يتحدث الناس كثيرًا عن الريحاني، عن ذلك الممثل الذي كان مقبورًا في ظلام المسرح منذ أربع سنوات، ثم ظهر فجأة أمام الناس يهز أعصابهم فيضحكون، ويبتسم لهم ابتسامته الجميلة تهتز تحتها لحيته الطويلة، فينبثق في قلوبهم نور يضيء ذلك الظلام القاتم الضارب خباءه فوق صفحات قلوبهم من يوم أن سمعت آذانهم تلك الكلمة القاسية: «الحرب». أجل، أتى الريحاني إليهم ليفرغ أمامهم ما في جعبة مؤلفيه — وهم كثيرون — من النكات العذبة والمواقف الهزلية دون أن ينهضه لذلك غير عزيمته التي أخرجتها من غمدها الصدفة وشحذت حدَّها الظروف. أتى إلى المسرح فقيرًا، ومكث حينًا يتقلب بين الأجواق العاملة يغالب فيها القدر ويغالبه، ويصارع الأيام وتصارعه، دون أن يسمع به أحد أو يتحدث بذكره إنسان، إلى أن بلغ الغاية المنشودة من نفسه، والأمنية التي كان يسعى وراءها من قديم، متحملًا في سبيلها مصائب التمثيل وشدائده التي لا تفل أعصاب غيره من الممثلين. والآن أصبح الريحاني أينع زهرة في حديقة التمثيل، وأصبحت دار تمثيله محط رحال الناس؛ فتدفق المال من جيوبهم لجيبه عن طيبة خاطر، وكيف لا يفعلون ذلك وليس للساعة من لقاء الريحاني ثمن؟! هذا هو الريحاني الذي أصبحت القلوب مليئة بعذوبة ألحانه تنشدها الغانيات في خدورهن، ويرددها الأطفال في الشوارع والحارات، تتغنى بها فئات الناس من رفيعهم لوضيعهم في كل مكان وزمان. ولكن الريحاني لم تسلم شهرته الواسعة من سهام أعدائه وهم من حملة الأقلام؛ قوم لا تسكن لهم سَوْرَة يودُّون تحطيم تلك الشهرة التي أنضجها الليل والنهار، فلا يلبثون أن يرجعوا القهقرى منهزمين متفرقين بعد أن راموا مقاطعة مسرحه الذي بنته يده العاملة، وإسقاط ثماره التي أخرجتها من أكمامها عزيمته القاطعة.

ويقول أنصار الريحاني: إنه ارتقى بالتمثيل إلى قمة المجد، ومشى به في أقوم سبيل. ودليلهم على ذلك تهافت الجمهور على سماع رواياته كل ليلة، حتى لا ترى في داره مقعدًا خاليًا عند ارتفاع الستار. ويقول أعداؤه: إنه رمى التمثيل الحق بسهم قاتل باحثًا عن المال من أي سبيل، وهو وإن فتحت الأسماع له حجابها، فما ذلك عن جدارة واستحقاق، ولكنه ميل غريزي في النفس للمزاح واللهو.

فما قيمة عمل الريحاني؟ وهل هو من خادمي التمثيل أم من هادميه؟ وهل طريقته المبتكرة ضرورية للحياة التمثيلية في مصر؟ وعلامَ لا يُصيخ الجمهور لأقوال من ناصبوه العداء؟ تلك أسئلة سهل الجواب عليها، ومحتم على كل مشتغل بفن التمثيل أن يشرحها للقراء ويحللها تحليلًا وافيًا؛ ومن أجل ذلك أكتب هذا المقال.

ليس فيما يفعله الريحاني شيء يسمى بتمثيل، إذا كنا نقصد بكلمة تمثيل ما تؤديه هذه الكلمة من المعنى الذي يريده أهل الفن وخادموه. أما إذا كان التمثيل في عرفنا أن تقف جماعة على المسرح يفعلون ما يشاءون ويقولون ما تنفضه على عقولهم وأذهانهم رءوس جماعة من المؤلفين وضعوا همهم في جمع نكات السوقة والبحث عن المواقف المخجلة، فإنه يصح حينئذٍ عند من يرى ذلك أن يسمي ما يجري على مسرح الريحاني بالتمثيل الحق، ولكنا نسأله أن يعذرنا إذا كنا لا نساير أهواءه ولا ننهج على منواله.

التمثيل الحق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: التراجيدي، والدرام، والكوميدي، ولكل من القسمين الأخيرين أقسام أخرى لا أرى داعيًا للخوض فيها.

