أود أن ألفت حضرات القراء في مطلع هذا المقال إلى ثلاث ملاحظات، وهي:

أولًا: إنني أعني الخطباء الأحياء.

وثانيًا: إنني أعني الخطباء الذين سمعتهم ورأيتهم رأي العين وهم يخطبون، وقد يكون في مصر خطباء غيرهم وأقدر منهم.

وثالثًا: إنني أعني الخطباء، ولا أعني المحاضرين.

ففي مصر من المحاضرين الممتازين نخبة صالحة تفوق الخطباء في العدد، وتتناول المحاضرة في جميع الأغراض.

عندنا مثلًا محاضر من الطراز الأول في المسائل الاقتصادية والسياسية وهو الدكتور أحمد ماهر باشا …

يتكلم خمس ساعات — أو أكثر من خمس ساعات — في موضوع السياسة العامة، ولا يسأمه السامع ولو كان من خصومه.

وتكلم في مشروع الميزانية مرة ثلاث ساعات أو تزيد، فبلغ من حرص السامعين على متابعة كلامه أنهم أمسكوا عن التدخين طوال هذه المدة ليسمعوه.

وقال له علي المنزلاوي بك في أثناء ذلك: يا باشا! اطْلُبْ الاستراحة خمس دقائق.

قال الدكتور: ولكنني لم أتعب.

قال المنزلاوي: ولا نحن تعبنا … ولكنني أريد أن أخرج لأدخن سيجارة، ولا تطاوعني نفسي؛ لأن كَيْفَ الكلام غالب على كَيْفِ الدخان!

وهي قدرة على المحاضرة في المسائل السياسية والاقتصادية تلفت النظر في العصر الحاضر، غير أني أسميها المحاضرة تفرقة بينها وبين الخطابة على إطلاقها، وهما نوعان مختلفان من الكلام.

وعندنا كذلك محاضر من الطراز الأول في المسائل الأدبية والعلمية، وهو الدكتور طه حسين بك.

يرتب مقدماته ونتائجه ترتيبًا يغنيك عن مراجعة الورق وأنت تصغي إليه، ويجمع بين أطراف موضوعه في النهاية جمعًا يخيل إليك أنه ثلاثة أو أربعة من المحاضرين يوزعون الموضوعات بينهم لينتهوا كلهم إلى مكان واحد، ويستطيع السامع أن يدوِّن ما سمع، فإذا هو كلام معد للكتابة أو درس معد للحفظ والاستذكار!

هذه أيضًا قدرة قليلة النظير، ولكنها أحق باسم المحاضر؛ لأن المحاضرة والخطابة — كما أسلفنا — نوعان مختلفان من الكلام.

والفرق بينهما على عجل هو أن المحاضرة معولها الأكبر على الإقناع، وأن الخطابة معولها الأكبر على التأثير.

والخطباء الستة الذين اخترتهم للكتابة عنهم في هذا المقال هم قادرون على التأثير وجديرون باسم الخطباء، وإن كنت قد سمعت بعضهم مقنعين كما سمعتهم مؤثرين.

وهم على ترتيب الحروف الهجائية:

الأستاذ إبراهيم عبد الهادي

أشبه خطباء العصر الحاضر صوتًا وقامة وملامح بالزعيم الأكبر سعد زغلول رحمه الله، ولا سيما بعد أن جلله الشيب وهو في عنفوان الرجولة.

صوته كصوت سعد، قوي ولكنه رفيق على الأسماع.

إيماؤه وهو يتكلم لا يتجاوز حركة الرأس، وقليلًا من حركات اليدين، وهو إيماء مهذب لا اندفاع فيه ولا يزال مملوكًا لصاحبه في أشد مواقف الحماسة، وكذلك كان إيماء سعد زغلول.

إذا فوجيء بالارتجال تكلم، واستطاع أن يرسل كلامه حتى يستجمع أفكاره ويوجهها إلى الغرض المناسب للمقام، وهو في هذه الحالة يحضر الكلام في أثناء الكلام.

وقد قيل: إن الخطباء يصنعون، وإن الشعراء يولدون، ولكنني أعتقد أن الأستاذ إبراهيم عبد الهادي من الخطباء المولودين الذين طبعوا على الخطابة قبل أن يتدربوا عليها؛ لأنك تسمعه في حديثه فكأنك تسمعه في خطابه، مع الاختلاف اليسير الذي يقتضيه اختلاف الصوت والسياق.

