أحدثكم عن الصيام من محطة الإذاعة البريطانية، وأرجو للصائمين من حضرات المستمعين رمضانَ مباركًا، وصومًا مقبولًا عند الله، ولا أريد في حديثي هذا أن أعرض للصيام من حيث إنه فريضة فرضها الله على المسلمين، كما فرضها على الذين من قبلهم من أهل الأديان الكتابية الأخرى، فأنتم لا ريب قد سمعتم أو ستسمعون هذا الحديث فيما يذاع عليكم أثناء هذا الشهر من أحاديث رمضان، وإنما أريد أن أحدثكم عن أثر الصيام في حياتنا الفردية وفي الحياة الاجتماعية، وسترون، حين أتم حديثي إليكم، أن المبادئ التي بنيت عليها فريضة الصيام في الإسلام هي بعينها المبادئ التي بنيت عليها الفرائض الأخرى في الدين الإسلامي الحنيف.

وأول أثر للصيام في حياتنا الفردية أنه يخرج بكل واحد منا على مألوف حياته في أشهر الإفطار، ويحررنا بذلك من الرق للعادات اليومية التي نخضع لها طوعًا أو كرهًا، ويقوي بذلك إرادتنا وسلطاننا على أنفسنا؛ فالناس جميعًا في كل أمة وعصر عبيد عاداتهم اليومية؛ هم يتناولون كل يوم ألوانًا بذاتها من الطعام في أوقات معينة من الليل والنهار، وكثيرًا ما تستعبدهم عادات لا فكاك لهم منها كشرب القهوة أو التدخين أو غير ذلك مما ألفوا، وما اعتبروه يومًا ما متاعًا لهم، ثم تسلط عليهم وأصبح من العادات التي يحاولون التخلص منها، فلا يجدون إلى هذا التخلص سبيلًا، فإذا جاء شهر الصوم وصاموا تخلصوا طيلة النهار وزلفًا من الليل من حكم العادة المتسلطة عليهم؛ فهم لا يتناولون طعامًا ولا شرابًا، ولا يدخنون ولا يستمتعون بأي متاع مادي، فإذا قدروا على ذلك طول يومهم، فما أحراهم أن يتدبروا ما يخضعون له من هذه العادات وما يستطيعون التحرر منه شهرًا كاملًا، ثم ما أحرى الحكيم منهم أن يقلع عن عاداته مما يراه ضارًّا به، بل عما يراه لا خير فيه، ولعمري إن الإنسان القادر على أن يحرم نفسه طيلة أيام رمضان من كل طعام وشراب ومتاع مادي لقادرٌ على أن يحرر نفسه من كل عادة تتسلط عليه ويشعر فيها بالمضرة له، أيًّا كان نوع هذه المضرة، فالصيام رياضة يقصد بها إلى أن تتغلب النفس على مُتعها المادية جميعًا طيلة النهار شهرًا كاملًا من كل سنة، فإذا استطعنا رياضة أنفسنا على هذا النحو فيسيرٌ علينا، من طريق هذه الرياضة النفسية ذاتها، أن نخلص أنفسنا من العبودية لعادات ضررها أكثر من نفعها، بل ضرها محقق، ونفعها أكثر الأمر سراب خادع.

وإذا كان للصيام مثل هذا الأثر في تحريرنا من عبوديتنا لعاداتنا المادية، فهو أعظم أثرًا في حياتنا المعنوية؛ فنحن إذ نصوم كل يوم من الفجر إلى مغرب الشمس نجد الفسحة من الوقت أثناء النهار لمحاسبة أنفسنا، ولتطهيرها من كل ما يعلق بها من أوهام الحياة التي تتسلط عليها بسبب تحكم العادة فيها، ونجد الفسحة من الوقت كذلك للتأمل في الحياة ولتصوير مُثلها العُليا، وحسبنا أن يكون اتجاهنا النفسي في أيام الصوم على هذا النحو لنسمو بأنفسنا فوق دنايا الحياة الدنيا وباطل زخرفها، ولا نرى كيف يخدع هذا الزخرف الباطل الناس عن حقيقة الحياة وعن واجبهم الصحيح فيها، وكيف يلهيهم عن أداء هذا الواجب أداء يرضى عنه ضميرهم، ويرضى عنه الله، وترضى عنه الأخلاق الفاضلة المطهرة.