أما ما يسميه الناس تمثيلًا وليس من التمثيل في شيء لخلوه من كل تحليل نفسي أو أخلاقي، فينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام: الجنيول والفودفيل والريفو. (أما الأوبرا والأبراكوميك والأبريت فتدخل تحت لواء الغناء، وليس هذا موضوع مقالنا.) كنا لا نعرف عن هذه الأقسام الثلاثة شيئًا، إلى أن دعت الظروف عزيز أفندي عيد أن يشق ببراعته تلك الحجب الكثيفة التي كانت تحجب عن أعيننا نوع الفودفيل والجنيول، فقدم لنا على مسرحه روايات عديدة من النوع الأول، ورواية واحدة من النوع الثاني وهي «قبلة في الظلام». وقد أراد بذلك أن يدهش الجمهور المصري بشيء جديد، حتى إذا وثق به الجمهور مشى به من الفودفيل إلى الكوميديا الأخلاقية المصرية، ويكون بذلك قد وصل إلى تحقيق الفكرة القديمة التي كانت تجول في مخيلته قبل احترافه فن التمثيل، وهي فكرة إيجاد الروايات المصرية، ولكنه مع الأسف عاد من حيث أتى بعد أن حبط في مسعاه.

ثم انشق عنه تلميذه القديم نجيب أفندي الريحاني، وبدأ حياته التمثيلية الجديدة بنوع لم تسمح به مسارح العالم من قبل، والذي لا أجد له مسمًى في العربية غير اسمه الإفرنكي المبتدع «فرانكوأراب». ولقد جرى الريحاني بهذا النوع شوطًا كبيرًا، ثم وهنت منه القوى وكاد أن يقر بعجزه أيام أن رأى الجمهور يدير له ظهره في أواخر أيامه بمسرح الرينسانس. ثم عز عليه أن يرى نظيره ممثل الكازينو دي باريز تصفو مشاربه وتخصب مرابعه، فانتقل إلى مسرح الإجبسيانة وفي نيته أن يحطم جارحة خصمه؛ فلجأ إلى نوع الريفو ومزجه بالألحان، حتى ظن الناس أنه يقدم لهم نوعًا من الأوبريت، وشتان بين النوعين.

ليس الريفو غير معرض الحوادث الهامة التي تجري في بلد من البلاد، ينظر إليها المؤلف نظرة الهازئ الساخر، ثم ينقلها إلى المسرح مشوهة تشويهًا يضحك فئة خاصة من الشعب. أما المغازي الأخلاقية التي يأتي بها المؤلف عفوًا من غير قصد فليست صاحبة المقام الأول؛ ولهذا لا يعز على المؤلف أن يضحيها من أجل نكاته.

هذا ما نقوله عن قيمة هذا النوع من الجهة الفنية، وهو نوع يأنف الكتاب في أوروبا من نقده، وأظن أن كل من اطلع على تاريخ التمثيل في أوروبا يوافقنا على ما نقول.

وإذا كان هذا النوع ليس من التمثيل في شيء كما قلنا، فعلامَ يُقبل عليه الجمهور المصري ويعضده، بل ويتفانى في الإقبال عليه؟ إني لا أرى لهذا غير سببين؛ أولهما: أن سواد الجمهور المصري ما زال طفلًا يميل إلى ما يوافق مزاجه الصغير وعواطفه التي لم تحنكها التجارب، وهذا النوع يلائم كثيرًا مزاج الجمهور وعواطفه. أما السبب الثاني — وهو الأهم في نظرنا — فهو أن الجمهور سئم أن يرى الأجواق الجِدِّية ترجع القهقرى، وعاف رؤية الهاوية التي هوت إليها دون أن يدفعها غير كسل مديريها ووقوفهم في منتصف الطريق التي كان في نيتهم أن يقطعوها للنهاية، وما عهد الجمهور بمسرح برنتانيا ومناظره المهشمة وملابسه الرثة وروايات أجواقه التي لا توافق الجمهور ببعيد. لهذا لا ترى الجمهور المصري يقعد تحت حكم من يقبِّح لهم روايات الريحاني، والجمهور محق في ذلك. وما مَثَلُ الفريقين إلا كمَثَل أخٍ يقول لأخيه الصغير: إني أخوك الأكبر أُسهر عليك جفني وأُنفق عليك عمري وأفرش لك صدري. ثم يأخذه إلى منزله، وهناك يطعمه المر، ويحرمه لذيذ النوم، ويمنعه بياض اليوم، فإذا طوى الأخ الصغير صدره على أذى الكبير، أتاه رجل غريب سلاحه الحيلة وحجته الدهاء والمكر يعرض له بضاعته الخبيثة التي طلاها بطلاء كاذب ليستمد وداده، ويمتلك عليه فؤاده، حتى إذا آواه إلى داره أتاه بأنواع الخمور وأطيب المآكل وأجمل النساء وأشجى الألحان؛ ليأكل هنيئًا ويشرب مريئًا ويُشنِّف آذانه ويمتِّع نفسه وجسده غير حاسب حسابًا لسوء العاقبة. وأظن أن القارئ الكريم يوافقني لو قلت: إن الأخ الصغير يفضل الغريب على شقيقه الكبير! وما الجمهور غير الأخ الصغير، والريحاني غير الرجل الغريب.

