أتستطيع أن تعلم إلى أي غاية تقصد الوزارة القائمة من قيامها بالأمر ونهوضها بالحكم؟ أما أنا فلا أعرف إلا غاية واحدة، ليست من الغايات التي تقصد إليها الوزارات، حين تنصح لنفسها وتنصح للشعب الذي تقوم فيه؛ فوزارتنا فيما يظهر من أمرها، وفيما تدل عليه حياتها كلها لا تريد أكثر من البقاء، ولا تبتغي شيئًا غير الحكم.

تستطيع أن تعيش معها، منذ قامت يومًا يومًا، وساعة ساعة، وأن تستحضِر أعمالها منذ أُلِّفَتْ، جملةً وتفصيلًا، وأن تلتمس في هذه الحياة وفي هذه الأعمال شيئًا آخر غير البقاء، والاستمساك بالحكم، فلن تجد إلى ذلك سبيلًا، ولن تظفر بشيء غير هذين الغرضين الظاهرين. وإذا أصبحت الوزارة غاية للوزراء، وإذا أصبح الحكم غاية للحكَّام، وإذا أصبحت الحياة غاية للأحياء، وإذا أصبح البقاء غاية للباقين؛ فحدِّثْ ما شئت عن الفساد والاضطراب، وحدِّثْ ما شئت عن العبث والاختلاط، وحدِّثْ ما شئت عن الضعف والفتور، بل حدِّثْ ما شئتَ عن الجمود والركود، وثِقْ ما وسعتك الثقة بأنك لا تستطيع أن تنتظر من الوزارة خيرًا، ولا أن ترجو منها نفعًا، ولا أن تعتمد عليها في تحقيق أمل من الآمال؛ فهي مشغولة بنفسها عن غيرها، وهي مشغولة بالحكم عن أغراض الحكم، وهي مشغولة بالبقاء عما يُسْتَخْدَم فيه البقاء.

تعرض لها مشكلة من المشكلات، فلا تسأل نفسها كيف تحل هذه المشكلة على الوجه الذي يلائم المنفعة، ويحقق المصلحة، ويُرضِي آمال الشعب وحاجته، وإنما تسأل نفسها كيف تحل هذه المشكلة على الوجه الذي يكفُل بقاءها، ويَمُدُّ حياتها، ويجنِّبُها المصاعب، ويحول بينها وبين السقوط.

وكذلك تذهب منافع الشعب ضحية في سبيل بقاء الوزارة، على حين يجب أن تبقى الوزارات لتحقيق منافع الشعب، وأن تذهب الوزارات ضحية في سبيل منافع الشعب. لو أن الوزارة عالجت مسألة الدين العام مثلًا علاجَ من يفكر في الشعب أكثر مما يفكر في نفسه، ويعنى بالشعب أكثر مما يعنى بنفسه، لانتهت إلى إحدى نتيجتين: فإما أن تُقنِع الدول الدائنة بقبول ما يريد المصريون أو تَحْمِلها عليه حملًا، فتبقى، وقد نفعت الشعب وحقَّقتْ آماله، وحفظت كرامته، وحمته من الإفلاس، وإما أن تعجز عن ذلك فتستقيل احتفاظًا برأيها وكرامتها، وبرأي الشعب وكرامته، وتمكينًا لغيرها من تحقيق ما لم تستطع هي أن تحقِّقه والجهاد فيما لم تستطع هي أن تنتهي إليه.

ولكن الوزارة لم تعالج هذه المسألة إلا من جهة واحدة، هي ألا تكون هذه المسألة سبيلها إلى الاستقالة، أو إلى السقوط؛ فطاولت ما وسعتها المطاولة، وسلكت طريق صدقي باشا، مع أنها كانت تنكرها، وتزدريها، وانتهت إلى ما كان ينتهي إليه صدقي باشا، من عام إلى عام، وهو العجز والضعف والاستسلام، واضطرار الشعب إلى ما اضطرت هي إليه، من العجز والضعف والاستسلام. ولو أنها عالجت مسألة الدين العقاري، ومسألة المحاكم المختلطة من الطريق التي تكفل مصلحة الشعب وكرامته، وهي تعرف هذه الطريق حقَّ المعرفة، لانتهت إلى إحدى هاتين النتيجتين أيضًا، فبقيت بعد أن حققت آمال الشعب، وصانت حقه وكرامته، أو استقالت بعد أن عجزت عما كانت تريد. ولكنها عالجت هاتين المسألتين من طريق أخرى، هي التي تضمن لها البقاء والاستئثار بالحكم، فأبطأت وتلكَّأت، وهمَّت بالإقدام، ثم دفعت إلى الإحجام، وانتهت إلى ما كان ينتهي إليه صدقي باشا من فشل تسميه فوزًا، وإخفاق تسميه نجحًا، ودفعت الشعب إلى مثل ما دفعت هي إليه، من الفشل والإخفاق، ذلك إلى أنها لا تملك ما كان يملكه صدقي باشا، من هذه الجرأة النادرة، التي كانت تمكِّنه من أن يَلْبِس الحق بالباطل، ويُسَمِّي الأشياء بأسماء أضدادها، ويقسم جهد أيمانه إنه لموفق، على حين لم يكتب الله عليه إلا الخذلان.

