يعتقد الفريق الغالب من نقاد الأدب ومؤرخي الثقافة في الغرب، أن الشعر عندهم قد دخل في أزمة من أزماته الشديدة، منذ أواخر القرن التاسع عشر. ويجعل بعضهم الجيل السابق لاشتعال الحرب العالمية الأولى مبدأ هذه الأزمة. فمنذ «الثمانيات» في القرن التاسع عشر — كما يقولون — لم يزدهر الشعر في أمة من أمم الحضارة الغربية، ولم ينبع في هذه الفترة شعراء يضارعون نوابغ الشعراء في القرن الذي سبقها. وعُدَّ من أعلامه أُناسٌ: كبيرون، وشلي، وورد زورت، وبرنزو كولردج، وتنيسون، وبروننج في إنجلترا. وأناس: كشاتوبريان، وهوجو، ولامرتين، وموسيه في فرنسا. وأناس: كجيتي، وشيلر، وهيني في ألمانيا. أو كمن يعاصرهم من الأمم الأوروبية الأخرى.

وتعليل النقاد لهذه الظاهرة مختلف … فمنهم من ينظر إلى المجتمع الأوروبي ويحسب أن القرن التاسع عشر قد شهد نهاية عصر النهضة الذي بدأ منذ القرن السادس عشر، فتزعزعت فيه الدعائم التي كانت مستقرة، وتبلبلت فيه الأذهان التي كانت تتلاقى على أصول متفق عليها، للتفاهم وتبادل الشعور، وهَوَتْ فيه الأمثلة التي كانت ترتفع أمام جميع الأبصار في سماء واحدة ومطالع متقاربة، ولا محل للشعر الفخم ولا للفن الرائع حيث يبطل التفاهم بين الناس والشعور وينقطع التواصل بينهم بالذوق والخيال.

ومنهم من يحكم على الشعر من طريق النظر إلى المجتمع، كما يفعل النقاد الذين أشرنا إليهم، ولكنهم يردون كساد الشعر إلى عصر الصناعة وقيام المجتمع الصناعي على آداب غير الآداب القديمة وعلاقات بين الناس غير العلاقات التي انتظمتهم منذ القرون الوسطى، ويُعبِّر المؤرخ الكبير توينبي عن هذه الحالة بما يسميه «انشقاق الروح»، كما ينشق المذهب على نفسه أو تنشق الكنيسة على نفسها. وعلامة هذا الانشقاق في تقديره أن تشيع القوالب والمتشابهات أو تشيع القيم الآلية والأوضاع المطردة على نسق واحد، كما تطرد المصنوعات وهي آفة العصر الصناعي وضربته التي يصيب بها الأفكار والأخلاق والأذواق.

فإذا حكمت الصناعة المجتمع توارى الذوق المطبوع والشعور المستقل والخيال الطموح، وغمرت ضجة الآلات أنغام القصيد وألحان الفن الجميع حيث كان.

قال الأستاذ «بنتو» أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة نوتنجهام في كتابه عن أزمة الشعر الإنجليزي: إن الفترة التي انقضت بعد الحرب العالمية الأولى بنحو عشر سنين كانت «فترة اختلاط وحيرة وخيبة»، وإن الفترة التي تلتها كان شعارها «تجاهل أو سلم»، أو كانت فترة لا يُؤمِن فيها الإنسانُ بما يستحق أن يحارب من أجله أو يستحق أن يحاربه، وسواء فيها أن تناضل في هذا الميدان أو ذاك، فلا محل إذن للنضال.

هذه حالة أسوأ من حالة الشكوى والسخط؛ لأن الشاكي والساخط يطلبان شيئًا فاتهما ويستحق عندهما أن يطلباه. أما هذه الحالة فهي أشبه بما وصفه أبو الطيب حيث قال:

وشكيتي فقد السقام لأنه

قد كان لما كان لي أعضاء

فهذا لا طلب ولا فوات، بل عجز عن الطلب وعجز عن الاتجاه إلى جانب مطلوب أو مرفوض ومتروك. ونعتقد أن هذه الحالة أسوأ من حالة الحيرة والخيبة، وأدل منها على فقر الروح وخواء البصيرة؛ لأن قلق الحيرة أدل على الاهتمام من نفض اليدين وإغماض العينين، ومن حار في شيء فهو مشغول به معتقد أنه حقيق منه بالاهتمام.