وإذا سمعته محاميًا وسمعته خطيبًا في الجموع، وسمعته مناقشًا في دار النيابة سمعت ثلاثة أساليب من الخطابة يزيد فيها جانب الإقناع تارة ويزيد فيها جانب التأثير تارة أخرى، ولكنها أساليب مختلفة لشخصية واحدة يبلغ من حضورها أمامك أنك لا تنساها بين أسلوب وأسلوب.

الأستاذ أحمد والي الجندي

كان حمد الباسل باشا يقول لي: إن لدينا في الفيُّوم جنديًّا تفر منه الجنود في مجال الكلام.

وكنت أحسبها من فكاهاته الظريفة رحمه الله! ولا سيما بعد أن تكررت بيننا المفاخرة الفكاهية بالعروبة ومشيخة العرب، إذ كنت أقول له دائمًا: إنِّي عربي أكثر من عربك؛ لأنني أنوب عن الصحراء كلها وأنت لا تنوب إلا عن ناحية من نواحيها.

ولكنني سمعت جندي الفيوم بعد ذلك فعلمت أن الباشا رحمه الله يَجِدُّ ولا يمزح؛ لأن الأستاذ أحمد والي الجندي ولا ريب خطيب من أقدر خطباء المصريين في العصر الحاضر، ولو لم أسمعه في البرلمان لما عرفت له هذه المنزلة بين خطباء البلاد.

وهو واضح اللفظ، فصيح العبارة، صحيح اللغة، يوقِّع كلامه توقيعًا نحويًّا إذا صح هذا التعبير؛ لأنه ينظم الوصل والفصل في كلامه، بحيث تتوقع الفاعل أو الحال أو التمييز في مكانه ولو طال بك انتظاره، وكذلك يعلو ويهبط بالقول على حسب الإعراب، حتى ليجعل معناه تابعًا لإعرابه في جملة خطبه.

ولم أسمعه في غير الموضوعات البرلمانية والتعليقات السياسية، ولكن الذي يقول في هذه الموضوعات يقول فيما يشبهها ويجري على مجراها، ويسمى بحق جنديًّا من جنود المقال كائنًا ما كان ميدانه الذي تميل إليه.

الأستاذ توفيق دياب

لا يذكر الأستاذ توفيق دياب إلا ذكر معه فن الإلقاء؛ لأنه أول من دعا إليه وبشر به في هذه البلاد.

ولكنهم يخطئون إذا فهموا من هذا أن الخطابة عند الأستاذ توفيق مستمدة من فن الإلقاء.

لأن المرجع في الملكات إلى المزاج والسليقة، ولا شك أن الأستاذ صاحب مزاج خطابي وسليقة حماسية، وهذا الذي يسلكه في زمرة الخطباء ثم تجيء بعده أداة الصنعة وهي فن الإلقاء.

ومن الأدلة على أصالة الملكة الخطابية في الأستاذ توفيق أن الاصطناع إنما يظهر منه حين يتعرض لفتور الجسم أو ضعف الحيوية، فهو في هذه الحالة يصطنع الفن ولا يرجع به إلى السليقة الدافقة.

أما إذا أطاعته حيويته القلبية أو الجسمية فهو إذن حماسي بالفطرة وليس فن الإلقاء إذن إلا أداة من أدواته، وحلية من حلاه.

يصلح في خطابته للوعظ كما يصلح للتحريض والاستنهاض، أي إنه يحرك النفس إلى الخشوع كما يحركها إلى الحمية.

وقد يصلح لغير هذا وذاك، ولكني سمعته — أقدر ما سمعته — وهو مستنهض وواعظ، فعددته بين خطباء السياسة وخطباء الأخلاق.

الأستاذ محمود البسيوني

حسبك أن تراه لتعلم قبل أن تسمعه أنه خطيب بحكم البنية والتركيب.

عريض الصدر، قوي الحنجرة، واسع المنخرين، أداة الكلام والتنفس عنده أتم أداة.

سمعته أول مرة في محكمة أسوان الأهلية، فسمعت خصومه في القضية يثنون عليه ثناء موكليه.

