أصبح العالم كله في هذه الأيام دارًا هائلة للسينما تعرض فيها الحوادث الجسام عرضًا سريعًا خاطفًا، لا يتيح للنظارة تفكيرًا ولا تروية، فضلًا عن أن يتيح لهم شرحًا أو تعليقًا؛ ففي مساء السبت الماضي أُعلِن أن هملر يعرض على البريطانيين والأمريكيين تسليم ألمانيا بلا قيد ولا شرط، وأن هؤلاء لا يقبلون هذا العرض إلَّا إذا قُدِّم إلى روسيا، وأنهم يمهلون ألمانيا إلى مساء الثلاثاء لتقبل هذا الإنذار.

وفي صباح الأحد، أُعلِن أن موسوليني وزملاءه قد أُخِذوا حين كانوا يسلكون طريق الفرار إلى سويسرا، وفي صباح الاثنين، أُعلِن أن موسوليني قد قُتِل، وأعلن تفصيل مقتله، وتفصيل المثلة الشنيعة التي مثَّلها الشعب بجثته في ميدان من ميادين ميلانو. وفي صباح الثلاثاء، أُعلِنت أسطورة موت هتلر، ثم كان الاختلاف في موته، فقال هملر وبعض أصحابه أن هتلر مات بنزيف في المخ، وقال خليفة هتلر للشعب الألماني وللعالم: إن هتلر مات مقتولًا وهو يحارب دفاعًا عن الشعب.

وبينما كان العالم يفكر في هذه الأحداث الخاطفة تفكيرًا خاطفًا، فيريد أن يَعتبِر بهذه الخاتمة الشائنة البشعة التي انتهت بها حياة موسوليني، ويريد أن يتحقق من موت هتلر أولًا، ومن العلة التي مات بها ثانيًا، ويريد أن يعرف متى يُعلن انتهاء الحرب، أو متى يتم تسليم ألمانيا. بينما كانت هذه الخواطر كلها تشغل العالم؛ أقبل المساء أمس وإذا نبأ آخر ليس أقل من كل هذه الأنباء خطرًا ولا أهون منها شأنًا يذاع، فيصرف الناس عن التفكير إلا فيه، وعن التأمل إلا في نتائجه الخطيرة القريبة والبعيدة.

فقد أُعلِن أمس أن الجيوش الألمانية المحاربة في شمال إيطاليا، وفي جزء من أرض النمسا قد استسلمت بلا قيد ولا شرط للماريشال ألكسندر، القائد العام لجيوش الحلفاء في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وعلم الناس أن المفاوضات في هذا التسليم كانت تجري من وراء ستار منذ أيام، وأنها انتهت ظهر يوم الأحد الماضي، في الوقت الذي كان قتل موسوليني وعرض هملر للتسليم يشغلان الناس.

وعلم الناس كذلك أن القتال قد وقف في هذا الميدان ظهر أمس الأربعاء، وسمع الناس أو قرءوا تهنئة الماريشال ألكسندر لجنوده الذين حرروا إيطاليا بعد جهاد شاق طويل، والذين تلقوا الاستسلام من أضخم جيش ألماني استسلم إلى الآن بلا قيد ولا شرط، فقد بلغ عدد هذا الجيش المستسلم مليونًا من الجند، وهو قد ألقى سلاحه، وأسلم رجاله وأدواته، وأصبح خاضعًا خضوعًا تامًّا لأمر القيادة العليا المنتصرة في هذا الميدان.

ولست أدري أيذكر الناس أم قد أنستهم الحوادث أن يذكروا أن الحلفاء قد بدءوا تحرير إيطاليا في أوائل سبتمبر سنة ١٩٤٣، وأنهم لقوا في هذا التحرير أهوالًا هائلة، وخسروا فيه خسائر فادحة، وتعرضوا فيه لكثيرٍ من المصاعب التي كانت تأتي من الطبيعة، ومن السياسة، ومن ضرورات الحرب، وهم قد انتهوا الآن إلى تحرير إيطاليا كلها، أو بعبارة أصح إلى تحرير البحر الأبيض المتوسط كله. فهذا التسليم الذي تم أمس إنما هو الخاتمة الطبيعية لهذه المواقع الطويلة الشاقة التي بدأت في العلمين.