والذي نراه من تواريخ الآداب — كما تبدو لنا — أن أزمات الشِّعْر كثيرة في جميع الأمم، وأنها ليست كأزمات العلم والمعرفة في دلالتها الاجتماعية؛ فإن ارتقاء شعراء إلى القمة العليا في عصر الذي يليه، وقد يكون شعراء الأمة في القرن الأول أو الثاني هم أعظم شعرائها وهم غاية الغايات في آدابها، أو يكونون أعظم من شعرائها في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، خلافًا للتقدم في العلوم والصناعات، فإن محصوله مع الزمن قابل لترتيب بين الأول والأخير.

فإذا انقضى خمسون سنة دون أن يظهر فيها شاعر يضارع سابقيه، فليس ذلك حتمًا بالدليل على نكسة عامة أو انشقاق في الروح. وقد يرتبط الأمر هنا بشخصيات الشعراء لا بمزايا العصور والجماعات، وليس ما يمنع أن تنبغ في القرن الثامن عشر أو السابع عشر «شخصية إنسانية» أكبر وأقدر على التعبير من الشخصيات الإنسانية التي تتلوها في الزمان.

فليس خلو العصر الحديث من كبار الشعراء هو الذي يدل على أحواله الاجتماعية أو النفسية، وإنما الذي يدل على ذلك في اعتقادنا شيء آخر؛ وهو ظهور مدارس من الشعر تجتمع في وقت واحد على نزعة واحدة، وتدل بذلك على الحالة النفسية التي سمحت لها بالظهور.

في الأمم الغربية الحديثة مدارس شعرية أو ثقافية عجزت عن كل رسالة، ولا تريد أن تعترف بالعجز، فهي تترك محاولة التأثير إلى محاولة التحدي والاستفزاز.

ليس عندها ما تؤثر به ولا هي تطيق أن تسكت، فهي تتحدى وتستفز ولسان حالها يقول: إن كان هذا يعجبك أو لا يعجبك فهما عندنا سواء.

مظهر هذه المدارس «الاستفزازية» في التصوير أوضح من مظهرها في الشعر والتمثيل.

فمدارس التصوير التي تُمثِّل هذه الحالةَ تدَّعي أنها تُصوِّر إنسانًا، فلا تعطيك شكل ذلك الإنسان ولا شكل أي إنسان، ولا تُعنَى بالرسم ولا بالتلوين ولا بالطريقة المتبعة في طراز معلوم، ولا هي تقول إنها ترمز إلى الصورة أو تنشئ لغزًا للتفسير والامتحان، بل هي تدَّعي أنها ترسم ما تراه بالوعي الباطن أو بالأسلوب الخاص الذي يروق المصور، وتأتي في كل مرة بأسلوب لا رابطة بينه وبين سابقه وتاليه.

ومن أمثلة الكتابة التي تُعبِّر عن هذه المدارس «الاستفزازية» فصل كتبه أحدهم واستشهد به الناقد الفني هربرت ويد مستحسنًا، يقول فيه: ذهبت أخرج من المنزل، فوجدت الطفلة الصغيرة — أختي — تحبو، فركلتها بقدمي كأنها كرة، وتركتها تصيح، وانطلقت راضيًا عن نفسي لما استباحته من تلك الفعلة الوحشية.

ودلالة هذا المَثَل وما شابهه كبيرة في تحديد الموقف كله، فليس هو موقف الباحثين عن المُثُل العليا، ولا هو موقف الحائرين بين المُثُل التي تركوها والمُثُل التي يحلونها في محلها، ولا هو موقف المتجاهلين والمسلمين، بل هو موقف العاجز الذي لا يكلف نفسه شيئًا ولا يسكت، فيجعل من المثل الأدنى فخرًا يتحدى به القادرين والحائرين.

لا يخطرن على البال أن مدارس الأدب والشعر في الغرب كلها من هذا القبيل، وإنما هذه هي القشرة الواهبة فوق البركان، تفجرت منها الحمم والنيران، ولا تزال في جوانب الأديم قوة تكتم ما تحتها وتستقر حيث تمكنت من القرار.

ما هي علة هذه العوارض النفسية؟ إن النقاد الأوروبيين يُعلِّلونها تارة بانحلال المجتمع الصناعي، وتارة بالفوضى التي تعترض بين نظامين، وكل هذه العلل تسري إلينا من بعيد، ولكنها لا تشمل الحياة الاجتماعية أو الحياة الأدبية عندنا، كما تشملها عند الغربيين.

