ليست هزيمة صدقي باشا؛ فقد فرغ الناس الآن من صدقي باشا، ولعل صدقي باشا أن يكون قد فرغ من نفسه إلى وقت ما. إنما هي هزيمة هؤلاء الذين قد جمعهم حوله، وزعم لنفسه وزعم لهم أنهم حزب سياسي، شديد الأركان، متين البنيان، تستطيع أن تعتمد عليه الوزارات، بل يستطيع أن يعتمد عليه النظام.

عن هؤلاء الناس وعما أصابهم من الهزيمة نريد أن نتحدث اليوم، فهم ما زالوا يزعمون أن لهم وجودًا سياسيًّا، وهم ما زالوا يزعمون أنهم يستطيعون أن يسندوا الوزارة، ويثبتوا النظام، ولعلهم إذا خلوا إلى أنفسهم أو تحدث بعضهم إلى بعض لا يخفون على أنفسهم أنهم ممثلون، لا يمثلون للناس فحسب، وإنما يمثلون لأنفسهم قبل أن يمثلوا للناس.

وقد يكون حظ الرجل من الذكاء والفطنة قويًّا أو ضعيفًا، ولكنه لا يبلغ من الضعف في يوم من الأيام هذا الحد الذي يخيل إليه أنه جاد وهو يلعب، وأنه مخلص وهو ينافق، وأنه صادق وهو يكذب، وهؤلاء الناس الذين بناهم صدقي باشا ليهدموه، وأحياهم ليُميتوه، وآواهم ليطردوه. هؤلاء الناس يعلمون حق العلم أنهم إذا أشرقت عليهم الشمس، وتنفس الصبح عن وجوههم الحسان، اتخذوا لأنفسهم من السياسة ثيابًا، فإذا أقبل الليل واحتوتهم ظلمته المخيفة الرهيبة، خلعوا هذه الثياب، ورأوا أنفسهم كما هي لا تحفل بالسياسة ولا بالساسة، ولا تفكر في السياسة ولا في الساسة، وإنما تحفل بالحياة اليومية التي يجب أن تحتمل، وتفكر في المنافع العاجلة التي يجب أن تُقْضَى.

وهم كذلك يلبسون السياسة مع الصبح، ويخلعونها مع الليل، يتخذون السياسة ليلقوا بها الناس، لا ليلقوا بها أنفسهم؛ فالسياسة عندهم عَرَضٌ من الأعراض، ووسيلة من الوسائل لا أكثر ولا أقل، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا أنبأهم بأن الدستور القديم مُضِرٌّ فصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد نافع فصدَّقوه، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا لو قد بقي في الحكم ثم أنبأهم بأن الدستور القديم خير كله لصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد شر كله لصدقوه، وهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء القائم لو دعاهم إلى حب النظام القديم وبغض النظام الحديث؛ لاستجابوا له مسرعين، ولو دعاهم إلى بغض النظامين جميعًا، وإيثار الحياة في غير دستور؛ لما ترددوا في طاعته والاستماع له.

وهم يعلمون حق العلم، وهم يتحدثون بهذا إذا خلوا إلى أنفسهم، وهم يتحدثون بهذا إذا اجتمعوا بعضهم بعضًا، ولكنهم على ذلك كله يجدون أقلامًا تزعم لهم أنهم حزب، ويجدون ألسنة تذيع عنهم أن لهم مبادئ وآراء. وهم ينعمون بهذه الإذاعة كما ينعمون بكل شيء، وهم يسعدون بهذه الأحاديث كما يسعدون بكل شيء؛ لأن الله قد منحهم من فراغ البال، وسعة الضمير ومرونته ما يرضيهم بكل شيء، ويلهيهم عن كل شيء، ما داموا يظفرون بما تحتاج إليه أجسامهم من هذه اللذات العاجلة الزائلة، ومن إرضاء هذه الحاجات المادية التي تسيطر على بعض النفوس فتنسيها أن وراء المادة شيئًا آخر، وأن وراء الطعام والشراب لذات أخرى تنعم بها النفوس الراقية، وتطمح إليها القلوب الكريمة، وتسعد بها الضمائر الحية، ولا يستطيع أن يعيش بدونها كرام الناس.

