انتهت معركة ١١ يوليو على ما مرَّ بك، وأراد الإنكليز أن تكون المعركة في ذلك اليوم تَذكارًا ليوم مذبحة الإسكندرية في ١١ يونيو. ولما كشفوا عن القلاع في صباح اليوم التالي وجدوا — على ما قال شايه لونغ — في خطوط رأس التين نحو ٢٠ جثة من جثث الجنود، وقد رُبطت أيديهم إلى أقفيتهم ولم يُعرف السبب، ولعلهم كانوا من المدنيين. ولكن الإنكليز زعموا — والزعم خطأ — أنهم أُكرهوا على القتال، وأن الضباط أوقفوا وراء الطوبجية الرماة ليرموا بالرصاص كل من يمتنع عن الضرب أو يفر. وصاحب الرواية عن وجود الجثث هو موظف في جيش مصر، قال: إن مسلك الجنود المصرية كان مسلكًا شريفًا، وأظهر الطوبجية البسالة والإقدام، ولكن الضباط لم يستطيعوا أن ينتفعوا بكل ما يمكن الانتفاع به من الوسائل القليلة بين أيديهم، فلم يطلقوا على السفن الإنكليزية سوى الكرات الملساء، مع أنه كانت عندهم قنابل التمزيق التي توجه إلى المدرعات فتخترق دروعها، وأهملوا أيضًا طوربيل القاع فلم يستعملوه، وكذلك طوربيل سطح الماء. مع أن الإنكليز قالوا عندما تسلَّموا القلاع والطوابي، إنهم وجدوا في طوابي المكس ٨٧ طوربيلًا للعمق، وفي كل طوربيل ما زنته ٢٢٥ ليبرة من القطن المكبرت، ومثل هذا العدد وقد حُشي بالمادة ذاتها، و٥٠٠ قنبلة عائمة فيها ٤٥ كيلو غرامًا.

أما عرابي وأما الضباط الكبار، فإنهم اجتمعوا في طابية كوم الدكة وهي في وسط المدينة، ولما سقطت بالقرب من هذه الطابية إحدى القنابل الطائشة عزوا نزولها إلى إشارة صادرة من الأجانب الساكنين هناك إلى الأسطول. فأمر عرابي باتخاذ أشد الوسائل ضد سكان تلك المنازل، فذهب الجند إليها، وأبى المستشفى الأوروبي فتح أبوابه لهم، لكنه أنزل العلَم وأخذ الجند اثنين من الآباء اليسوعيين واثنين من خدمهم وضمهم إلى نحو خمسين أوروبيًّا كان قد جمعهم ولم ينجُ منهم سوى ثلاثين شخصًا. وأُطلقت المدافع على بعض المنازل المشتبه بها، فأضرت واحدة منها بدير العازارية، والشبهة في الحروب تقوم عند القُواد مقام اليقين.

واهتمت نظارة الجهادية بإرسال بيانات الفوز إلى الجهات لتقوية العزائم، وأُبلغ الخديوي وهو في سراياه بالرمل أن سبع مدرعات أُغرقت كما جاء في مذكرات تيغران باشا وكيل الخارجية. وأُرسلت إلى القاهرة أخبار أخرى نشرتها جريدة الطائف بعبارة هذا نصها: «في الساعة العاشرة جنحت دارعة تجاه أطنة، وعند الظهر أُغرق مركبان بين طابية فاروس وطابية العجمي، وفي الساعة الواحدة غرقت بارجة خشبية عليها ثمانية مدافع، وفي الساعة الخامسة أصيبت الدارعة الكبرى بقنبلة من طابية فاروس، وتعطلت بطاريتها، فرفعت العلَم الأبيض إشارة إلى طلب عدم الضرب؛ لذلك أُوقف الضرب الذي دام من الساعة السابعة صباحًا ودُك بعض جدران طوابينا ولكنها أُصلحت في الليل.»

والذي يؤخذ من شهادة عمر رحمي والكولونل إبراهيم فوزي أمام المجلس العسكري، أن الضباط اجتمعوا بعد المعركة في منزل راغب باشا، وقد ذهبت الغشاوة عن عيونهم، فكانت المناقشة بينهم حادة حتى وصلت إلى التجريح، ولم يتفقوا على شيء. وكان الزبير باشا حاضرًا تلك الجلسة، فوجَّه إليهم الكلام القارص، وانتهى الأمر بأن اتفقوا على إبلاغ الخديوي خبر الانكسار. ثم انعقد مجلسهم ثانيةً في قصر الخديوي بالرمل، وحضر مجلسهم درويش باشا، فاتفقت الآراء على أن مقاومة الأسطول أمر مستحيل. وفي رواية قنصل أميركا عن هذا الاجتماع أن عرابي قال: «نحن الآن بين أمرين: فإما أن نعمد إلى وسائل جديدة، وإما أن نسعى لنصل إلى اتفاق مع الأميرال.» وفي النهاية قالوا جميعًا: إذا استأنف الأسطول الضرب غدًا نرفع العلَم الأبيض ويذهب طلبة عصمت للمفاوضة مع الأميرال سيمور.

ولما خرجوا من القصر الخديوي ذهبوا للاجتماع بمحمود سامي الذي وصل من القاهرة مع عبد الله النديم.

