بُوغِتت الدول بفتنة الإسكندرية مباغتة، ولم يكن وقوع هذه الفتنة بحسبان أحد، فلما انعقد مجلس نواب فرنسا في ١٢ يونيو سُئل المسيو فرسينه رئيس الوزارة عن الفتنة في مجلس النواب وفي مجلس الشيوخ، فوصف الفتنة بأنها «حادثة من تلك الحوادث التي تقع عرضًا كما يقع أحيانًا في مدن الموانئ؛ حيث تجتمع طوائف من جنسيات مختلفة.» ثم شبَّه فتنة الإسكندرية بما وقع في مرسيليا قبل ذلك بسنة بين الفَعَلَة الطليان والفرنساويين؛ وذلك أنه في ١٧ يونيو ١٨٨١ وصل إلى مرسيليا فريقٌ من الجيش الفرنساوي الذي كان في تونس، فأخذ الفَعَلَة الطليان يقابلون الجيش بالصفير، فغضب الفَعَلَة الفرنساويون لجيشهم واقتتلوا مع الطليان، وذاع الخبر ففرَّ كثير من الفَعَلَة الطليان إلى ما وراء الحدود الفرنساوية.

ثم وعد المسيو فرسينه المجلسين «بأنه سيتذرع بالوسائل الكافلة حياة الفرنساويين وكرامة فرنسا».

وسُئِل السير شارل ديلك وكيل الخارجية في مجلس العموم الإنكليزي في اليوم ذاته عن تلك الفتنة، فقال: «إنه ليس لها أية أهمية سياسية.» وبينما كان يُلقَى هذا القول في مجلس العموم، كان الأميرال سيمور قد تلقَّى الإمدادَ حتى صار أسطوله في ١٥ يونيو مؤلَّفًا من ستِّ مدرعات وثلاث مدفعيات وثلاثة زوارق ومدفعية وثلاثة آلاف و٦٠٠ جندي، وكانت بقية أسطول البحر المتوسط على مقربة من سواحل مصر، وكانوا ينتظرون وصولَ أسطول المانش إلى مالطة، ولكن الأوامر التي تلقَّاها الأميرال سيمور من حكومته كانت تقضي عليه بألا يتدخَّل في الأمر إلا في حالة الخطر الشديد على الأجانب، وهكذا قضَتْ فرنسا وإنكلترا على قنصلَيْهما أن يقفَا موقف جمود الفرنساويين كان لإضاعة كل حركة حيوية، وسكون الإنكليز كان للتحفز والوثب.

وكان السير مالت قد اقترح على حكومته أحد أمرين: أولهما دعوة مجلس شورى النوَّاب للانعقاد ووضع الدستور، والثاني إبعاد الخديوي وعرابي، أحدهما بعد الآخَر إلى الآستانة؛ فأبَى اللورد غرنفل الموافقةَ على شيء من ذلك.

ولما تألَّفَتْ وزارة راغب باشا سلَّم اللورد غرنفل بتأليفها «كمسكن موقوت لمعالجة الحالة»، وأبلغ ذلك بالاتفاق مع فرسينه للوزارة الألمانية، وأصدر معه الأوامر إلى قنصلَيْهما بمصر بأن يكونَا متحفظَيْن، وألَّا تكون لهما من علاقة إلا مع رئيس الوزارة، وأن تكون هذه العلاقة محصورة فيما يتعلَّق برعاياهما والراحة العامة، وأصدَرَا الأوامرَ إلى المراقبَيْن الماليَّيْن بألَّا يحضرَا جلساتِ مجلس النظار، وأن يؤدِّيَا مهمتهما بأقل ما يمكن من الظهور.

وبعد هذا كله أخذ اللورد غرنفل يُعرِب عن يأسه من سياسة تركيا، بعد أن ملأ آذان العالم بهذا اليأس وبعد معدات التدخُّل في مصر. وكان أولَ إعلان للعالم عن قُرْبِ هذا التدخُّل سفرُ السير مالت قنصل إنكلترا الجنرال في مصر؛ فإن هذا القنصل ادَّعَى أنه أُصِيب بالمرض فجأةً، وأن هذا المرض هو «الحمى الخبيثة» — والحمى الخبيثة تقتل المريض بها في ليلة واحدة — ولقد قال لأحد محدِّثِيه: «إني آسف كلَّ الأسف لمبارحتي مركزي في الساعة التي وصلَتْ فيها الرواية التي شهدت فصولها جميعًا إلى انحلال العقدة، وأنا لا أشك بأنهم سوف يعزون مرضي إلى أسباب سياسية.»

والحقيقة أن جميع الذين كتبوا عن الثورة العرابية لم يصدِّقوا أن السير مالت كان مريضًا، وأن المرض أكرهه على السفر، بل هم جميعًا على اتفاقٍ تامٍّ بأن مرضه كان مرضًا سياسيًّا، ولم يختلف في ذلك اثنان.

سافَرَ السير مالت في ٢٧ يونيو إلى برندزي، وقام المستر كارتوريت مقامه، وهو سكرتير سفارة وصفه المستر بلنت بأنه كان آلة بيدِ السير كولفن المراقب المالي.

