تلقيت تعليقين على مقالي السابق في الرسالة حول مناقشة الأستاذ نقولا الحداد في مسألة العقل والدماغ.

أول هذين التعليقين ينبهني إلى مسائل أخرى في مقال الأستاذ الحداد لم أتناولها بالرد، وهي كثيرة لا تنحصر في أصل العقل وعلاقته بالدماغ.

والتعليق الثاني يشير إلى قولي في ذلك المقال: «المعقول أن الإنسان تكلم لأنه فكر، وليس بمعقول أنه يفكر لأنه يتكلم»، ويسألني مزيدًا من الإيضاح لرأي السلوكيين في هذا الموضوع.

***

أما أنني تناولت مسألة العقل دون غيرها من المسائل التي تضمنها مقال الأستاذ الحداد في عدد «المقتطف» الأخير فذلك صحيح؛ وسببه أنني أردت التمثيل بطريقة الأستاذ الحداد في التفكير، ولم أرد أن أتعقبه في كل فكرة وكل دليل …

فالأستاذ الحداد رجل فاضل مطلع على الآراء العلمية، محب للبحث على الطريقة التي يسميها بالطريقة التجريبية، ولكنني أحسبه — من كلامه — لم يشغل نفسه كثيرًا بالمباحث الفلسفية، ولم يُعود عقله أن يعطيها حقها من التقدير الواجب والتأمل الطويل. ولا يُعاب الأستاذ على ذلك لأن الناس جميعًا لم يخلقوا لمباحث الفلسفة ودراساتها، بل حسب العارف من المعرفة ما تهيأ له وجنح إليه بطبعه واستعداده. وإنما يؤخذ عليه أن يقدح في معرفة لم يملك أسباب الحكم عليها، وأن يتصدى لرأي من الآراء بغير عدته التي تعينه على نقده وتمحيصه.

ولا نريد في هذا المقال أن نتعقب كل ما كتبه الأستاذ الحداد في مقاله بالمقتطف، فربما أغنانا عن ذلك زيادة مثلٍ آخر على انفراج الشقة بين طريقته الفكرية وبين الموضوعات التي يتصدى لها بغير عدتها.

فالأستاذ يستغرب مثلًا قولنا: «إن الموجود غير معدوم»، ويتساءل: «أي معنى تفيده عبارة «غير معدوم» زيادة على الموجود؟ أليست عبارة «غير معدوم» مرادفة لكلمة الموجود لا مفسرة لها؟ بل أليست كلمة «موجود» أوضح من عبارة «غير المعدوم»؟ …»

فلو أن الأستاذ الحداد كلف نفسه أن يراجع تعريفًا واحدًا من التعريفات المصطلح عليها لاستغنى عن هذه الأسئلة وأعادها إلى نفسه ليعلم أنها لا تبطل شيئًا مما أراد إبطاله.

فتعريف الجزيرة مثلًا هو أنها قطعة من الأرض يحيط بها الماء من جميع الجهات. فماذا نفهم من قطعة الأرض التي يحيط بها الماء إلا أنها الجزيرة؟

وتعريف الخط المستيقيم مثلًا هو أنه أقرب موصل بين نقطتين. فماذا نفهم من أقرب موصل بين نقطتين إلا أنه الخط المستقيم؟ هل تطالبني بإفهامك ما هي النقطة قبل أن تسلم بالموصل بين النقطتين؟ هل تطالبني بتعريف الجهات حول الدائرة أو حول المثلث أو حول المربع أو حول المستطيل إذا كانت الجزيرة على شكل من هذه الأشكال؟

كل ما يطلب من التعريف أنه ينفي الالتباس ويحصر الصفة. فإذا قلت لي ما هي مزية وصفك الموجود بغير المعدوم؟ فهذه المزية هي أننا نُخرج من هنا «غير المحسوس» و«غير المفهوم» و«غير المدرك» و«غير المعلوم»، فلا ننفي وجود شيء لأننا لا نحسه أو لا نفهمه أو لا ندركه أو لا نعمله. ويصبح الموجود بذلك أعم وأكبر من أن يلتبس بالمحسوسات والمدركات والمفهومات والمعلومات.

ولو أن الأستاذ أحسن تطبيق هذا التعريف لما استطاع أن يقول إن المكان «هو العدم المطلق» كما قال في ذلك المقام.

فعلى طريقتنا نحن نقول إن المكان موجود لأنه غير معدوم. ونقيم الدليل على أنه غير معدوم بأنه يُقاس ويحتوي الموجود. والعدم لا يُقاس ولا يحتوي الموجودات. فلا يسعك أن تقول إن مترًا مكعبًا من العدم أكبر من قدم مكعبة من العدم. ولا يسعك أن تقول إن العدم المطلق يحتوي جميع الموجودات.

