نعم، ليست مشكلة واحدة ولا مشكلتين، وإنما هي مشكلات عدة تشغل الوزارة في هذه الأيام، أو قل: تشغل أبطال الوزارة. فلا يزال بين الوزراء قوم متواضعون لم يخلقوا لأنفسهم بعدُ مشكلاتٍ تعنيهم وتؤرق عليهم ليلهم.

فلسنا نعلم أن لوزير الأشغال مشكلة ظاهرة، ولسنا نعلم أن لوزير المواصلات مشكلة صارخة، ولسنا نعلم أن لوزير الزراعة مشكلة تعلن نفسها إلى الناس. وقد تكون لهؤلاء السادة من الوزراء مشكلات لم تظهر بعد، وقد تظهر غدًا أو بعد غد، وقد تكون لوزير الأوقاف أيضًا مشكلة أو مشكلات لم نعلم بعد من أمرها شيئًا. ولكن هؤلاء السادة من الوزراء لا يزالون متواضعين إلى الآن لم يتحدثوا عن أنفسهم، ولم يدعوا الناس إلى أن يتحدثوا عنهم. أما أبطال الوزراء إلى الآن فلهم مشكلات خطيرة، وخطرها يأتي من أنهم هم الذين خلقوها لأنفسهم، وأرادوها على أن تظهر لهم وتنغص عليهم الحياة، ولو قد تركوها حيث كانت لمضوا أمامهم هادئين يصرفون أمورهم في فتور أو شيء يشبه الفتور، حتى يأذن لهم الله بما يأذن به عادة للوزراء من هذه الراحة التي ليس فيها نشاط.

ولكنهم قوم جادون يحبون الكَدَّ، ويكرهون الراحة وفراغ البال؛ فهم ينشئون لأنفسهم المشكلات إذا لم تنشأ وحدها أو إذا لم تنشئها الظروف. ولست أدري ماذا يريد منهم المصريون بعد هذا، وهم يجعلون للسياسة طعمًا، ويأبون على السياسة أن تنام.

أما رئيس الوزراء الرجل الطيب، فلا يَعْرِفُ الناس أنه استراح من المشكلات منذ أَلَّفَ الوزارة أو أُلِّفَتْ له الوزارة. كانت مشكلته الأولى صدقي باشا، ولم يفرغ منها إلا بعد مشقة طويلة وهم ثقيل، ومَنْ يدري؟ لعله لم يفرغ منها بعد؛ فإنا نقرأ في الصحف أحاديث تدل — إن صحت — على أن صدقي باشا لم ينم ولكنه يتكلف النوم. ثم نشأت للرجل الطيب مشكلة الوزراء المفوضين وخطبة قاضي القضاة، ثم نشأت له مشكلة المندوب السامي والتقاليد فيما بينه وبين المندوب السامي من صلات. ومَنْ يدري؟ لعل مشكلة أخرى أن تكون قد نشأت له اليوم أو أن تنشأ له غدًا؛ فالرجل الطيب لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كثرت حوله المشكلات.

وأما وزير الداخلية فحسبه رئيس الوفد، وزيارات رئيس الوفد، مشكلة لا كالمشكلات، ومعضلة لا كالمعضلات. مراقبة دقيقة في القاهرة، وعنف لا حدَّ له في الأقاليم. نشاط لا يعرف الخمود، ويقظة لا تعرف النوم. أرصاد تُبَثُّ وجنود تُحْشَدُ، وطرق تقطع، ودور تحاصر، وأخرى تحتل، ولعب من هذا اللعب الذي إذا ابتدأ فليس له انتهاء.

وأما وزير التقاليد فحسبه مشروع القرش، وحماية المروجين له، وعقاب الضيِّقين به؛ يفصل قومًا ويدرس أحوال قوم آخرين، ويحتاط لغدٍ فيلغي اتحادًا، وينشئ اتحادًا، ويغلق ناديًا ويفتح ناديًا. ثم لا يكفيه ذلك حتى يفكر في زي المعلمين؛ فيهيئ قانونًا أو مرسومًا لفرض العمامة وتحريم الطربوش، وهو في أثناء هذا كله يتهيأ لإلقاء خطبته الرائعة البارعة التي ستلقى يوم الثلاثاء حين يُفْتَتَحُ المجمع اللغوي في دار الأوبرا.

وأما وزير المالية، وما أدراك ما وزير المالية! فمشكلاته لا تنقضي، ومعضلاته لا تنتهي، وأحاديث الناس عنه لا تفرغ، وإن قَلَّتْ أحاديثه هو عن نفسه، فمن مسألة الدَّين العام إلى مسألة الدَّين الخاص، ومن حكاية القطن الذي بِيْعَ إلى حكاية القطن الذي سيُبَاع، ومن خلاف مع الوكيل إلى خلاف مع المستشارين، ومن هذا كله إلى سماسرة البورصة يغضبهم ثم يرضيهم، ثم يغضبهم ثم يلاعبهم ويداعبهم، في هذا الظرف اللبق الذي لا يُحْسِنُه غيره من الوزراء.

وتأبى الظروف إلا أن تكون لوزير الحقانية مشكلة، وأي مشكلة؟ مشكلة لم يكن في حاجة إليها، ولم تكن الوزارة كلها في حاجة إليها، لولا أن العدوى قد سَرَتْ إلى الوزراء؛ فأحبَّ كلُّ واحد منهم أن تكون له مشكلة، وأن يكون له شأن وإن كثر حوله الأخذ والرد، وأن تطول حوله الأحاديث. كان وزير الحقانية هادئًا، وكان المحامون هادئين، وكانت الأمور تجري بينهم وبينه مطمئنة، لا باسمة ولا عابسة، لا ثائرة ولا مستقرة. ولكن الظروف، وويل للناس من الظروف! أبت إلا أن تُغْرِيَه بالمحامين؛ فإذا هو يتحداهم، وإذا هو ينذرهم، ويأبى إلا أن يسمعوا له ويطيعوا فيما يتخذون من قرارات وما يعمدون إليه من انتخابات. وإذا المحامون يأبون عليه، ويخالفون عن أمره، وينتخبون مَكْرَمًا لهم نقيبًا، وإن كره الوزير أن يرى مكرمًا نقيبًا.