أما قنصل فرنسا سانكيوكز، فإنه كان واثقًا من قُرْب التدخُّل العسكري بشئون مصر، كما كان واثقًا من نفور حكومته من الاشتراك بهذا التدخُّل، فلم يَرَ أن يكون شريكًا في هذا الخطأ السياسي الفظيع، فطلب من حكومته استدعاءه، وأراد المسيو فرسينه التخفيفَ من وَقْع استدعاء القنصل الجنرال، فأعلن أن ذلك عمل موقوت، وأنه لا يدل على أيِّ تغيير في السياسة، وسأل البرلمان ألَّا يُكثِر عليه من الأسئلة عن مصر، وأن يعفيه من الرد عليها، واختار لإدارة قونصلاتو مصر المسيو دومه لافورج، وقد كان عائدًا من جمهورية البيرو، وهو لا يدري عن أحوال الشرق شيئًا، فهو اختير لمنصبٍ كثيرِ المشاغل والمشاكل لا يعرفه، ولا يعرف شيئًا من شئونه، وذلك في ساعة اشتداد الأمر ووصوله إلى حدِّ النهاية كما قال السير مالت.

***

لم يكن الأوروبيون براضين عن أعمال لجنة التحقيق عن فتنة ١١ يونيو؛ لأنهم كانوا يتهمونها بالتحيُّز لما عرفوه من تعليمات عرابي الصادرة إليها، وأنها ألقَتْ في السجون المئاتِ من الوطنيين، ولكنها لم تقبض على أحدٍ من العساكر المستحفظين الذين كانوا يقتلون مَن يلجئون إليهم، ولا على أحدٍ من عساكر البوليس، وأُبقِيَ سيد قنديل حكمدارًا للبوليس، بينما عمر لطفي المحافظ عُزِل وحلَّ محله ذو الفقار باشا. ولم يكن بالإمكان حمل الوطنيين على الشهادة الصحيحة؛ لأن الذين كانوا يُدْلُون على قاتل أو على محرِّض أو ناهِب كانوا يضطرون إلى الفرار من وجه الجمهور، كما وقع لحيدر باشا الذي كان عضوًا في وزارة شريف باشا، فإنه شهد ضد رجال البوليس، فاضطر إلى مغادرة الإسكندرية إلى القاهرة؛ لأنه تعذَّر عليه بعد الشهادة أن يقيم فيها، وقد ذكر ذلك القائمُ بأعمال قونصلاتو إنكلترا في مصر برسالةٍ إلى اللورد غرنفل.

وانتهى الحال بقطع كل صلة بين القناصل ولجنة التحقيق لهذه الأسباب، ولسبب آخَر لا تخفى أهميته، وهو أن اللجنة أبَتْ في ٢٤ يونيو أن تفتِّش أو تدخل منزل أي شخص من المستحفظين والبوليس، أو سواهم من الأهالي المتهمين بالنهب، إلا إذا هي فعلَتْ مثل ذلك في منازل الأوروبيين، فلما عُرِض الأمر على قنصل إنكلترا أمَرَ ممثِّله الأفوكاتو كيث غروجان بالانسحاب من اللجنة، وبالانقطاع عن حضور جلساتها، وفعل مثل ذلك قنصل فرنسا، ولكنه انتظَرَ إلى أن يتمَّ أخذُ أقوال بعض الجرحى.

وكانت حجتهم في هذا الامتناع أنه يحط من هيبتهم ومن مقام الأجانب في نظر العامة من الشعب، ويزيد في حرج الموقف.

ورأى راغب باشا أن يتلافى ما يكون لذلك من الأثر السيِّئ، فبادَرَ إلى تأليف لجنة مختلطة، وهذه اللجنة المختلطة كان قد أشير إليها في برنامج الوزارة، فعرض راغب باشا على قنصل إيطاليا — وهو أقدم القناصل عهدًا — برنامجَ اللجنة المختلطة، وطلب منه أن يعرضه على زملائه وأن ينال موافقتهم، وكان دي مارتينو صديقَ راغب باشا الصدوق، وهو الذي ساعَدَ على ارتقائه، وكانت إيطاليا والطليان يُظهِرون العطفَ الصادق على الوطنيين.

فاتفق هذا القنصل مع القناصل الآخَرين على اتخاذ القرار الآتي، وهو أن فتنة الإسكندرية كانت مدبَّرة من قبلُ، وعلى أن المستحفظين وعساكر البوليس ورجال الحكم كانوا السفَّاحين القَتَلَة، وأن التهييج والتحريض لا يزالان مستمرين، وأن الحكومة المصرية لا تستطيع الآن أن تأخذ المجرمين بالشدة دون أن تستثير اضطرابات جديدة؛ فلهذه الأسباب كلها يرفض القناصل السياسيون الاشتراكَ بأي تحقيق، وهم ينصحون رئيسَ الوزارة بأن يستخدم لهذا الغرض لجنةً من الوطنيين لغرض واحد، وهو عدم إخفاء آثار الجرائم، وأن يُؤجَّل الاتفاق معهم إلى وقتٍ آخَر أقل صعوبةً، ويكون بالإمكان أن تُجرى فيه العدالة دون أي تحيُّز.