لقد كان صدقي باشا منذ أشهر نابغة لم يعرف العالم نابغة مثله في عصر من العصور عند هؤلاء الناس، وكان قوام الحياة السياسية في مصر، وكان قوام النظام الحاضر، وكان منقذ مصر من الفوضى، ومخرجها من الظلمة إلى النور، وكان وجهها الوضيء، وسراجها المضيء.

كان كل هذا، ثم أصبح الآن رجلًا ممتازًا، ولكن لا يمتاز بالنبوغ، بل يمتاز بالقصور، متفوقًا ولكن لا في الخير، بل في الشر، وظهر أنه لم يكن قوام الحياة السياسية، وإنما كان لها مفسدًا، وأنه لم يكن قوام النظام، وإنما كان مُضَيِّعًا، وأنه لم يكن فخرًا لمصر، وإنما كان وصمة لها، وأنه لم يكن هاديًا يقود مصر إلى الرقي والفلاح، وإنما كان مُدمِّرًا يدفع مصر إلى الانحطاط والشقاء، وخلعت كل تلك الصفات الباهرة التي كانت تُمْنَحُ لصدقي باشا على رئيس الوزارة القائمة عبد الفتاح يحيى باشا.

فأصبح هو النابغة الفذ، وأصبح هو قوام السياسة، وركن النظام، وأصبح هو الوجه الوضيء، والسراج المضيء، وأصبح هو رجل مصر الذي لا تستطيع مصر أن تحيا بدونه. وكان رئيس الوزارة القائمة منذ أشهر رجلًا من عامة الناس، لا يمتاز بشيء، ولا يتفوق في شيء، دخل الوزارة فاحتمله الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أدخله الوزارة، وخرج من الوزارة فنسيه الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أخرجه من الوزارة.

وهَبْ الظروف تنكرت لعبد الفتاح يحيى باشا، وستتنكر له من غير شك؛ فسيتنكر الشعبيون له مع الظروف، وهب الظروف ابتسمت لعلام باشا، ورفعته إلى رئاسة الوزارة، فسيتهالك الشعبيون على علام باشا، وسيخلعون عليه من الصفات ما كانوا يخلعون على صدقي باشا أمس، وما يخلعون على عبد الفتاح يحيى باشا اليوم.

وهؤلاء هم الذين ينهضون بأعباء السياسة المصرية، وهؤلاء هم الذين يُرجون لحل المعضلات، وإزالة المشكلات، وهؤلاء هم الذين تعتمد عليهم الوزارة. كلا، إن الوزارة لا تعتمد عليهم، ولا تحفل بهم، وإنما هم الذين يعتمدون على الوزارة، ويعيشون للوزارة وبالوزارة، عاشوا لصدقي باشا وبه منذ أشهر، وهم يعيشون لعبد الفتاح باشا وبه في هذه الأيام.

ولو أتاحت لهم الظروف أن يعيشوا لعلام باشا وبه في يوم من الأيام؛ لكانوا بذلك مغتبطين أشد الاغتباط، مبتهجين أشد الابتهاج، هم لا يعيشون لأنفسهم، وهم لا يعيشون بأنفسهم، وإنما هم أتباع كل ناعق، وأنصار كل مستنصر، والسامعون لكل من أمر، والمستجيبون لكل دعاء.

كلا، لم يعتمد عليهم صدقي باشا في يوم من الأيام، وإنما غَشَّ بهم نفسه، وخدع بهم الناس، وخَيَّلَ إليهم أنهم أنصاره وشيعته؛ فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، ثم جاء عبد الفتاح يحيى باشا، فبَيَّنَ لهم أن صدقي باشا كان خادعًا أو مخدوعًا، وأنهم لم يُخْلَقُوا لصدقي، وإنما خُلِقُوا لعبد الفتاح، فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، وإلا فحدثني كيف يستطيع هؤلاء الناس أن يخلعوا صدقي باشا، وقد كانوا لا يؤمنون إلا به، وأن يثبتوا عبد الفتاح باشا، وقد كانوا لا يثورون إلا عليه.