هنالك غضب الوزير، ولم لا يغضب؟! وهل هو أقل من وزير التقاليد، أو من وزير المالية، أو من وزير الداخلية، أو من رئيس الوزراء؟ كلهم يغضب، وكلهم يبطش. وما له لا يغضب، وما له لا يبطش؟ وهَبْهُ يكره الغضب ولا يحبه، فكيف يقبل أن يخطب معه مكرم باسم المحامين بين يدي جلالة الملك؟! وإذن، فليُهَيَّأ قانون، وليُعْرَضْ على البرلمان وليُصْدَرْ، ولينسحب على الماضي؛ وليُفْصَلْ مكرم وأصحابه من نقابة المحامين فصلًا، وليعلم المصريون أنهم جميعًا أمام إرادة الوزراء سواء، وليعلم وزير التقاليد أنه ليس هو وحده الذي يملك فصل الطلاب والأساتذة، وأن هناك وزيرًا آخر يملك فصل النقباء وأعضاء النقابة من نقابة المحامين.

وكذلك غضب وزير الحقانية كما غضب غيره من الوزراء، وهَمَّ وزير الحقانية أن يبطش كما يبطش غيره من الوزراء، ولكن ماذا؟ وزير الحقانية يَهِمُّ، ولكنه لا يفعل؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل، لأنه لا يخاصم التلاميذ، ولا يخاصم الأساتذة، ولا يخاصم الموظفين، وإنما يخاصم المحامين. والمحامون رجال خصومة؛ فيجب أن يَحْسِبَ لهم حساب. أراد وزير الحقانية أن يتحدى المحامين؛ فقبل المحامون تحديه وثبتوا له؛ لم يدعُ نقيبهم إلى حفلة الأوبرا، فأبوا أن يشهدوا حفلة الأوبرا وأقاموا حفلتهم في هيليوبوليس. أصدر قانونه، فأبى المحامون أن يذعنوا له؛ لأنه مخالف للدستور وما ينبغي لرجال القانون أن يذعنوا لمخالفة الدستور. أعاد إنذارهم بعد صدور القانون كما أنذرهم قبل صدور القانون؛ فابتسموا لإنذاره الثاني كما ابتسموا لإنذاره الأول، وأقروا مكرمًا لهم نقيبًا بعد صدور القانون كما اختاروا مكرمًا لهم نقيبًا قبل صدور القانون. وأعلنوا إلى المصريين جميعًا أنه إذا كان بين الناس مَنْ يحب اللعب، فإنهم هم لا يلعبون. وأعلنوا إلى المصريين جميعًا أنه إذا كان بين الناس مَنْ لا يؤذيه أن يهون على نفسه وعلى غيره، فإنهم هم لا يرضون أن يهونوا على أنفسهم ولا على أحد. وأعلن نقيبهم إلى المصريين جميعًا أن المحامين إن كانوا قد عجزوا عن إقناع الحكومة؛ فهم قد استطاعوا إقناع أنفسهم، وأن الرجل الخليق بهذا الاسم هو الذي لا يتجاوز موقفه الذي يفرضه عليه الاقتناع ورضا الضمير مهما تكن الظروف. وأعلن نقيبهم إلى المصريين جميعًا أن عمل المحامين الخليقين بهذا الاسم إنما يعظم ويرتفع شأنه ويجل خطره، ويكون عمل رجال حقًّا حين يرفعون القانون إلى مستوى العدل، ولا يهبطون بالعدل إلى مستوى القانون. وأعلنت جمعيتهم العمومية إلى المصريين جميعًا أن القانون الذي أصدرته الحكومة لا يلائم العدل؛ لأنه لا يلائم الدستور، وأنهم لذلك لا يطيعونه، ولا ينزلون عند حكمه، ولا يختارون لأنفسهم نقيبًا آخر غير مكرم. وكلفوا نقيبهم مكرمًا بأن يبلغ ذلك إلى الجهات المختصة لينتهي إلى الحكومة التي أصدرت القانون.

وكذلك تَمَّ لوزير الحقانية ما أراد وما تم لغيره من الوزراء؛ فكانت له مشكلة كما أن لزملائه مشكلات. وليس أمام وزير الحقانية للخروج من هذه المشكلة إلا إحدى اثنتين: فإما أن يرضى قرار المحامين ويسحب ما ينكره المحامون من قانونه، وفي هذا الموقف انتصار للحق والعدل والدستور وانخذال للوزارة. وإما أن يأبى على المحامين موقفهم ويهيئ لهم قانونًا آخر؛ وفي هذا الموقف إصرار على البطش، ومُضي في الطريق التي يمضي فيها زملاؤه من أصحاب المشكلات. والمحامون ومعهم المصريون جميعًا منتصرون على كل حال: منتصرون إذا نزلت الوزارة عند رأيهم، منتصرون إذا أبت الوزارة إلا أن تسلك معهم سبل البطش والعسف. فليس المظلوم ضعيفًا، وليس المظلوم منهزمًا مهما ينزل به من الظلم، وإنما يضعف المظلوم وينهزم حين يرضى الظلم ويذعن له ويستكين للظالمين.

فلننظر أي الطريقين يسلك وزير الحقانية!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.