أما طلبة فإنه غاب نحو ساعة، ثم عاد إلى الخديوي وأخبره أن الأميرال سيمور يطلب أن تحتل جنوده ثلاث قلاع من أكبر قلاع المدينة، وإلا فإنه يستأنف الضرب غدًا، قال: وسألته المهلة حتى نتداول بالأمر فأبى. فأعاد الخديوي المجلس إلى الانعقاد، وكان معه في السراي عثمان باشا وإسماعيل كامل باشا وفريدريكو بك وتيغران بك وسواهم، فتقرر «أنه لا يجوز للخديوية المصرية السماح بحضور جنود أجنبية أن تنزل في قلاعها وحصونها بغير إذن من الباب العالي، ثم كتبوا بذلك محضرًا وانصرفوا.»

أما عرابي — كما يؤخذ من شهادة محمود صبحي وخليل كامل وعلي راغب — فإنه ذهب إلى باب رشيد؛ حيث اجتمع بسليمان سامي وطلبة وضابطين آخرين. وفي صباح اليوم الثاني استأنفوا اجتماعهم في غرفة عرابي، ولم يُعرف بالتدقيق هل هم اتفقوا على إحراق الإسكندرية مع سليمان سامي الذي أمر بالنهب والإحراق، أم أن سليمان سامي فعل ذلك من تلقاء نفسه؟ ولكن عبد الحليم عاصم وإبراهيم فوزي وسليمان سامي ذاته يؤكدون خبر الاجتماع فقط، كما أن عرابي لم يحاسب سليمان سامي عن عمله بعد وصوله بآلايه إلى كفر الدوار.

ولما خرج سليمان سامي من اجتماع الصباح ذهب توًّا إلى قشلاق آلايه، وهو الآلاي السادس، وأخرج هذا الآلاي بين عزف الموسيقى ودق الطبول إلى المنشية، وهناك أوقف الآلاي وقفة التابور وخطب في رجاله فقال لهم: «إن المدينة ستُترك للإنكليز، والنظام العسكري يقضي بألا نتركها لهم وفيها شيء يستطيعون استخدامه أو الانتفاع به، فالواجب إذن أن ننهب هذه المدينة قبل أن نحرقها.» فاعترض عليه بعض صغار الضباط اعتراضات ضئيلة، فلم يُصغِ إليهم وأمرهم بالسكوت — كما شهد الضابط فرج يوسف ومحمد نعمة الله وأحمد نجيب — فذهبوا إلى أماكنهم من صفوف الآلاي منتظرين الأوامر بالنهب والإحراق، وهم غاضبون مشمئزون.

أما الأسطول فإنه كان يستعد لاستئناف القتال، وكان الضباب مخيمًا ثم عصفت العاصفة، ووصل الخبر متأخرًا إلى الأميرال بأن بطارية الاسبتالية في خط رأس التين — وهي البطارية التي قاومت الأسطول طوال نهار ١١ يوليو — قد أُصلحت ليلًا فأمر الدارعتين إنفنسيبل والتميرير بالاتجاه إليها وتدميرها.

وفي الساعة ١٠ و٤ ق بدأت الدارعتان بإطلاق نارهما، فرفعت في الحال طابية فاروس وطابية أطنة الأعلام البيضاء، فأرسل ضابط العلَم إلى الميناء على المدفعية بيترن للمفاوضة.

ولما دنا من اليخت المحروسة وجد عليه طلبة عصمت قومندان الموقع، فأبلغه أن الأميرال يطلب أن تُسلَّم إليه قلاع البوغاز، وإلا فإن إطلاق النار يُستأنف بعد ساعة ونصف، ولم يُرِد أن يسمع كلامه بأن يعطي الوقت اللازم للذهاب إلى الرمل حيث يتلقى الأوامر، فأسرع طلبة إلى عرابي فأخبره، ثم تلقى من المجلس القرار بأنهم رجعوا في المسألة إلى الآستانة؛ لأنه لا يحق لمصر تسليم القلاع، وأنهم يطلبون هدنة إلى أن يَرِد جواب السلطان. وكان مع طلبة حين عودته لمقابلة الضابط المفاوض وكيل الخارجية وناظر المالية، فلما وصلوا إلى المينا وجدوا أن الوقت الذي أعطاه الضابط الإنكليزي قد انتهى، وأن هذا الضابط قد انسحب، فأرادوا الوصول إلى دارعة الأميرال، ولكن طلبة نفر من ذلك، واعتبر الأميرال سيمور هذا التأخر رفضًا، فأمر أسطوله بالاستعداد ثانيةً، ووكل إلى الدارعة أشيل التي وصلت في ١١ أن تتولى الضرب مع رفيقاتها.

وفي الساعة الرابعة أطلقت الإنفنسيبل القنبلة الأولى على طوابي المكس، فلم تردَّ عليها الطوابي، ورفعت الأعلام البيضاء، فعادت سفن الأسطول في الساعة السادسة إلى مرساها، ودخل يخت الأميرال هاليكون الميناء ليستأنف المفاوضة، ولكنه لم يجد أحدًا، فعاد يخبر الأميرال بأن المدينة خالية.

وعند الساعة الرابعة رأوا من السفن دخانًا كثيفًا متصاعدًا من جوانب المدينة، فعلَا صياح الأجانب الحاشدين في السفن والمراكب، وكثر صراخهم، وأخذ هذا يوجه النظارة إلى منزله وذاك إلى متجره.

فكيف أُخليت المدينة وكيف أُحرقت؟

ذلك ما نبيِّنه غدًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.