت لهذا الحساب وريضت على هذا التحليل.

وإذا كان هذا شأن الشعر عامة، فهو على الأخص شأن الشعر الذي يعتمد على قيمته الفنية وحدها، ولا يستند إلى رغبة من الرغبات الموقوتة التي تُعْنَى بها جمهرةُ الناس؛ كشعر الأغاني الشعبية أو الملاهي العامة أو المنازعات السياسية. فربما استغنى الشاعر بهذه الرغبات، فكانت له عوضًا عن القيم الفنية الخالصة وتقدير ذويها.

لهذا صادف تقدير المجمع موقعه في هذه الدواوين الأربعة التي استحقت جائزة الشعر في هذا العام؛ لأنها من طراز الشعر الذي يعتمد كثيرًا على محبة الشعر لِذَاتِهِ، ولا يعتمد كثيرًا على رغبة من تلك الرغبات الموقوتة. وكان من توفيق الاختيار أن الدواوين الأربعة تُمثِّل نماذج الشعر العربي في العصر الحاضر من طرفيها، ولا تنحصر في نموذج واحد؛ لأنها تُمثِّل المدرستين اللتين جرى الاصطلاح على تسميتهما بالمدرسة الحديثة أو الابتداعية، والمدرسة السلفية أو التقليدية.

هذه الدواوين الأربعة هي:

ديوان عماد للأستاذ محمود عماد، وديوان الشوباشي للأستاذ محمد مفيد الشوباشي … وهما من المدرسة الحديثة أو الابتداعية.

وديوان «صرخة في وادٍ» للأستاذ محمود غنيم، وديوان «تغريدات الصباح» للأستاذ محمد الأسمر، وهما من المدرسة السلفية أو التقليدية.

وقد نجمل الفوارق بين المدرستين في فارق واحد يقوم فيه الإجمال مقام التفصيل، وهو: أن المدرسة الابتداعية تُبرِّر لنا طابعًا شخصيًّا ينفرد به الشاعر في مبتكراته، ولا يتعدد بتعدد الناظمين على نمط واحد. وإن المدرسة السلفية تَمِيل إلى التعميم الذي تَغِيب فيه النزعات الشخصية بين أطواء النمط المأثور، ويتجه الاختلاف فيه بين الناظم والناظم إلى صيغ التعبير وأساليب الكلام.

***

فديوان عماد فيه تصرف وتجديد. نُمثِّل له بقوله من قصيدة في ذكرى ميلاده:

في مثل هذا اليوم من

عام قريب أو بعيد

زاد البكاء بمصر صو

تًا ساذجًا في يوم عيد

فتضاحك الأهلون من

طرب على نَوْح الوليد

أو قوله يخاطب ولده الأول:

ولدي! وهو نداء

لم يُعوَّده لساني

ولذا يغرب كالشي

ء أتى قبل الأوانِ

إن تقل إنِّيَ جانٍ

لم أكن أول جانِ

من يعش بين ذنوب

فبحق أذنبا

***

نحن بالأمر وُلِدْنا

ثم بالأمر نلد

ثم بالأمر يحب الـ

ـوالد البر الولد

ذاك إلهام من النو

ع به النوع خلد

أي شيء يجنب الطفــ

ـل الغرير العطبا

***

إن فَلْسًا واحدًا أنــــ

ـفع لي منك وأجدى

غير أني لا أرى عن

هذه الخيرة معدى

أي خلق أنت حتى

بجميع الخلق تُفْدى؟!

ذاك سر، إن سألت الـ

ـكون يفشيه أبى

أو قوله في قبر توت عنخ آمون:

إن كان نبشُ القبرِ مهنةَ عالِمٍ

فالذِّئبُ يَذْهبُ في العلوم بعيدا

أو قوله يخاطب يوسف الصديق:

يوسفُ نبِّئنا بتأويل ما

نرى عيانًا لا بحلم أطافْ

السنبلاتُ الخضر في أرضنا

فكيف نشكو كل هذا الجفافْ؟!

أو قوله يهجو:

أنت كالأرض في الكثافة إلا

أن للأرض ميزة الجاذبيهْ!

إلى أمثال هذه المعاني التي تدل على ابتكار وافتنان، ولا تتكرر لزامًا في نظم كل شاعر يطرق هذه الموضوعات، مع تصرف في أوزان الشعر لا يلتزم فيه الأوزان المأثورة عن الأقدمين.

***

والأستاذ الشوباشي يصف في ديوانه المناظر المألوفة؛ كالبحر وحقل القمح وليالي الريف، فيصدر في وصفه عن وحي قريحته، كما قال في حقل القمح:

كان بالأمس زاهيًا سندسيا

فغدا ساطع السنا عسجديا

هُوَ كالبحر في اتساع مداه

وهْوَ كالبحر طيعًا وعصيا

فإذا مسه النسيم رفيقًا

مال كالمنتشي زهته الحميا

وإذا ثارت الرياح ترامى

مثل هوج الأمواج تهوي هويا

عصفرته شمس الأصيل فأمسى

يابس الأرض سائلًا ذهبيا

يا له خضر ما حوى بدل المر

جان والدر بره اللؤلؤيا!

