… هل تُعتبر القصة البوليسية حقًّا قطعة من صميم الأدب القصصي لا تقل عن القصص الأخرى الحافلة بالعواطف الإنسانية والمغزى العميق؟ … وهل من شأنها حقًّا أن تشجع على الإجرام … ولو من قبيل القصص النظيف الذي ابتدعه كونان دويل ولم يرفع فيه من قدر الجريمة أو يتجاهل مكانها في الحياة الاجتماعية؟

فتحي أمين، طالب جامعي

يبدو من تفاصيل خطاب الطالب الأديب أنه على اطِّلاع حسن في موضوع القصة البوليسية، فلا يخفى عليه — من ثَمَّ — أنها مجال فسيح يتَّسع لكل عنصر من عناصر القصة الفنية كيفما كان المحور الذي تدار عليه.

ففي القصة البوليسية مجالٌ للحادثة التي يهتم بها كل قارئ يتشوَّق إلى أخبار الحوادث الإنسانية.

وفيها مجال «السر» ومعه مجال البحث والمطاردة، وهما وسيلة من وسائل التشوق الذي يطلبه قارئ كل قصة.

وفيها مجال للتحليل النفساني يتناول المقابلة بين أخلاق الضحايا وأخلاق المجرمين وبواعث الجريمة عند كل فئة من فئات القتلة والسُّرَّاق والمعتدين على الأعراض والأرواح.

وفيها مجال لامتحان دقة الملاحظة وبراعة الحِيَل عند المعتدين والمُعتَدى عليهم، وعند الباحثين عنهم والمحققين معهم وسائر المشغولين بأحوال الجريمة معهم وسائر المشغولين بأحوال الجريمة مكلَّفين من قِبَل المجتمع أو غير مكلَّفين.

وفيها مجال للإحاطة بمشكلات الحياة الاجتماعية التي تبعث على الإجرام والاجتراء على الحقوق والحرمات، كما تبعث أحيانًا على التعاوُن لمنع الجريمة أو على التواطؤ المقصود وغير المقصود لتيسير الإفلات من جرائرها وعقوباتها.

وفيها معرض للأساليب العلمية التي يُستعان بها على ارتكاب الجريمة أو على كشف أسرارها وتعقُّب مرتكبيها قبل ارتكابها وبعد وقوعها.

وفيها مجال فسيح جدًّا لشرح العواطف الإنسانية التي يثيرها الحب والبغض والقلق والانتقام والمسامحة والخوف والاقتحام.

فلا عيب في موضوع القصة البوليسية على إطلاقها، وإنما يعرض لها العيب من سوء التأليف كما يعرض لكل موضوع يطرقه المؤلف للتهويل والتلفيق وينسى فيه كرامة الفن والذوق، وما من موضوع قطُّ يعاب لِذَاته إذا أحسن المؤلف أداءه وتورَّع عن استخدامه للتزييف والتمويه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.