كيف استطاع هؤلاء الناس أن يدينوا بالطاعة لرئيس الوزارة القائمة، وهم الذين أمطروا رئيس الوزارة القائمة منذ أيام وابلًا من الأسئلة يتهمون فيها وزارته بإفساد الحياة النيابية، والاعتداء على ضمائر النواب، وإهمال المصالح العامة، وإيثار المصالح الخاصة، كيف استطاع هؤلاء الناس أن ينسوا هذه الأسئلة، ويستكينوا للوزارة التي كانوا يلومونها فيسرفون في لومها، ويتهمونها فيتجاوزون معها القصد في الاتهام، مع أن الوزارة لم تحفل لهم بسؤال، ولم تدفع عن نفسها تهمة من هذه التهم التي وجهوها إليها؟

فكيف غَيَّرُوا رأيهم؟ وكيف اقتنعوا بأنها وزارة العدل والإنصاف، ووزارة البر ورعاية المصالح، ووزارة النزاهة والنقاء، في السر والجهر؟ إنما غيروا رأيهم لأنهم وجدوا من الخير أن يغيروه؛ إنما اقتنعوا لأنهم لم يجدوا بدًّا من الاقتناع. هؤلاء الناس سعداء بأنفسهم راضون عنها، يفاخرون بها ويكاثرون، ولكن الغريب أن يطمئن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى إلى أمثال هؤلاء الناس، وأن يظن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى أنه انتصر على خصمه حين غلبه على هؤلاء الناس.

وأغرب من هذا أن يتصل التمثيل، ويستمر اللعب، ويصدق غير المصريين أن لهؤلاء الناس شأنًا في السياسة المصرية، أو أثرًا في تصريف الأمور، وأشد غرابة من هذا وذاك أن يُعْنَى بعض الناس بما يكون بين هذه الجماعات من الخلاف والخصومة حول بعض المناصب والأعمال، كما يُعنون بالجد من الأمر، مع أن الأمر لا يعدو أن يكون دعابة كله، منذ ابتدأ إلى أن ينتهي في وقت قريب، دعابة لا أكثر ولا أقل، ولكن فيها من المرارة ما يُمَزِّقُ القلوب ويملؤها لوعة وأَسًى؛ لأنها أضاعت على مصر من حياتها أعوامًا، فَوَّتَتْ على مصر كثيرًا من المنافع والحقوق.

ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تلهو دون أن تدفع للهوها ثمنًا؟ ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تسلك طريقها إلى الحرية والاستقلال، وإلى الرقي وارتفاع الشأن، دون أن تتعثر في هذه الطريق بأمثال صدقي باشا، ومَنْ يلوذ به وبهم من النفعيين والوصوليين؟

لم ينهزم صدقي باشا وحده، ولو أن صدقي باشا وحده هو الذي انهزم لما حفل به أحد، وإنما القيمة الصحيحة لهزيمته هي أنها هزيمة عامة تتجاوز شخصه إلى سياسته كلها، سواء أكان هو المنفذ لهذه السياسة أم كان المنفذ لها رجلًا آخر مهما يكن. والقيمة الصحيحة لهذه الهزيمة هي أنها جاءت من أن هذه السياسة لم تعتمد على ما ينبغي أن تعتمد عليه السياسة الصالحة للبقاء، التي تستطيع أن تطمع في الفوز، وتظفر به، وتمتنع على الخيبة والخذلان؛ وهو حب الأمة وتأييدها وإيمانها.

هذه السياسة التي أقامها صدقي باشا بعيدًا كل البعد عن حب المصريين وتأييدهم وإيمانهم، كانت قائمة في الهواء، معرضة بأن تعصف بها الريح في كل لحظة. وقد عصفت بها الريح، فهَوَتْ بصدقي باشا إلى الحضيض، وأظهرت من أسرار أصحابه ومواطن الضعف فيهم ما لا يستطيعون بعده أن يثبتوا لأول عاصفة تأتيهم من أي ناحية من النواحي، وإن هبوب هذه العاصفة غير بعيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.