لو كُشف الغطاء له عن ضميره لرآه أحمرَ قانيًا يقطر دمًا، ولكنه لا يعترف بالضمير، وإنما يرى الإيمان به وهمًا، والإذعان لحكمه ضعفًا، والإشفاق من لونه جنونًا. ولو كُشِف الغطاء له عن قلبه لرآه صخرة صُلبة لا يعمل فيها شيء، ولا يؤثِّر فيها شيء، ولا تصلح مصدرًا لشيء، وإنما هو الجدب الذي ليس بعده جَدْبٌ، والغلظة التي ليس بعدها غلظة، والقسوة التي لا تنتهي إلى حَدٍّ ولا تقِف عند غاية.

ولكنه لا يعترف بالقلب، وإنما يرى الحديث عنه والتأثُّر بما يثور فيه من عاطفةٍ؛ فسادًا في الطبع والتواءً في المزاج، وأثرًا من آثار الحضارة الفاترة التي يجب أن تزول، والتي يريد هو أن يزيلها، ويعمل هو على أن يزيلها. ولو كُشف له عن عقله لرآه ذبالة ضئيلة نحيلة كليلة لا تكاد تضيء حتى تنطفئ، ولا تستطيع أن تثبت للرَّوِيَّةِ أو تقوى على التفكير، أو تواجه المشكلات وصعاب الأمور. ولكنه لا يؤمن بالعقل، وإنما يراه لونًا من ألوان السُّخف، وحديثًا من أحاديث الهوس، وهدية خطِرة من هدايا الحضارة اليونانية الرومانية التي فشِلت وذهبت ريحُها، وآن لها أن تنهار، وأن تقوم مكانها حضارة جديدة لا تتأثر بالخلق، ولا بالفلسفة، ولا بالديانات السماوية. حضارة لا تعرف العقل ولا الضمير، وإنما تعرف الغرائز وحدها. وتندفع مع هذه الغرائز إلى حيث يريد لها الخيال الجامح أن تندفع في غير تبصُّر ولا تفكُّر ولا تقدير.

هذه هي الصورة التي خرجتُ بها من قراءة الكتاب الذي جعلتُ اسمَه عنوانًا لهذا الحديث، وهذا الكتاب قد ألفه رجل ألماني كان صديقًا لهتلر، بل كان من خاصته، وأقرب أصدقائه إليه. عرَفه أثناء جهاده وجاهد تحت لوائه، واغتبط بانتصاره، وعمِل على تحقيق هذا الانتصار، ثم ساهم في استغلال هذا الانتصار إلى أقصى ما استطاع.

كان مسيو بروشننج ألمانيًّا محبًّا لوطنه، محزونًا لما أصاب ألمانيا من الهزيمة في الحرب الماضية، ولِمَا تبع الهزيمة من النتائج الخطيرة التي أفسدت على ألمانيا أمورها كلها. فاستجاب كغيره من الألمان للدعوة الهتلرية التي كانت ترمي إلى إقالة ألمانيا من عثرتها واستنقاذها من آثار الهزيمة. وكان رئيسًا لحكومة دانزيج تلك المدينة الحرة بمقتضى معاهدة فرسايل، والتي اتُّخذت سببًا مباشرًا لإعلان الحرب الحاضرة. وكان هذا الرجل يعمل مع هتلر كما يعمل معه كثير من الألمان، ولكنه كان ذا خطر خاصٍّ لمكانه من تلك المدينة التي أرادت لها معاهدة فرسايل أن تكون حُرَّةً، وأرادت لها الظروف أن تكون موضوع النزاع بين النفوذ الألماني والنفوذ البولوني والنفوذ الدولي العام، بحكم ما كان من إشراف عصبة الأمم على أمورها من قريب أو من بعيد.