إن مجتمعاتنا تقوم على أسس غير أسس الاجتماع في البلاد الغربية، وليس لدينا من مشكلات الصناعة الكبرى ما يشبه مشكلاتها في أوروبا الحديثة، فنحن اليوم بنجوة من النوبات المتطرفة التي تمثلت هناك في مدارس التحدي والاستفزاز، أو في المدارس التي اتخذت من المُثُل الأدنى مفاخر تستغني بها عن المُثُل العليا. ولكن العالم الذي يحتوي الغرب يحتوينا معه، فلا تقع فيه حركة دون أن تَصِل إلينا هزة منها على الأقل أو جملة هزات.

وإذا كانت المواقع الجغرافية لا تعصمنا كل العصمة من طوارئ البرد والحر في أطراف الأرض، فليس بالعجيب أن تُؤثِّر فينا تيارات الفكر وإن اختلفت الدواعي والأسباب.

إننا لا نلحظ في مصر تلك النزعات التي تمادى فيها العجز إلى حدود الفخر والمباهاة، فليس عندنا زيغ أو ضلال، ولكننا قد نُلخِّص الموقف في حد وسط بين الاندفاع والجمود، فنحس القلق أو نحس التقصير، وننتقل من وجهة إلى وجهة ونحن على الأقل نحسب أننا نتقدم إلى غاية تستحق منا أن نسعى إليها.

قيل فيما تقدم: إن الفترة الأخيرة في الغرب لا تنصب للناظر غرضًا يحارب من أجله أو يحاربه، ولكننا نحن لم ننقطع عن الجادَّة ولم تبلغ بنا الحيرة أن نحارب في الميادين أو نترك الحرب فيهما معًا على السواء.

وإذا التمسنا الشاهد على هذا الموقف من دلائله الأدبية، فهذا الشاهد ظاهر في الديوانين اللذين أجازهما المجمع هذا العام، وهما ديوان «حياتي ظلال» للأستاذ إبراهيم محمد نجا، وديوان «اليواقيت» للأستاذ خالد الجرنوسي، وكلاهما يشتمل على الأماثيل والقصص الذي تُستفاد منه العظات.

ما دامت هناك أمثولة فهناك قدوة مطلوبة وطريق مسلوك، وما دامت هناك عبرة فهناك معبر أو منهج معبور.

ومن أجمل قصائد الأستاذ «نجا» قصيدة بعنوان: بين ريح وشجيرة، هي في مغزاها مُقابَلة أو مُفاضَلة بين نمطين من أنماط المعيشة: معيشة الحركة المنطلقة التي لا ترتبط بقيد ولا واجب، ومعيشة الاستقرار التي ترتبط بالتبعات والعلاقات. أو هما بعبارة أخرى: معيشة الإباحية، ومعيشة الخُلُق والواجب كما يتمثلها في الريح والشجيرة.

تقول الريح للشجيرة:

خبِّريني يا ابنةَ الليـ

ـلِ ويا أختَ النَّهارِ

خبِّريني أي نفعٍ

لكِ في هذا القرارِ؟!

كيف ترضين بعار الـْ

ـقيدِ أو ذُلِّ الإسارِ؟!

لمَ لا تحيين مثلي

حرة في كل دارِ؟!

وتقول:

إنني أحيا كما أهـ

ـوى وتحيين سجينَهْ

أملأ الكونَ غناءً

بينما أنتِ حزينَهْ

وقريبًا سوف تطويـ

ـكِ يدُ الموتِ المكينَهْ

ثم ماذا؟! ثم تبقين

مدى الدهر دفينَهْ

***

هكذا حالي: غناء

وانطلاق وبقاءُ

بينما حالك صمت

وقيود وفناءُ

إنني والله أرثي

لكِ، لو يجدي الرثاءُ

فاذرفي الدمع على حا

لكِ، لو يجدي البكاءُ!

فتجيبها الشجيرة بنت الحقل في صوت رزين:

يا ابنة الآفاق يا حيـ

ـرى بآفاق السنينْ

انظري حالَكِ إن كنـ

ـتِ لحالي تأسفينْ!

واذرفي الدمع على نفـ

ـسك «لو يجدي الأنينْ»!