إذا أفدنا من الصيام هذا التحرر من العادات المادية السيئة وهذا السمو النفساني إلى مكان الفضيلة، زاد ذلك إيماننا بالله تثبيتًا، فازدادت أنفسنا قوة على قوة، ومن المبادئ الأولية في الإسلام تقوية الشخصية الفردية بتحريرها من كل عبودية لغير الله، ومن كل خوف إلا مخافة الله، وهذه القوة عماد متين للحياة وللسعادة فيها.

وللصيام غير آثاره في نفس الفرد آثار اجتماعية بعيدة الغور في حياة المجتمع كله، وأولى هذه الآثار مساواة الصيام بين الناس جميعًا، فلا يستمتع أحدهم بشيء لا يستمتع به غيره، ولا ينال أحدهم شيئًا لا يناله غيره، بل ينصرف الكل عن متع الحياة انصرافًا يتساوى الجميع فيه، ويشعر الجميع أثناءه بشعور مشترك يقرب بينهم في الإحساس بما في الحياة التي أفاء الله عليهم من متاع، ومن حرمان من هذا المتاع، ومن شأن هذا الشعور المشترك أن يقوي بينهم معاني الإخاء الإنساني، وأن يدعو قويهم ليرحم ضعيفهم، وأن ييسر لغنيهم أن يجعل فيما رزقه الله من المال حقًّا معلومًا للسائل والمحروم.

والمساواة بين الناس من المبادئ الجوهرية في الإسلام؛ أنت تجدها في صلاة الجماعة حين يأتم الناس جميعًا بإمام منهم متساوين أمام ربهم يؤدون له فرضه، وأنت تجدها في فريضة الحج حين يخلع الجميع أرديتهم المتباينة ويلبسون لباس الإحرام غير مخيط، ويصعدون بعد طوافهم بالبيت الحرام إلى عرفة، فلا تفاوت بينهم في مظهرهم، بل هم جميعًا سواسية أمام بارئهم، أكرمهم عند الله أتقاهم، وأكثرهم حاجة لمغفرة الله أعرضهم جاهًا، وأكثرهم غنًى، وأنت تجد هذه المساواة في كل العبادات الإسلامية، وهي مساواة حقة في مظهرها وفي جوهرها، والحق في مساواة الجميع أمام الله صراح وليس اعتباريًّا كهذه المساواة أمام القانون تجد الحيل الفقهية مختلف الصيغ والفتاوى لتسويغ الإفلات منها، ولو أن صيغة أو فتوًى استطاعت أن تفلتنا من المساواة حين الصيام، لوجد أصحاب الفتوى السبيل إلى إفلات الناس من هذا الفرض وإن أطاقوه، أما وهي مساواة صادقة فلا حيلة للفرار منها أو التحايل عليها، فالصائمون جميعًا متساوون منذ يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إلى أن تغيب الشمس.

ولهذه المساواة أثر اجتماعي يشهده الناس جميعًا طيلة شهر الصوم. هذا الأثر هو ما يفرضه الصائمون في البلاد الإسلامية المختلفة على أنفسهم من إطعام كل صائم آن له أن يفطر ساعة المغيب، فأنت تشهد في المدن، وتشهد في قرى الريف بنوع خاص، موائد الإفطار ممدودة أمام المنازل، يجلس إليها أصحاب الدار، ويأوي إليها كل فقير، وكل محروم، وكل عابر سبيل آنَ له أن يفطر. يجتمع هؤلاء كلهم حول المائدة، فإذا أذَّن مؤذن المغرب تبادلوا التحيات المباركات أن أمدهم الله بالقدرة على أداء فرضه بصوم يومهم، ثم تناولوا إفطارهم إخوانًا متحابين.