وكان مؤلف هذا الكتاب حريصًا كل الحرص على أن تعود دانزيج إلى ألمانيا يومًا ما، ولكن في هدوء وسكون، وفي اتِّفاق مع بولونيا من جهة ومع عصبة الأمم من جهة أخرى. وكان حريصًا من أجل ذلك على أن تظَل دانزيج متصلة بألمانيا اتصالًا رُوحيًّا واقتصاديًّا، فكان من الذين روَّجوا فيها للدعوة الهتلرية. وكان من أجل هذا كله شديد الاتصال بهتلر، يلقاه بين حين وحين ليتلقى منه الوحي، وليشير عليه في شئون الحزب. وقد ظفر بحب هتلر وإيثاره، فكان يخلو إليه فيطيل الخلوة، ويستمع له فيطيل الاستماع، حتى إذا أسرف الحزب الهتلري على نفسه وعلى ألمانيا وعلى مدينة دانزيج نفسها، وظهرت بوادر الشر الذي لا شك فيه؛ عجز هذا الرجل عن مسايرة الحزب فلم يقاومه، ولم يُبْدِ له سخطه، وإنما نصح بالاعتدال والقصد، فلم يسمع له أحد، ولم يحفل به أحد فاعتزل الحكم. وقد وضع هذا الكتاب الغريب الذي لم يكُن في وضعه إلا ناقلًا، قليل الحديث جدًّا، كثير النقل جدًّا، ولكنه لا ينقل إلا عن هتلر نفسه فهو يُصوِّر لنا هتلر بقلم هتلر أو بلسانه إذا أُرِيدَ التعبير الصحيح. والصورة التي رآها القارئ في أول هذا الحديث هي أظهر ما يخرج به القارئ من هذا الكتاب العجيب. فهتلر رجل محدود العقل، محدود التفكير إلى أقصى حَدٍّ وأبعد غاية، لا يتعمق موضوعًا من الموضوعات، ولا يستقصي مسألة من المسائل، ولا يرى فائدة للتعمُّق والاستقصاء، وهو قليل القراءة قليل التحصيل، مُبغِضٌ للقراءة والتحصيل، لا يستوحي علمًا ولا بحثًا ولا تجرِبةً، وإنما يستوحي خيالًا جامحًا لا يعرف القصد ولا الأناة، وهو من أجل ذلك يزدري فلسفة الفلاسفة، وسياسة الساسة، وتفكير المفكِّرين. يؤمن بأنه قد وُجِدَ لينقل ألمانيا من طور إلى طور، ولينقل العالم كله بفضل ألمانيا من طور إلى طور. فكل طريق يجب أن تؤديه إلى هذه الغاية مهما تكُن عسيرة شاقَّة مملوءة بالصعاب والعقاب. وكل شيء جائز سائغ في سبيل هذه الغاية مهما يكُن مناقضًا للخلق، ومهما يكُن مناقضًا للضمير، بل هو يريد أن يريح الناس من الخلق والضمير؛ لأنهما يتبطآن الهمم، ويفلان الحد، ويدفعان إلى التردُّد والتفكير. وهو لا يريد تردُّدًا ولا تفكيرًا، وإنما يريد إقدامًا وإقدامًا دائمًا، وإقدامًا لا يعرف الهدوء ولا الأناة. وهو يريد أن يريح الناس من الدِّين السماوي؛ لأن هذا الدين السماوي قد أقام حياة الناس على أصول الحق والواجب والخير والعدل. وهو لا يعرف من الحق إلا حق ألمانيا، ولا يعرف من الخير إلا ما يجب أن تجنيه ألمانيا من سيادتها وسلطانها. ولا يعرف من العدل إلا ما يجب أن تمضيه في العالم من الحكم، وما تفرضه على العالم من النظام. هو من أجل ذلك يريد أن يقَوِّي ألمانيا إلى أقصى حَدٍّ لتستطيع أن تُحَطِّمَ ما يعترضها من المقاومة مهما يكُن شكله ومهما يكن مصدره، فالفرد الألماني لا يوجد إلا من حيث إنه أداة لقوة الشعب الألماني، ولا بأس بأن يحتمل الجوع والظمأ والبؤس على اختلاف ألوانه، والتضحية على اختلاف أشكالها وصورها، ولا بأس بأن يتعرض للموت وألوان العذاب، وهو من أجل ذلك لا يتردد في التضحية بالمئات والألوف في سبيل فرض النظام الهتلري على ألمانيا، وفي التضحية بالملايين في سبيل فرض السيطرة الألمانية على العالم. وهو من أجل ذلك لا يتردد في مقاومة الدِّين، وأخذ رجاله بالشدة والعنف إلا أن يُذعِنُوا له ويؤمنوا به، ويجعلوا دينَهم وسيلةً من وسائله. وهو من أجل ذلك لا يتردَّد في إغلاق الجامعات، واضطهاد العلماء إلا أن يجعلوا علمهم وتعليمهم وسيلةً من وسائله وأداة من أدواته.

وهو ما دام ينكر شخصية الفرد وحَقَّه في أن يوجد لنفسه، وحقه في أن يطمع في الحرية الفردية، ويطمح إلى السعادة الفردية، لا يعرف الحرية ولا يؤمن بقيمتها، إنما يراها لونًا من ألوان العبث الديمقراطي الذي يجب أن يزول. وكما أنه لا يعترف بالشخصية الفردية، فهو لا يعترف بالشخصية الاجتماعية أيضًا، ولا يؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنما الشعوب الصغيرة فرائس يجب أن تُلتَهَم، والشعوب الكبيرة أعداء يجب أن يُقهروا بالحيلة ما وَسِعَتْهُ الحيلة والعنف إذا لم تُغْنِ الحيلة، ولم تبلغه ما يريد.