وشبيه الخِضَمِّ أذكرني ملـ

ـهى خِضَمٍّ رتعتُ فيه صبيا

شاطئٌ مائجُ الرمالِ ويَمٌّ

يتهادى إليه طلقًا حفيا

كنتُ أقفو تلك الرمال صعودًا

وهبوطًا ولا أملُّ مُضِيا

وإذا ما لمحتُ في الأُفُق النا

ئي شراعًا يكاد يخفى قصيا

شاقني سر ذلك العابر المجـ

ـهول يطوي عوالم الغيب طيا

وتمليتُ متعة الأزرق الرجـ

ـراج أجلو بحسنه مقلتيا

فله روعة على حالتيه

إن سجا أو طغى ودوَّى دويا

أو كما قال في ليلة ريفية:

وليلة من ليالي الريف ساجية

قضيتُها بين أطياف وأرواحِ

غابت عن العين أنماط الحياة فلم

يبن خلال دجاها غير أشباحِ

وغير خفق السها، أو ضوء مصباح

يبدو على بُعُدٍ من كوخ فلاحِ

وعمها الصمت إلا ما تخلله

من نَوْح ساقية أو صدح صداحِ

دَجَتْ، وشَفَّتْ، فعيني في غياهبها

عمياء، لكن قلبي مدرك صاحِ

لما محى الليلُ وجهَ الكون أبدعه

في خاطري، نِعْمَ هذا المبدع الماحي!

وكثير من قصائد الديوان على هذا الطراز في معناه ومبناه.

***

أما الشاعران — الأستاذ غنيم والأستاذ الأسمر — فلا يُفهَم من نسبتهما إلى المدرسة السلفية أنهما لا يأتيان بشيء من عندهما يُحسَب لهما. ولكن يُفهَم منها أنهما يُجدِّدان على نمط الأقدمين كما صنع البارودي وحفني ناصف من قبلهما. وقد قال زميلنا الشاعر الكبير علي الجارم في تعريف نهج البارودي: «إنه كان شاعرًا مفطورًا ومحاكيًا مفطورًا، وكان دقيق الحس مرهف الذوق موسيقي الأذن، يؤثر الديباجة على المعنى، ويُعنَى بالرنين الشعري والجرس اللفظي. تلفت حوله فرأى الشعر يرسف في أغلاله ويرتطم برطانته، ولا يزال رجاله يحاكون فنَّ مَنْ قَبْلَهم من شعراء عصر الجمود والخمود، فعكف على دواوين الشعر الجاهلي والإسلامي والعباسي في أزهى عصور اللغة والأدب. وكان قويَّ الحافظة سريعًا إلى المحاكاة، فتعلم الشعر وطُبِع على البلاغة دون أن يقرأ كتابًا في البلاغة، وغرَّد بالشعر فملأ الدنيا كالمتنبي وشغل الناس. وكان اتجاه هذه الحلبة نحو شعر بغداد.»

وقال الأستاذ الجارم عن مدرسة حفني ناصف: «إن الناشئة التي نشأت على نهجه كانت وجهتها محاكاة الشعر المصري في أنضر عصوره، أيام الأيوبيين وصدرًا من دولة المماليك. ومميزات شعر هذه الطائفة: خفة الروح المصرية، والنكتة البارعة، وتعمد الزخرف البديعي اللطيف.»

وكلا المذهبين من نفحات عصر النهضة التي بدأت في عهد محمد علي وترعرعت في عهد إسماعيل، وأخرجت مصر من ظلمات الجهالة التي رانت عليها بعد زوال استقلالها، ودخولها في حوزة الدولة التركية، منذ أيام السلطان سليم.

***

والأستاذان غنيم والأسمر أقرب إلى نهج حفني ناصف في التحديد والاقتداء بالأنماط الحية في شعر شعراء الدولة الأيوبية ودولة المماليك.

ومن أمثلة شعر غنيم قوله في فجر السلام:

لما شدا بالنصر شاديهم بدا

لحن السرور على الشفاه غريبا

ملأوا الكئوس فكلما همُّوا بها

ذكروا بجمرتها الدم المسكوبا

فتشتُ بين المُحْتَفِين فلم أجد

إلا طعينًا في الصميم أُصِيبا

كم في غمار المحتفين خطيبة

باتت تناجي في التراب خطيبا

كم ثاكل لم تدرِ أين ثرى ابنها

فتعيره من دمعها شؤبوبا

ومشوه تزوي الملاحُ وجوهَها

عنه، وكان إلى الملاح حبيبا

ومن قصائده في غارات الإسكندرية:

الثغر أين مضى رواؤه؟!

أَوَلَمْ يفارقه شتاؤه؟!