والشيء المحقق هو أن التسليم خطوة حاسمة في تاريخ هذه الحرب، بل خطوة حاسمة في تاريخ العالم الجديد؛ فقد أصبح من اليسير أن تمضي الجيوش المنتصرة في إيطاليا أمامها لا تلقى عائقًا حتى تشارك مع الجيوش المحاربة في ألمانيا نفسها، ومن يدري لعلها لا تبلغ ألمانيا حتى يكون التسليم النهائي حقيقة واقعة.

وأهم ما يثيره هذا الانتصار الهائل في النفوس من العبرة أمران؛ أولهما: أن الثبات ومضاء العزم والثقة بالنفس خصال مهما تتعقد أمامها المشكلات، فهي قاهرة لها، وظافرة بها، ومتغلبة عليها. فما أكثر المشكلات والمصاعب التي ثارت وتعقدت أمام قوَّاد الحلفاء في أفريقيا وصقلية وإيطاليا واليونان وجزر البحر الأبيض المتوسط. لقد بلغت هذه المشكلات والمصاعب في بعض الأوقات حدًّا كان خليقًا أن يبعث اليأس في القلوب، وكان يضطر المستر تشرشل إلى أن يتجنب القول فيه حين يُسأل عنه في مجلس العموم البريطاني. ومع ذلك فقد قهر ساسة الحلفاء وقوَّادهم هذه المشكلات، ونفذوا من هذه الخطوب، وظفروا أمس بهذا الفوز العظيم؛ لأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، ولأنهم لم يضطربوا ولم يترددوا، ولأنهم وثقوا بأنفسهم وبالغاية التي يحاربون من أجلها.

والأمر الثاني: هو أن هذا الفوز العظيم قد أبعد الحرب إبعادًا نهائيًّا عن منطقة البحر الأبيض المتوسط، فأصبح من حق هذه المنطقة أن تتنفس، وأن تتنفس في جوٍّ له حظ من حرية بعد أن اطمأن في هذا الميدان كل شيء، ولم يبق أمام الشعوب التي خرجت من غمرات الحرب إلَّا أن تستأنف حياتها؛ لتصلح ما فسد، وتُقوِّم ما اعوجَّ، وتأسو ما أصابها من الجراح. وهذا الفوز العظيم قد صُوِّر تصويرًا رائعًا في الأمر الذي أصدره الماريشال ألكسندر لجيوشه أمس. وهو خليق أن يملأ نفوس المنتصرين تيهًا وإعجابًا، وأن يغمرها بهذه النشوة التي تخرج المنتصر عن طوره وقتًا ما.

والواقع أن المنتصرين قد ابتهجوا بما أحرزوا من الفوز، وحقَّ لهم أن يبتهجوا، ولكن من الحق على المنتصرين المبتهجين — وقد تم لهم سحق العدو — أن ينتصروا في حرب أخرى لا ترى مظاهرها، ولا تصطنع فيها أسلحة البر والبحر والجو، وإنما هي حرب بين النفوس وبين نزعاتها. فالابتهاج بالنصر حق، والابتهاج بالنصر خير، ولكن يجب ألا يُشغل المنتصر بهذا الابتهاج عن المستقبل وما يخفي من الحوادث، وألَّا يندفع المنتصر مع الابتهاج حتى ينتهي إلى البطر. وخير الأمور أوساطها كما يقول المثل الإنساني القديم، والاعتدال ملاك الفضيلة، فلعل انتصار أمس وما سيتبعه من انتصارات تحدث اليوم وغدًا وبعد غد. لعل هذه الانتصارات التي ستُكره الحرب على أن تضع أوزارها أن تكون مقدمة لانتصار الظافرين على أنفسهم بعد أن انتصروا على عدوِّهم، وأن تكون مقدِّمة لعالم جديد يقوم على الاعتدال لا على الإسراف، وعلى القصد لا على الغلو والجموح، وعلى الإنصاف لا على الجور والاستعلاء.

