لست أدري أَبَلَغ المصريون في يوم من الأيام ما بلغوه الآن من دقة الحس، وحدَّة المزاج، وضِيق الصدور؟ ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أنهم قد انتهوا من هذا كله الآن إلى حيث أصبحوا يتأذون بكل شيء، ويتألمون لكل شيء، ويخرجهم عن أطوارهم أيسر الأمور شأنًا، وأقلها خطرًا، وتوشك الصلات بينهم أن تتعرض لفساد شديد؛ لأنهم ضعفوا حتى عن احتمال الدعابة، والابتسام للفكاهة والمزاح!

ومصدر هذا — فيما يظهر — ما يلقونه من هذا الحرج السياسي والاقتصادي، الذي طال عليهم أمره، وثقل عليهم عبئه، والذي يحرصون أشد الحرص على أن يثبتوا له، ويصبروا عليه، ويقاوموه مقاومة الرجال الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب، ويثبتون لحادثات الأيام؛ فهم يستنفدون أو يكادون يستنفدون جهودهم كلها في احتمال الآلام السياسية والاقتصادية دون أن يظهر عليهم ضعف في الرأي، أو خور في الطبيعة، أو انحلال في العزيمة، ودون أن يطمع فيهم الأجنبي، أو تطمع فيهم الوزارة القائمة، وهم يريدون أن يظهروا كرامًا أعزاء أمام الإنجليز وأمام هذه الوزارة، ويريدون كذلك أن يظهروا أعزاء فيما بينهم، يحتملون ما يحتملون من أثقل ضروب الحرمان الاقتصادي، دون أن يظهر بعضهم على خفايا بعض، ودون أن يحس بعضهم رثاء أصدقائه له أو عطفهم عليه أو شعورهم بما هو فيه من ضنكٍ وضيقٍ.

وإذا بذل الإنسان هذا الجهد العنيف ليأخذ نفسه باحتمال ما لا يحتمل، والصبر على ما لم يألف الصبر عليه، وإذا طال به هذا الأمر فأنفق فيه الأشهر والأعوام، دون أن يجد له منه مخرجًا، أو يتخفف ولو قليلًا من بعض أثقاله، كان خليقًا أن تضعف مقاومته لما دون ذلك من الأمور، مثله في ذلك مثل الصائم الذي يشق عليه الصوم، ويضنيه ويكلفه ألوان العناء، فينفق الجهد كل الجهد في احتمال هذه المشقة، والثبات لهذا العناء، حتى يتم صومه، ولكنه يضعف عن مقاومة أشياء أخرى غير الصوم، فهو سريع الغضب، دقيق الحس، حاد المزاج، سيئ الخلق بوجه عام.

هذه حال يظهر أنها عامة الآن في مصر، تلحظها عند كثير من أنصار الوزارة، وتلحظها عند كثير من خصوم الوزارة، وتلحظها عند قوم لا ينبغي أن يكونوا من أولئك وهؤلاء، ولعلك تجد هذه الظاهرة أقوى في البيئات الوزارية منها في أي بيئة أخرى، فقد رأيت ما حدث في البرلمان. ومن المرجح أنك سترى أمثاله كثيرًا، ستراها عند النواب، وعند الشيوخ، وعند الوزراء أنفسهم. نائب يهم بإعلان رأي فيضيق به المجلس حتى يوشك أن يبطش به! ثم لا يقبل منه صمتًا ولا دفاعًا في الصحف! ولا يرضى منه إلا بالاعتذار! ونائب آخر يهم بالدفاع عن رأي، فيضيق صدره، وينطلق لسانه، وينال المجلس والوزارة بما لا يحبان، ويضيق به المجلس، ويضيق هو بالمجلس، فينصرف ثائرًا مغاضبًا، ويمضي المجلس في ثورته وإنكاره، حتى يضطر الرئيس إلى رفع الجلسة، فإذا سكت الغضب عن النائب المعتدي والمجلس المعتدى عليه أُعِيدَت الجلسة، فكان الاعتذار، وكان الغفران! ونائب آخر يهم بنقد الوزارة، فلا يتحرج من أن يصفها بالسفه! ويضيق به صدر الوزارة، فلا تذود عن نفسها، ولا تدفع شدة بشدة، ولا نقدًا بنقد، ولكن أحد أعضائها يصيح بالنائب أن اسكُتْ! فإذا لم يفعل انصرف الوزراء، وتركوا الميدان مغاضبين! وقد ثار المجلس واضطرب، فكثر الصياح، وخفقت الأقدام، وامتدت الأيدي، ثم تُرفَع الجلسة، ويهم بعض النواب بجمع آراء أصحابه على طرد هذا النائب، ثم يسكت الغضب عن القوم جميعًا، فيكون اعتذارًا واستغفارًا، ويكون عفوًا ومغفرةً، ويعود الصفو إلى جو البرلمان!

ويحدث مثل ذلك في مجلس الشيوخ، دون أن يَعْصِم الشيوخَ منه، ما ينبغي أن يكون لهم من الوقار والرزانة ورجاحة الأحلام، فإذا هم أيضًا يثورون ويفورون، ويهيجون ويموجون، ويسيء بعضهم إلى بعض، ويعتذر بعضهم إلى بعض، ويغفر بعضهم لبعض!