كانت تموج ظباؤه

ما باله نفرتْ ظباؤه؟!

قد ظلَّل الثغر الوجو

م ولف شاطئه رداؤه

إلى أن يقول:

ربع الرجال به وعن

أطفالها ذهلت نساؤه

هاموا كما هام القطيـ

ـع تخلفتْ عنه رعاؤه

يجري الشريد به فلا

يدري إلى أين التجاؤه

أشقى بنيه من نجا

فأطال لوعته نجاؤه

ومن قوله في الثورة على الحضارة:

ذرعتم الجوَّ أشبارًا وأميالا

وجُبْتم البحرَ أعماقًا وأطوالا

فهل نقصتم هموم العيش خردلةً

أو زدتمو في نعيم العيش مثقالا؟!

صرعى الهواء وصرعى الماء قد كثروا

وراكب الخيل جر الذيل مختالا

العِيسُ ألين ظهرًا من مراكبَ إِنْ

جُنِّبْنَ هولًا فقد قرَّبْنَ أهوالا

تسنم القوم غرب الجو وانطلقوا

كأن للقوم في الأفلاك آمالا

أقسمتُ لو دَنَتِ الأفلاكُ طائعةً

فنالها المرءُ لم يقنع بما نالا!

وقد مهد زميلنا الأديب الكبير أنطون الجميل (باشا) لديوان الأستاذ الأسمر بمقدمة ناقدة محللة، هي خير ما يُوصَف به هذا الديوان، فقال فيها: «هو في ذلك — شأنه شأن معظم شعرائنا — يتنازعه عاملان: عامل التقليد؛ فينزع منزع الأقدمين، وعامل التجديد؛ فيذهب مذهب المحدثين.

وهو في أكثر هذه المواقف تتسلط عليه عاطفة الألم مما يرى ويحس؛ يتألم لوطنه المسلوب الاستقلال، فيقول:

عجبتُ لبحر الروم يرمي بموجه

على شاطئ حر وآخر موثق

رأيت الأسارى مطلقات عقولهم

ونحن أسارى، عقلنا غير مطلق

ويغضب لمصر الضائعة الحقوق فيزفر تأوهًا:

آه على مصر وأبنائها

صارت وصاروا أكلة الآكل!

ويتألم لما بين الأحزاب السياسية من خصام، فيقول:

يعادي بعضنا بعضًا كأنا

فقدنا في الكنانة من نعادي

أرى الأحزاب قد ضلَّت وصارت

أشد على البلاد من الأعادي

ويتألم لما في مصر من ثورة حُرِم أبناؤها منها، فيقول مسجلًا:

بها ما شئت من قمح وقطن

ولكنا نجوع بها ونعرى

وفي هذه القصيدة نفسها يتألم لنفسه بما يثقلها من قيود:

أروني شاعرًا حرًّا يغني

بما أهوى فلست اليوم حُرَّا»

وقد جاء هذا التفصيل وما تلاه بعد إجمال، يقول الأديب الكبير فيه:

إن شعر الأسمر في معظمه مزيج من الحقيقة والخيال. يرتفع الشاعر حينًا فيروي ما يشعر به حسه، ويدرج حينًا في عالم الحقائق المجردة فيصف شئون الحياة كما هي؛ جميلة أو شوهاء، سعيدة أو مبتئسة، مفترة الثغر أو مقطبة الجبين.

من هذه الأمثلة المقتبسة من شعر الدواوين الأربعة، يبدو لنا جليًّا أن أصحابها ينتمون إلى مدرستين لا إلى مدرسة واحدة، وأنهم جميعًا من الشعراء المتصرفين في طريقتهم الشعرية على اختلاف هذه الطريقة. ولعلنا نلمس دلائل الطبع في شاعري المدرسة الابتداعية وشاعري المدرسة السلفية من ذهابهم جميعًا «مذهبًا طبيعيًّا» لمن نشأ مثل نشأتهم ودرس مثل دراستهم. فمن عرف اللغات الأجنبية غلبت عليه موضوعاتها ونزعاتها، ومن تعلم في الجامعة الأزهرية أو في دار العلوم غلب عليه التجديد على طراز بغداد والقاهرة، أو طراز القاهرة في عهد الأيوبيين وما تلاه.

وقد كان الأصل في جائزة المجمع أن ينالها شاعر واحد منقطع النظير، فتقاربت الملَكَات والمذاهب، وتلاقت الأيدي على قصبة السبق. فوجب أن تُقسَم بينها قسمة عادلة، فكانت من نصيب هؤلاء الشعراء الذين تقدموا في الرعيل الأول بين المتقدمين، وكانت قسمتها على النحو الذي رآه المجمع بعد طول المقابلة والترجيح.

فنهنئ الأدباء الأفاضل بسبقهم وبراعتهم، ونرجو لهم مزيدًا من الفضل والبراعة، وللأدب العربي على أيديهم مزيدًا من الغنى والحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.