وللصيام إلى جانب هذه الآثار المادية والمعنوية السامية أثر عميق في تهذيب الخُلق، فعلى الصائم واجب أن يتجنب الإساءة إلى غيره أيًّا كان مظهر هذه الإساءة، فإن هو لم يفعل لم يكن قد أتم لله فرضه إلا أن يستغفر عما فرط منه راجيًا أن يغفر الله له، وذلك هو الذي يدعو كل صائم بدرت منه هفوة أن يستغفر عنها، وهو لذلك يقول مستغفرًا ربه: اللهم إني صائم، يقصد بذلك أن يقول: اللهم فاغفر لي ما فرط مني. ومحاسبة الصائم نفسه على هذا النحو طيلة شهر الصيام رياضة خلقية كريمة، ما أجدرنا بالجري على سنتها فيما سوى رمضان من أشهر السنة، ولو أننا فعلنا لسمونا بحياتنا الخُلُقية إلى أرفع مكان وأكرمه.

تلك بعض آثار الصوم في الحياة الفردية من نواحيها المادية والمعنوية والخُلُقية، وفي حياة المجتمع، وقيامها على مبادئ الحرية والإخاء والمساواة، ولو أنني أردت أن أتناول بالقول ما للصوم من آثار أخرى يعرفها الكثيرون، ويشعرون بها في صحتهم الجسمية والروحية، وفيما يبتعثهم الصيام إليه من التجرد لله والقربى منه جل شأنه، لكان لي في مجال القول فُسْحة ومُتسع.

أعلم ما يقوله بعضهم من أن الكثير من الصائمين لا يفكرون فيما نقوله الآن، وأنهم لا يكادون يفرغون من صيام يومهم حتى يعتاضوا عن المتاع المادي الذي حرموا أنفسهم منه أثناء النهار أضعافًا مضاعفة فيما بين الإفطار وطعام السحر، فهم يطعمون ويشربون ويدخنون، وكثيرون منهم يقضون نهارهم نيامًا ويزعمون أن نوم الصائم عبادة، وهم لذلك لا يفكرون في هذه الرياضة الروحية والنفسية التي أشرت إليها، وما يقوله هذا البعض صحيح لا ريب، لكنه لا يطعن على شيء مما قدمنا ولا ينفيه، إنما مثل هؤلاء الذين ينالون بالليل أضعاف ما يحرمون أنفسهم منه بالنهار، والذين ينامون يومهم ويقومون ليلهم استزادة من المتاع، أقول: إنما مثل هؤلاء كمثل من يصف له الطبيب دواء ويحرِّم معه عليه ألوانًا من متع العيش ليسترد صحته، فإذا هو يتناول الدواء على مرارته، ثم يتخطى ما حرَّم الطبيب عليه تناوله من طعام أو شراب، مثل هذا الرجل لن يفيد من الدواء ما قصد الطبيب الذي وصفه له أن يفيد منه، كذلك لن يفيد الصائم أجرًا عن صيامه إذا هو لم يفكر فيما قدمنا من الاعتبارات؛ فلهذه الاعتبارات، لا لمجرد الحرمان، فرض الله الصيام على الصائمين.

وأختم هذا الحديث كما بدأته، راجيًا للصائمين، من الذين استمعوه والذين قد يطلعون من بعدُ عليه، رمضان مباركًا، وصومًا مقبولًا عند الله، وإفادة من هذا الصوم في حياتهم المادية والمعنوية والخُلُقية تجعلهم يختمون هذا الشهر المبارك بخير مما بدءوا؛ ليرضى الله عنهم ويرضوا عنه، ولينالوا من مثوبته خير الجزاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.