***

إنني أحيا هنا في

ذلك الحقل أميرَهْ

ليس يؤذيني عناءُ السـْ

ـسَيرِ في الدُّنيا الكبيرَهْ

كل ما أبغيه يأتي

من يد الله القديرَهْ

إن يكن ذلك أسرًا

فأنا نِعْمَ الأسيرَهْ!

***

إن طلبتُ الماء لبَّى

رغبتي ماءُ السماءِ

أو أردتُ النور حيتـ

ـنِي تباشيرُ الضياءِ

أو أردتُ الظل ذاب النـْ

ـنُور في ظل المساءِ

فلِيَ الرِّيُّ الذي أهـ

ـوى ولِي خيرُ الغذاءِ

***

إنني نفع لغيري

كَسَنا الشمس المُنِيرِ

فأنا أنْشُر ظِلِّي

وارفًا وقتَ الهجِيرِ

فينام المُتعَبُ الحيـ

ـرانُ في ظِلِّي الوثيرِ

وتُغنِّي الطيرُ أسرا

بًا على شطِّ الغديرِ

***

إنني ظِلٌّ ظليلٌ

وثمارٌ مشتهاهْ

أنا عشُّ الطَّيْرِ تقضي

فيه أيامَ الحياهْ

وأنا أحيا بدنيا

يَ كما شاء الإلهْ

إن يكن ذلك قيدًا

ليس لي قيد سواهْ

ثم تقول الشجيرة للريح:

أنتِ في القيد ولكن

رُبَّ قيدٍ غير ظاهِرْ

رُبَّ قيدٍ كان سرًّا

بين أعماق السرائِرْ

لا نراه نحن بالأبـ

ـصار لكن بالبصائِرْ

فانظري قيدَكِ يا صرْ

رَة يا بنتَ الحرائِرْ

ثم ينتهي الحوار باستكانة الريح واعترافها بفضل الشجيرة قائلة:

سامحيني يا ابنة الحقـ

ـل، فقد نلتُ جزائِي

لم أكن أدري بما تد

رين من سِرِّ البقاءِ

وكشفتِ السِّتْرَ عن جهـ

ـلي فماتتْ كبريائِي

فها هنا سمة نفسانية للعصر غير تلك السمة التي قيل فيها إنها لا تستحق أن نحارب من أجلها ولا أن نحاربها، أو قيل فيها إنها تيه بغير معالم، ها هنا سمة التردد بين حالتين تُعرَف لكل منهما أسبابه وفضائله، ونخلص من بينهما إلى الرضا على شيء من المضض، أو الرضا بالقيد الذي لا قيد سواه، كما شاء الإله.

ومن قصائد الديوان قصيدة «حياتي ظلال» التي أطلق الشاعر اسمها على ديوانه، وهي صيحة ألم يضطرب في أبياتها كلها معنى كمعنى الأبيات التالية:

حياتي ظلال وعيشي ملال

ونفسي مغلفة بالعذابْ

وعمري قيود لروح شرود

تغرد، لا موطن أو صحابْ

***

عبرتُ الوجود بنايٍ وعُودٍ

وغنيتُ ما هزَّ قلبَ الجمادْ

فضاع الغناءُ، ومات الرجاءُ

وصارتْ حياتي بقايا رمادْ

وهذه حالة أسف، وليست على أشدها حالةَ تحدٍّ للفضائل العليا ولا حالة استفزاز، يُغرِي به العجز عن إيحاء شعور غير الإساءة والمناورة، والتمرد في غير وجه معلوم.

أما ديوان «اليواقيت» للأستاذ خالد الجرنوسي، فقد وُفِّق صاحبه لاختيار موضوعاته من نوادر التاريخ وعِظَات الحكمة الدينية. وإحدى هذه النوادر نادرة أرينب بنت إسحاق التي قيل أن يزيد بن معاوية أحبها حبًّا أدنفه، وأن معاوية احتال على تطليقها من زوجها؛ فولَّاه العراقَ ومنَّاه المصاهرة على ألا يجمع بين بنت الخليفة وزوجة أخرى، فلما طلَّق امرأته أعرضت عنه بنت الخليفة:

قالتْ هو المطلاق يا أبتي

إن مالت الدنيا به مالا

أُفٍّ له قد باع زوجته

لما أراد الجاه والمالا

ثم بلغ الخبرُ الحسينَ بن علي — رضي الله عنه — فخطب أرينب وردَّها إلى زوجها حين علم بندمه، وسوء منقلبه، وحنينه إلى قرينته المُطلَّقة:

وعلا البكاء وفاض دمعهما

وتطلَّعَتْ عينٌ إلى عيْنِ

يتشاكيان فراقَ بينِهما

والبَيْنُ سورٌ بين قلبيْنِ

وإذا الحسين يجيء مبتسمًا

كالبرء يمشي فوق جرحَيْنِ

***

والله ما زوجتُها نفسي

إلا لتنجو أنت من بأسِ

إني علمتُ بأنها شقِيَتْ

وشربتَ أنت مرارةَ الكأسِ

فأعدتها برًّا بصاحبها

ونزلتُ عن زوجي وعن عرسي

لمَّا مشى الشيطانُ بينهما

ألقيتُ للشيطان بالدرسِ

فهذه قصة من التاريخ يتسع فيها المجال لوصف العاطفة وتقلُّب الأهواء، وسَوْقِ العظة. تناولها الشاعر فأحسن عَرْضَها وخرج منها في سياق النظم بعظات كثيرة.

وقد تناول على هذا النحو قصة من ذخائر الحكمة الدينية، هي قصة الخضر عليه السلام، وسماها «سان جورج أو الخضر». وسبق إلى اعتقاده أنهما شخصية واحدة وهو خطأ؛ لأن سان جورج شخصية مسيحية لم يكن لها وجود في عصر موسى عليه السلام، وإن أُضِيفتْ إليها بعضُ الخوارق التي سبقت عصرها، كما يحدث أحيانًا في إضافة الأخبار والعجائب إلى الشخصيات المشهورة. إلا أن الحكمة المنظومة هنا هي موضع الاستشهاد أيًّا كان رأي الشاعر في ناحيتها التاريخية. وفي ختام هذه الحكمة المنظومة، يقول الشاعر:

أنا عبدٌ ظهرتُ قبلُ لِمُوسى

وَهْوَ يتلو صحائفَ التوراةِ

حينما ظنَّ نفسَهُ بلغ العلـ

ـمَ وأوفى به على الغاياتِ

إن في الكهف قصتي وهي تُتلَى

في المحاريب ساعةَ الصلواتِ

إلى أن يقول:

هكذا اللهُ قد أبانَ لِمُوسى

أنَّ خَلْفَ الحجابِ سرًّا يواتي

أعجميُّ الشعوبِ يعرفُ قَدْرِي

والحجيجُ المُفِيضُ في عرفاتِ

بينما يهتفون في النِّيل بِاسْمي

يتعالى هتافهم في الفُراتِ

أَذْرَعُ الأرضَ كلَّ طرفة عَيْنٍ

وأطوفُ الوجودَ في لحظاتِ

وهكذا تنتهي الحيرة هنا إلى قسمة الأمور بين ظاهر قد تحار فيه الأفكار، وباطن تطمئن فيه إلى سر من الأسرار، وهي أيضًا سمة من سمات العصر عندنا تخالف السمة التي أجملنا الإشارة إليها في الكلام على الأدب وعلاقته بالأزمات الروحية في الأمم الغربية.

لقد أسلفنا أن تيارات الفكر خليقة أن تُؤثِّر فينا وإن اختلفت الدواعي والأسباب. وقد يكون من شواهد هذا التأثير أن الشاعرَيْن اللذين أجازهما المجمعُ في هذا العالم لم يتصلا بالغرب من طريق الدراسة في معاهده أو السياحة في أرجائه، وإنما كانت صلتهما بالتيارات الفكرية في الغرب صلة الوحدة العالمية، فهما شرقيان يعيشان في العالم الذي تسري هذه التيارات في بعض جوانبه، فتمثلت في عملهما الأدبي على هذه الصورة التي ألمعنا إليها.

وكان من مزاياهما أنهما يَجْمعان في عملهما بين القيمة الفنية والدلالة الاجتماعية؛ ومن أجل هذه المزايا خصَّ المجمعُ أحدَهما — الأستاذ نجا — بجائزة الشِّعْر الأولى في هذا العام، وخصَّ زميلَهُ الأستاذ الجرنوسي بجائزته الثانية. فلهما التهنئة، وللشعر أمل بهما وبأمثالهما في حياة تُجارِي حياةَ العصر، وتُؤدِّي رسالتَه أكرمَ أداء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.