وقال بعض هؤلاء الخصوم على أثر انفضاض الجلسة: هان — والله — علينا أن نقدَّم إلى محكمة الجنايات لو ظفرنا بمرافعة ضدنا مثل هذه المرافعة.

ولم أسمعه بعد ذلك في مثل هذه القوة والبراعة؛ لأنه قلما يعتمد في السياسة على الخطب، وقلما ينطلق إلى أقصى عنانه في القضايا التي لا يحيط بها اهتمام الجمهور.

الأستاذ مكرم عبيد

صاحب «صوت» يلفت الأسماع منذ كان طفلًا في المدرسة الابتدائية.

ومنذ كان طفلًا في المدرسة الابتدائية عرف أنه صاحب صوت، وعرف أن صوته يصلح للخطابة كما يصلح للغناء.

وكثيرًا ما ينم خطابه على الملكة الموسيقية التي يشغل بها بعض الأحيان، فيخيل إليك وهو يعلو ويهبط بالقول أنه يرتفع على السلم الموسيقي من مقام إلى مقام.

ومن عناصر الخطابة فيه أنه خلق للحياة الاجتماعية أو للحياة السياسية، فهو بصوته ومزاجه مخلوق للاتصال بسامعين أو بشيعة ومعجبين.

وله أداة خطابية أخرى لم تكمل لأحد كما كَمُلت له، ولم تنفع أحدًا عندنا في الخطابة كما انتفع بها، ونعني بها ملكة الحفظ السريع والقدرة على استحضار المحفوظ بقليل من التذكير، فقد يكفي تحضير الخطبة وتنقيحها لحفظها وسهولة استحضارها، وربما ساعده على ذلك أنه يذكرها بتوقيعها أو «بتلحينها» الخطابي كما يذكرها بكلماتها ومعانيها.

وتمام هذه الأدوات الخطابية كلها ذكاء ثاقب، وشعور بدخائل النفوس، ومنطق؛ إن فاته الصواب حينًا لم يفته اللمعان والانتظام.

الأستاذ وهيب دوس

لاعب بالكلام كاللاعبين بالسيف في مهارة ورصانة، وضليع في القول ضلاعة يجتمع لها الحَوْلُ والمحاولة ولا يفترقان.

إذا انتهى من موضوعه أحسست أنه غلب موضوعه بقدرته حتى راضه على المطاوعة والانقياد.

وله سلاسة في التعبير لا تشعرك بتعب التحضير، وذلاقة في مخارج حروفه لم يعبها قط مد أو قصر في غير موضعه المأثور عن الفصحاء.

ومهما يطل في مقال فهو لا ينسيك سلسلة أفكاره ولا يخرج بك إلى فضول مملول.

وإذا استعان بعض الخطباء بمدد من فن الإلقاء أو فن التوقيع أو تركيب البنية؛ فالمدد الذي يستعين به الأستاذ وهيب ويعوضه عن كل هذا هو عنايته بتنسيق فكره وتنسيق كلامه على السواء، وامتلاكه لصوته من البداية إلى النهاية على استواء، فلا يخفت حتى يسري الخفوت إلى سامعيه، ولا يرتفع حتى يعييه الصمود على ارتفاعه بعد حين.

***

… ولست أدري — على التحقيق — لِمَ كان الجيل الماضي أوفر من جيلنا الحاضر في عدد الخطباء القوميين بالقياس إلى درجة الحضارة والتعليم، ولكننا نحسب من أسباب ذلك أن المحاكم أنشئت في الجيل الماضي؛ فاشتغل بالمحاماة أصحاب اللسن والفصاحة قبل أن تغلب عليها صبغة الدرس والإحاطة بمباحث القانون، وأن النهضة الوطنية كانت نهضة أفراد لم تشمل الجمهور فاحتاج الدعاة إلى الخطابة لتقريب الجمهور، وأننا اقتدينا في أوائل نهضتنا بأمم أخرى سبقتنا إلى الجهاد الوطني على ألسنة الخطباء قبل انتشار الطباعة، ولولا ذلك لكان لنا اليوم من فحول الخطباء أضعاف من نبغوا منهم بعد الثورة العرابية وبداية الاحتلال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.