وهو من أجل ذلك لا يفهم معنى لوجود النمسا، ولا لوجود تشيكوسلوفاكيا، ولا لوجود هولنده وبلجيكا، وإنما هذه كلها بلاد يجب أن تصير إلى ألمانيا، وأن ينتشر فيها الشعب الألماني مستغلًّا لها، مستذلًّا لأهلها. فإذا وصل الشعب الألماني إلى فرنسا فيجب أن يقتطع من أرضها ما يحتاج إليه في أوروبا. فأما مستعمراتها ومستعمرات بريطانيا العظمى فيجب أن تسير إليه طوعًا أو كَرهًا. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل لا بد من أن يصير شمال أمريكا وجنوبها إلى الشعب الألماني غدًا أو بعد غدٍ بالحيلة إن أغنت، وبالعنف إذا لم يكُن من العنف بُدٌّ.

وأنت أيها القارئ الكريم تقرأ هذا الكلام فتراه جنونًا، وتراه أشبه بهذيان المحموم، ولكنه مع ذلك كلام هتلر يسجِّله عليه صديقه بروشننج في كتابه تسجيلًا.

وألخصه أنا لك تلخيصًا متواضعًا جدًّا فيه كثيرٌ من التقصير، وفيه كثيرٌ من الاعتدال أيضًا؛ لأني أخشى أن تسيء بي الظن. ولكن ناقل الكفر ليس بكافر، وناقل الجنون ليس بمجنون. وقد تقول إن هتلر قد عامل الشعوب الصغيرة والكبيرة وأمضى معها المعاهدات والمحالفات. ولكن هتلر يقول لمُحَدِّثِه إن المعاهدات والمحالفات وسائل لا غايات. وهي وسائل إلى الخداع وانتظار الفُرَص، فهو لا يرى بأسًا من أن يعطي العهود والمواثيق إذا احتاج إلى إعطائها، ومن أن ينقض العهود والمواثيق إذا احتاج إلى نقضها. وهو لا يرى بأسًا من أن يُقسِم بمحرجات الأيمان إذا احتاج إلى القَسَم، ومن أن يحنث في قسمه إذا احتاج إلى الحنث. وهو قد أثبت ذلك على نفسه فعاهد ثم نقض العهد، وحالَفَ ثم نقض الحلف، وعادى روسيا ثم صادقها، وصادق إيطاليا وهو يتحدث عنها في الكتاب أشنع الحديث، ويزدريها أقبح الازدراء.

وعلى الجملة فإن الصورة التي تخرج بها من هذا الكتاب بشعة منكرة، إن دلَّت على شيء فإنما تدل على الآثار المنكرة التي يتركها التعليم الناقص والتربية المهملة في بعض الأفراد، حين تتيح لهم الظروف التسلُّط على بعض الشعوب في أوقات الشدة والمحنة والشقاء. وهي تدل أيضًا على أن الحضارة الصحيحة ليست في هذه الألوان من التقدُّم المادي في الصناعة والتجارة والزراعة والاستكشاف، وإنما قبل كل شيء خُلُق يشيع في النفوس والقلوب والعقول فيُهيِّئها لمقاومة الشر والامتناع عليه.

فالشعب الألماني ماهر في الحضارة المادية، ولكنه قد حُرِمَ رُوح الحضارة وخلاصتها، فأصبح أداةً يسخرها المتغلب، وطبعًا يستجيب لكل ناعق، وآية ذلك أنَّه استجاب لدعاة الحرب الماضية فوَرَّطَ نفسه — ووَرَّط العالم معه — في شر عظيم لم نفرغ من آثاره المنكرة بعدُ. وهو الآن يستجيب لطاغيته هتلر، فيورط نفسه ويورط العالم في شر عظيم لا ندري متى تخلص الإنسانية من آثاره.

والحمد لله على أني لم أنتظر إعلان هذه الحرب لأبغض هتلر ونظامه، وإنما أبغضت هذا الرجل منذ نَجَمَ، وأبغضت نظامه منذ ظهر، وقاومته وقاومت نظامه ما أُتيحت لي المقاومة، وتصوَّرتُه دائمًا على أنه الرجل الذي يقطر ضميره دمًا، والذي لا يرعى حرمة ولا ذمة، والذي يُعادِي العقل فيعادي الإنسانية، ومُثُلَهَا العُليا، وحضارتها الرائعة. وهذه أعماله وهذه أقواله تظهر للناس كما تصوَرتُه منذ استقامت له الأمور، وواتته الظروف. فالحق على كل مفكر يؤمن بالعقل والخلق والضمير والحرية والدين أن يكون لهذا الرجل ولنظامه عدوًّا، وأن يعين عليه وعلى نظامه بما يملِك من قوة وجهد؛ حتى تُرد على الإنسانية حضارتها نقية طاهرة، وضميرها ناصعًا صريحًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.