عدَّ الأجانب ودولهم هذا المسلكَ حكيمًا؛ لأن عرابي كان يجهر بالوعيد والتهديد، فقال لمحرر جريدة الكليرون (النفير) إن مواطنيه يشهرون الحرب الدينية والجهاد، ولا يخضعون، وإنهم يوقدون بذلك نارًا تحرق العالم كله. وقال لمراسل الدالي تلغراف إنه لن يغادر مصر، وإنه يطلب عزل السير مالت الذي يُعَدُّ أول مسئول عن المصائب. وقال لمراسل الستاندرد: «إن الإنكليز مخدوعون، فنحن المصريين أصلب عودًا وأمتن قوةً وأصلب مراسًا من الأفغان والزولو والأشانتي، ونحن على أتمِّ استعدادٍ لمنازلة قوة إنكلترا التي ننظر إليها وكأنها عدوتنا الوحيدة.»

وزعم جبريل شارم العضو الفرنساوي بصندوق الدين أن عرابي كان محوطًا بجماعة من بقايا الثورة الفرنساوية، ولكنه لم يسمِّهم، والمعروف منهم مويار الذي اخترع الطيران — وقد أُقِيم تمثاله في الهليوبوليس — وقد قيل إنه عرض على عرابي توربيلًا لينسفَ الأسطول الإنجليزي؛ ثم لاندوسكي أحد ضباط الثورة الفرنساوية، وكان يُسمَّى مارسل، ثم فوكلين أحد موظفي قلم المطبوعات، وكانت مهمته الرد على الصحف عدوَّة العرابيين.

وقد وجدوا بين أوراق عرابي كتابًا من فرنساوي آخَر اسمه فوازين بك مفتش الوابورات الخديوية، يصفه فيه «بالوطني المخلص والمدافِع عن الحرية»، ويقول له في هذا الكتاب إن الأسطول الفرنساوي جاء إلى المياه المصرية لغرض واحد، وهو رقابة الأسطول الإنكليزي لا لمهاجمة مصر.

وكان عرابي يزدري بقوة إنكلترا الحربية، ويقول إنه سيمزِّقها في داخل البلاد، ثم يُلقِي بها إلى البحر، كما نقلَتْ يومئذٍ عنه جريدة الطان الفرنساوية. والحقيقة أنه كان يأمل تفادي الدول عن القتال، فكان يحاول تخويفها بإظهار نتائج ذلك القتال إذا نشب؛ لأنه لم يكن بإمكانه التقهقر كما قال إخوانه وعارفوه. وقد نشرت التيمس كتابًا منه في أواخر يونيو جاء فيه قوله: «فَلْتثق إنكلترا أنه عند إلقاء أول قنبلة يُطلِقها الإنكليز على مصر تمزق كل المعاهدات، ويلغي المصريون كل الاتفاقات ويبطلون الرقابة، وتصير أملاك الأوروبيين ملكًا للحكومة، وتُردَم الترع، وتُقطَع المواصلات، وتُشهر الحرب الدينية في بلاد العرب وسوريا والهند.»

ولكن عرابي أنكر بعد ذلك هذا الكتاب، إلا أن المستر بلنت روى أنه أملاه على رسوله لويس الصابونجي، والمستر بلنت هو الذي نشره في جريدة التيمس.

كانت حركة الأسطول الإنكليزي وتعزيزه تزيدان في يأس الأهالي، وكانت الحالة تزداد خطورةً رغم البيانات الرسمية، واستأجرت البنوكة مراكبَ خصوصيةً نقلت إليها إداراتها وخزانتها، وطلب الخديوي من السفن الراسية في المياه المصرية ألَّا تطلق مدافعها يوم عيد جلوسه.

أرسل السلطان عبد الحميد تلغرافًا في ٢٠ يونيو بإرسال عرابي إلى الآستانة، وكان الخديوي ينوي إرسال هذا التلغراف لعرابي مع أمره بالسفر إطاعةً للخليفة، ولكن درويش باشا رأى أن ذلك لا يكون من ورائه إلا ضياع ما بقي للخليفة من الهيبة، فوكَّل إلى الشيخ أحمد أسعد أن يتوصَّل إلى إقناع عرابي بالسفر إلى الآستانة بالطرق اللينة، ولكن عرابي لم يَثِقْ بالتُّرك رغم الإنعام عليه بالمجيدي الثاني. ولكي يخفي التُّرك نيتهم أمام الأوروبيين من إرسال ذلك النيشان إلى عرابي، أهدَوْا إلى الخديوي قلادةً من الألماس، وأهدَوْا النياشين إلى ثلاثة وثلاثين شخصًا من جميع الأحزاب، وقال الموسيو لاكروا في مجلس نوَّاب فرنسا: إن الإنعام على عرابي كان منتظرًا، ولم يُدهَش أحدٌ لوقوعه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.