فإذا تركت الوزراء والشيوخ والنواب، فسترى دقة الحس، وحدة المزاج، وسرعة الغضب في بيئاتٍ أخرى. فمصالح الحكومة تضيق بما يُكتَب عنها في الصحف ضيقًا شديدًا، وتمتلئ صدورها حرجًا لأي نقد، وإذا بلاغات فيها شدة وحدة، وفيها عنف وفيها تجاوز للقصد، حتى النيابة أظهرت في هذه الأيام شيئًا من دقة الحس، وحدة المزاج، وسرعة الغضب هذه؛ فأكثرت من دعاء الصحفيين إليها، ومن سؤالهم والتحقيق معهم، وكانت معتدلة في ذلك بعض الشيء. ولاحظت الصحف هذا النشاط؛ فتحدثت فيه وفكرت في أن تحتاط له، وكلفت مجلس نقابتها في أن يجدَّ في ذلك أسبوعًا، ثم يعرض عليها نتيجة هذا الجد إذا اجتمعت بعد أيام.

والصحف نفسها فيما بينها، دقيقة الحس، حادة المزاج، يكاد يخرجها كل شيء عن طورها، ويتجاوز بها الحِلْم الذي كانت قد ألفته واطمأنت إليه، فأصبحت في هذه الأيام لا يصبر بعضها لبعض، ولا يثبت بعضها لبعض، وإنما تضيق صحيفة بصحيفة، فتسرع إلى النيابة أو إلى القضاء.

ورجال السياسة أنفسهم، أولئك الذين لا يشتغلون بالصحافة اليومية، ولا الأسبوعية، وإنما يشتغلون بالسياسة العليا، إن صح هذا التعبير، قد أخذت صدورهم تضيق، ويصل إليها الحرج بما يُوجَّه إليهم من نقد كانوا يصبرون عليه من قبل، ولعلهم كانوا لا يلتفتون إليه، ولا يحفلون به، ولعلهم كانوا يلهون ببعضه حين يتفكهون ويتندرون، ولكنهم الآن يضيقون به، ويكرهونه أشد الكره، ويسرعون إلى النيابة؛ فيَسْتَعْدُونها على أولئك الكُتَّاب الذين تجاوزوا معهم حدود ما يحبون!

حتى الأدباء، يضيق بعضهم ببعض، ويتنكر بعضهم لبعض، ويأخذ بعضهم بعضًا بأيسر الأشياء، ويتمتعون بحسٍّ أدبيٍّ دقيقٍ مسرفٍ في الدقة، حادٍّ مغرق في الحدة، ومن ذا الذي لم يلاحظ هذه الغضبة، أو إن شئت فقل هذا العتاب الحاد، بين أديبين معروفين؛ لأن أحدهما همَّ بنقد الآخر، فلم يذهب في هذا النقد المذهبَ الذي كان ينتظره صاحب الكتاب؟!

كل هذا يدل على أننا نتعرض في هذه الأيام لأزمة خلقية حادة، توشك أن تأتي على ما بيننا من صلات، ومهما يكن عذرنا واضحًا، ومهما تكن المحنة السياسية ثقيلة طويلة، ومهما تكن الأزمة الاقتصادية عنيفة حادة، مرهقة محرقة، ومهما يكلفنا هذا من الجهد في احتماله، والثبات له، فإن من كمال الرجولة أن يكون حظنا من سعة الصدر، ورجاحة الحلم، والإعراض عن صغائر الأمور، أعظم من هذا الحظ الذي بقي لنا الآن؛ فالصائم يُعذَر إذا ساء خلقه، ولكن سوء الخلق لا يُحمَد له، وهو لا يُثاب عليه، ولعله أن يفسد عليه جمال صومه. وكذلك الذي يخضع للمحنة السياسية القاسية، والأزمة الاقتصادية العنيفة، يُعذَر إذا ضاق صدره وعجز عن أن يملك نفسه أحيانًا، ولكن ذلك لا يُحمَد له ولا يُستحسَن منه، ولعله أن يفسد عليه احتماله للمحنة، وثباته للأزمة، ولعله أن يجعل مقاومته أضعف وأوهن، ولعله أن يُطمِع فيه خصمه ويغريه به، ولعله أن يَحُول بينه وبين ما يحب من هذه العاقبة الجميلة، التي ينبغي أن يظفر بها الأقوياء الصابرون.

وإذا كان الإغضاء عن المؤذيات، والترفع عن صغائر الأمور، خليقًا بالرجل في جميع أوقاته وأطواره، فهو أجدر به، وأوجب عليه، وأكرم له في أوقات الشدة والمحنة، وفي أوقات الفتن والخطوب؛ لأنه يصور قدرة الرجل على نفسه، وضبطه لعواطفه، وسيطرته على أهوائه وميوله، واستعداده الصحيح لأنْ يكون رجل كفاح حقًّا، يعرف كيف يداور الأيام، وينتصر على الخطوب.

فما أجدر النواب والشيوخ والوزراء أن يصبر بعضهم على بعض، وأن يغضي بعضهم عن بعض، وأن يسع بعضهم بعضًا! وما أجدر النواب والشيوخ والوزراء والموظفين أن يحتملوا النقد في شجاعة ورضا وابتسامٍ! وما أجدر الصحف بنوع خاص أن تصبر للصحف وأن تقبل منها الآن ما كانت تقبله أمس قبل الأزمة، وما ستقبله غدًا بعد الأزمة! وما أجدر الساسة أن يؤثروا سعة الصدر ويرفعوا أنفسهم عن هذا الغضب الذي لا يليق بحلم الحليم! ثم ما أجدر الأدباء أن يبسم بعضهم لبعض، بل أن يعبث بعضهم ببعض، دون أن يفسد ذلك ما بينهم من صلات! أما الكُتاب فما أجدرهم أن يؤثروا الأناة والحكمة، وضبط النفس، وقهر الهوى، وتحري الحق فيما يكتبون!

ما أجدر المصريين جميعًا ألا تخرجهم المحنة عن أطوارهم، وألا تكدر الأزمة ما كانوا يتعزون به من مودة، وحب، وصفاء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.