لهذا يُعرض الجمهور عن التمثيل الجِدِّي؛ لأنه يجده كالتمثال المهشم لا حياة فيه تبعث الأمل في القلوب، ويذهب إلى ما أسميه شبه تمثيل؛ حيث يرى ما يدهش بصره ويحير فكره. ففي الأول الموت، وفي الثاني شبه الحياة.

يبقى أمامنا أن نعرف: هل نوع الريحاني ضروري للحياة التمثيلية في مصر؟ وهل الريحاني من خادمي التمثيل أو من هادميه؟

معذرة أيها القارئ الكريم لو قلت لك بعد كل ما كتبت: إن نوع الريحاني بلا نزاع ضروري جدًّا لحياة التمثيل في مصر! أجل، ضروري جدًّا، ضروري للدرجة التي لا تخطر ببال من يسعى لخدمة الفن بإخلاص ووفاء. لا أقول: إن نوع الريحاني ضروري لأنه من الأنواع الموجودة في أوروبا فلا بأس إذن من وجوده في مصر؛ ولكنه ضروري لإنقاذ التمثيل من هوته السحيقة. إذن، كيف يكون ذلك؟

يذكرني هذا المقال ما قرأته في أمهات الكتب الفرنسية عن الفودفيل والكوميديا العصرية. كان للفودفيل منذ عهد ليس بعيد شأن كبير على مسارح فرنسا صغرت أمامه جهود المؤلفين الجِدِّيين مؤلفي الكوميديا والكوميديا دراماتيك، وبقي الحال على ذلك إلى أن بعث الله لفرنسا رجلها الكبير «أنطوان» ذا الإرادة الحديدية والإقدام العجيب الذي لا ترد العقبات بادرته، ولا تفل المصائب حديد إرادته. نظر أنطوان لتلك الحالة السيئة نظرة ثاقبة، وعقد نيته على إنقاذ التمثيل، فألف جمعية سماها «التمثيل الحر» كان «بريو» عونه الأكبر فيها، وكان شعارها قبول الروايات الجِدِّية التي يطلق المؤلف لنفسه فيها العِنان دون أن يتقيد بأي شرط من الشروط التي وضعها من سبقه من المؤلفين. فما لبث أنطوان أن انهالت عليه الروايات من جميع الكتَّاب، وعلى الأخص من الناشئين. فكان ينتقي منها الجيد ثم ينقحه مع المؤلف، ويخرجه للجمهور في صورة جديدة لم يألفها من قبل. وما مضى على هذا الحادث قليل من الزمن حتى وجدنا بين أسماء المؤلفين في فرنسا قومًا لم يُسمع بهم من قبل ألبسوا التمثيل جمال شبابه، وكانوا عماده وسيفه الغالب، أمثال: بريو وبرنستين وفرانسوا دي كوريل … وغيرهم. لو ألقينا على هذا الحادث نظرة جِدِّية لوجدنا أن الفودفيل كان سببًا في وجود أنطوان، وأنطوان كان سببًا في الرجوع بالتمثيل لمقامه الأول.

فلماذا لا يكون مقام عمل الريحاني في مصر كمقام الفودفيل في فرنسا، حتى يبعث الله لمصر رجلًا قادرًا يأنف من هذا النوع، فيعمل على خدمة التمثيل خدمة حقة بلا ثواب ولا أجر؟ بل ألم نجد بوادر هذه الحركة المباركة قد تبدت؟ ألم يشترِ جورج أفندي أبيض دارًا جديدة أصبح يمثِّل فيها كل ليلة الأنواع العديدة من الروايات؟ ألم يخرج لنا في شهر من الزمن ثلاث روايات جديدة بعد أن كان يخرج أمثالها كل عام؟ إني أؤكد للقراء أنه لولا وجود الريحاني لما انبعثت في قلب جورج أبيض زهرة الغَيرة على عمله، وما قام لشراء دار يمثل فيها كل ليلة. ومن أدرانا أن الجمهور المصري يكره يومًا ما نوع الريحاني كما كره نوعه الأول، فيتحول الريحاني من مجرى الريفو إلى مجرى الكوميدي الأخلاقية؟! كل هذا لا نبتُّ فيه الآن، وربما يكشف المستقبل عن غوامض كانت في عالم الغيب. لا ينسى القراء أننا في عصر الفوضى، وأن الفوضى تنتهي بالنظام، لهذا نجرؤ ونقول: إن الريحاني من خادمي التمثيل وليس من هادميه، وإن كان لا يقصد ذلك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.