وقل مثل هذا فيما تسميه الوزارة ويسميه أنصارها تطهيرًا لأداة الحكم، فلو أن الوزارة قصدت إلى هذا التطهير، وهي تريده حقًّا، لتضنَّ بسمعة مصر على السوء، ولتحمي حياة مصر من الفساد، لانتهت إلى إحدى نتيجتين؛ فإما كشفت عن جميع الفضائح، كشفًا تامًّا، وهتكت جميع الأستار هتكًا تامًّا، وأخذت المسئولين جميعًا، بالحق والعدل والقانون، فوقفتهم أمام القضاء، ليلقوا جزاء ما قدموا، وليذوقوا ثمرة ما جنوا، وليرى غيرهم فيهم نكالًا للذين يؤتمنون فيخونون الأمانة، أو لعجزت عن هذا فاستقالت، ليتمكَّن غيرها من تحقيق ما لم تستطع تحقيقه، من تطهير الحكم من الإثم والآثمين، ولكنها اتخذت هذا التطهير وسيلة من وسائل الدعاية، وسبيلًا من سبل التشهير بخصمها اليوم وصديقها أمس، صدقي باشا؛ فبدأت في ألوان من التحقيق لم تنتهِ ولا يمكن أن تنتهي إلى نتائجها الطبيعية؛ تحقق في قصة الكورنيش، على شرط ألا يُمَسَّ صدقي باشا بالأذى، وتحقق في قصة الاستبدال على شرط ألا يُمَسَّ صدقي باشا بأذى، وتحقق في أمور البلدية على شرط ألا يُمسَّ صدقي باشا بأذى، وصدقي باشا هو المسئول الأول عن هذا كله. بل تحقق في أمور الاستبدالات وفي أمور البلدية بعد أن يحال مدير الأملاك ومدير البلدية على المعاش، بحيث يصبح التحقيق بعد ذلك عسيرًا، إن لم يكن مستحيلًا؛ ذلك أن الوزارة لا تريد التطهير لنفسه، وإنما تريد التطهير من حيث إنه أداة من أدوات البقاء، ووسيلة إلى الاستعلاء على الخصم ليس غير.

وقد قلت لك: إن من جعل الحياة غرضًا للحياة خليق ألا يُفِيد ولا يَنفع، ومن أنفق أيامه لا يفكر إلا في نفسه خليقٌ ألا ينتظر الناسُ منه خيرًا، وأيُّ خير ينتظره الناس من هذه الوزارة القائمة وهم يرونها تُنفِق حياتها معنية ببقائها، منصرفة إلى تثبيت أقدامها، لا تفكر في غير ذلك، ولا تحفل بغير ذلك، حتى أصبحت حياتنا السياسية كلها عبثًا ولعبًا لا غاية لها ولا خطة.

ومثل هذا العبث البغيض قد يُفهَم وقد يحتمل في بلد حُرٍّ مستقل، قد استكمل أدوات القوة والحرية والاستقلال، فهو يستريح إلى اللهو من حين إلى حين، ويطمئنُّ إلى العبث من وقت إلى وقت. فأما البلد الضعيف الذي يريد أن يكون قويًّا والبلد المستَذَلُّ الذي يريد أن يكون مستقلًّا، والبلد المستعبَد الذي يريد أن يكون حرًّا، فلا يباح له اللعب، ولا يُقْبَل منه العبث، ولا يُرضَى منه اللهو؛ لأن ذلك يضيع عليه وقتًا لا ينبغي أن يَضِيع ويُفْسِد عليه جهدًا لا ينبغي أن يفسد، ويحول بينه وبين التقدم إلى ما يريد من الحرية والقوة والاستقلال، ولعله يُمْعِن به فيما يكره من الضعف والذلة والاستعباد.

ألا يأذن الله لوزرائنا بأن يفكروا في هذا يومًا أو بعض يوم، بل ساعة أو بعض ساعة؟ فهم إن يفعلوا يريحوا أنفسهم، وضمائرهم، ووطنهم، من شرٍّ كثير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.