اطلعنا في المجلات الأمريكية على مقال للأسقف «سدني لنيار» — أحد رؤساء الدين بمدينة نيويورك — كتبه لصحيفة نيويورك هرالد تربيون عن المناظر الدينية، وصور الأنبياء والقديسين التي تعرض على اللوحة البيضاء. ويظن الكثير من قرائنا أن الاعتراض عليها «عصبية إسلامية» ينفرد بها رجال الدين الإسلامي، أو أنصار العرف التقليدي من عامة المسلمين.

وليس مقال الأسقف لنيار بأول مقال من قبيله في هذا الموضوع، ولكننا أحببنا أن نشير إليه الآن لأننا نتلقى أخيرًا بعض الأسئلة عن عرض صورة الذات النبوية، وصور الخلفاء الراشدين بين الصور المتحركة التي تحتويها الروايات وفصول التاريخ، ونريد أن نقول لهذه المناسبة: إن رجال الدين المسيحي، في البلاد التي اشتهرت بأنها بلاد البدع والتفانين الحديثة، ينكرون الإغراق في تسليط الفن على موضوعات القداسة والعبادة، رعايةً على الأقل لحكم الذوق في الفصل بين معارض الفنون ومعارض العبادات.

وقد يمنع «الذوق» أن يغض التمثيل من مهابة القداسة، كما يمنع الذوق أن يجور الجامدون باسم القداسة على مسرح التمثيل.

ومن المسلمات — فيما نعتقد — أن نحتفظ للذوات الدينية بحقها من القداسة والمهابة، ونمنع كل ما يغض من قداستها ومهابتها في نفوس المؤمنين بها، فإذا لم تكن هناك غضاضة تناقض شعور التقديس والإجلال، فلا حرج ولا امتناع، ولا تكفي هنا سلامة النيات؛ لأن الصور المتحركة تتخطى النيات الخفية إلى عالم المنظور والمسموع، وتختلط بالأقوال والمواقف التي تبدر من الممثل على غير قصد منه؛ لأنه يملك ما هو قادر عليه من البراعة الفنية، ولا يملك ما يفوق حدود هذه البراعة من محاكاة العظمة بما يناسب كل مقام. وكثيرًا ما تكون هذه المقامات فوق إدراك الفنان، ولا يكون قصاراها أنها فوق قدرته الفنية.

والذي نعرفه بالتجربة مما شاهدناه على المسرح أو على اللوحة البيضاء، أن أدوار القداسة وأدوار العظمة التي تقاربها لم تظفر بمن يقدر عليها من ممثليها المخلصين الراغبين في تنزيه صورها من عوارض النقص والابتذال.

وقد خذلتهم ملكاتهم في تمثيل رجل عظيم كصلاح الدين، لا يرتفع عند المسلمين ولا عند غير المسلمين إلى مقام الأنبياء، ولا إلى مقام الخلفاء الراشدين.

وهكذا تنتقل بنا هذه القضية من سؤال السائل: هل يجوز التمثيل؟ إلى سؤال لازم قبل ذلك؛ وهو: هل يستطاع؟

إن الخلاف — فيما نرى — قليل بعد الاتفاق على استطاعة تصوير القداسة في صور لا تغض منها ولا تجور على مهابتها، ولا محل للسؤال عما يجوز إذا كنا لم نفرغ بعد من السؤال عما يستطاع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.