ولقد رأينا عقلًا من أكبر العقول البشرية — كعقل أينشتين — يكاد يفسر الموجودات كلها بهذا الفضاء الذي يحسبه الأستاذ الحداد مطلقًا لا يوصف بمجرد الوجود.

فقد قال أينشتين إن كل وصف للأثير يمكن أن ينطبق تمام الانطباق على الفضاء. ومن ثم تلك الصيغة المشهورة عن المادة الفضائية Space Substance وعنى بها أن الفضاء جوهر، وقد يكون مصدر جميع الموجودات. فأين مصدر جميع الموجودات من العدم المطلق في رأي الأستاذ الحداد؟

إذا كان رجحان الفكرة إنما يظهر لنا بمقدار ما تفسره من الأشياء التي لا تقبل التفسير بغيرها، فالقول بأن الفضاء مصدر جميع الموجودات يفسر لنا أمورًا كثيرة لا نستطيع أن نفسرها الآن، ومنها أن الأفلاك وما فيها من المادة نشأت من السدم الملتهبة … فمن أين جاءت السدم الملتهبة بالحرارة؟ هل جاءت بها منها أو من خارجها؟ فإذا كانت قد جاءت بها منها فقد فسرنا الماء بالماء. وإذا كان الفضاء هو مصدر كل حرارة فليس هو بالعدم المطلق كما يقول الأستاذ الحداد.

وهكذا يجهل الأستاذ الحداد معنى «غير المعدوم» فينتهي به الأمر إلى وصف أثبت الموجودات — أو مصدر الموجودات على هذا التقدير — بأنه العدم المطلق الذي لا يتصور له وجود …!

إن إظهار الخطأ في مقياس التفكير عند الأستاذ الحداد يغنينا عن متابعة كل اعتراض يعترض به على وجه التفصيل. فذلك عناء يطول كما يطول كل نقاش بين طرفين يجري على غير قياس.

ولعل هذا التمثيل قد أغنانا عن التفصيل والتطويل.

***

أما قولنا إن الإنسان يتكلم لأنه يفكر، فمرجعه عندنا إلى الحقيقة المشاهدة في التفكير والكلام.

فالحقيقة المشاهدة أن الإنسان قد يجد الفكرة ولا يجد لها كلامًا. ولو كان الكلام هو مصدر التفكير لما وُجد الفكر إلا حيث يوجد الكلام.

والحقيقة المشاهدة أننا نجد عقولًا رياضية وعقولًا فنية وعقولًا علمية وعقولًا فلسفية، وليس اختلافها في التفكير متوقفًا على اختلافها في الكلام.

والحقيقة المشاهدة أن الكلام قد يضيق بأفكارنا فنلجأ إلى التعبير عنها بالرموز أو بتشبيهات المجاز أو بالأنغام والألحان، ولو كان هو الأصل في تفكيرنا لما جاشت أنفسنا بفكرة واحدة لم تخلق لها قبل ذلك كلمة أو كلمات.

***

والحقيقة المشاهدة أن كثيرًا من المعاني العقلية ليست مما يتمثل للحس ويتسمى بالأسماء، ومنها الأقيسة والمقارنات.

ومذهب السلوكيين ينقض نفسه بنفسه في تعليل التفكير بالقدرة على الكلام. فإنهم يزعمون أن الإنسان لم ينفرد بالسلوك أو بتفاعل الغرائز الجسدية التي تجري مجرى التصرف والتفكير. ولكنهم لا يذكرون لنا لغة للحيوان تصدر منها أفكاره أو تصرفاته، ولا مناص لهم من ذلك إن صح عندهم أن كل تفكير فمصدره لا محالة من الكلام.

وقد ناقش العالم النفساني الكبير وودورث Woodworth هذا المذهب فساق من الأدلة على بطلانه أن الإنسان قد يقرأ قصيدة طويلة وهو يفكر — أثناء قراءتها — في شيء آخر. وليس ذلك بممكن لو كانت مسألة التفكير مسألة «عضلية» تتحرك فيها العضلات حين تحركها الكلمات.

وفي كتب هذا العلَّامة، وكتب وليام مكدوجال Mc Dougall على الخصوص، إشباع وافٍ للبحث في مذهب السلوكيين عن التفكير، يرجع إليه من أراد التوسع في هذا الموضوع.

ونوشك أن نقول إن تعليل التفكير بالكلام قد يكون تعليلًا كافيًا لأفكار السلوكيين ومن جرى مجراهم، ولكنه غير كاف لتعليل كل ضرب من ضروب الأفكار …!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.