وبينما كانت هذه الحوادث تحدث في العالم القديم فتملأ الدنيا وتشغل الناس؛ كانت حوادث أخرى تحدث في العالم الجديد، وتريد أن تملأ الدنيا وتشغل الناس، ولكنها لا تبلغ من ذلك ما تريد، وهي هذه الحوادث التي شغلت المؤتمرين في سان فرانسيسكو في الأيام القليلة الماضية. فأي غرابة في أن تعجز حوادث سان فرانسيسكو عن أن تظفر من عناية الناس بمثل ما ظفرت به حوادث أوروبا؟ فالحرب في سان فرانسيسكو حرب كلام لا أكثر ولا أقل، والاصطدام في سان فرانسيسكو اصطدام في الرأي لا ينقص عن ذلك ولا يزيد، ولكنه مع ذلك خليق أن يصور الاتجاهات التي ستسيطر على إنشاء العالم الجديد.

والعالم الجديد فيما يظهر أمنية ستتحقق بمقدار ما تتحقق الأماني في هذه الدنيا، ومعنى ذلك أنها ستتحقق شيئًا فشيئًا، وستتم قليلًا قليلًا، ومعنى ذلك أيضًا أن نظم العالم القديم لن تنهار فجأة، ولكنها ستضطرب — وقد أخذت تضطرب — ثم يصيبها الضعف والانحلال، ثم ينهار منها جزءٌ هنا وجزءٌ هناك، وما يزال العالم في هدمٍ وبناءٍ حتى ينظر الناس ذات يوم وإذا كل شيء من حولهم قد تغير، وإذا هم في عالم جديد قد دُفعوا إليه في رفق، وبلغوه وهم لا يشعرون أو لا يكادون يشعرون.

وآية ذلك أن الحوادث التي شُغل بها المؤتمرون في سان فرانسيسكو قد كانت صراعًا بين جديد لا يريده أكثر المؤتمرين، وقديم يحرصون عليه. وقد ظفر القديم، ولا ينبغي أن يُقال: إن الجديد انهزم، فهو لم ينهزم، ولكنه لم يفُز، وإنما فرض نفسه على التفكير العالمي. وهذا أول الفوز. اختلف المؤتمرون في رياسة المؤتمر: أتكون لوزير الخارجية في البلاد التي يجتمع فيها المؤتمر كما جرت بذلك التقاليد، أم تكون دولة بين رؤساء الوفود الكبرى؟ وقد انهزمت التقاليد نصف هزيمة، وانتصر الجديد نصف انتصار؛ فصارت رياسة المؤتمر نفسه دُولةً بين رؤساء الوفود، واحتُفظ لوزير الخارجية الأمريكية برياسة لجنتين خطيرتين.

ثم اختلف المؤتمرون في دعوة الأرجنتين إلى المؤتمر، فأمَّا أصحاب التجديد — وهم الروسيون وحلفاؤهم الأدنون — فكانوا يرفضون هذه الدعوة؛ لأن الأرجنتين أعانت العدو واضطرت الحلفاء إلى أن يقطعوا العلاقات الدبلوماسية بينهم وبينها، ولم تغير موقفها إلَّا حين أصبح انتصار الحلفاء من البديهيات، وحين أخذ الحلفاء في الاستعداد لعقد هذا المؤتمر، ولكن أنصار القديم آثروا العافية، وأرضوا العصبية الأمريكية، وانتظروا الخير من التعاون مع الأرجنتين؛ فدعوها إلى المؤتمر، وتمَّ لهم ما أرادوا.

واختلف المؤتمرون في تمثيل العمَّال في هذا المؤتمر، فدعا إليه مولوتوف وعارض فيه غيره، وكان ممثلنا نحن لسان المعارضين فيما يظهر. وهذه قضية خطيرة حقًّا، فلم يكن مولوتوف يستطيع أن يهملها، ولم يكن معارضوه يستطيعون أن يقبلوها، فالعمَّال قوام النظام الروسي الرسمي، وهم من غير شك قوام الحرب، ولو قد نجح مولوتوف فيما أراد لكان نجاحه تسجيلًا لوجود دويلة من هذه الدويلات التي يشفق منها رأس المال كل الإشفاق، وتشفق منها الديمقراطيات المعتدلة كل الإشفاق أيضًا، فلم يكن بد من أن ينهزم مولوتوف. ومن المحقق أنه عرض القضية وهو واثق بأنه سيخسرها، ولكنه عرضها لأن عرضها نفسه نوع من أنواع الربح.

واختلف المؤتمرون في مشكلة بولندا التي لا تريد أن تُحَل، والتي تزداد على الأيام صعوبةً وتعقيدًا، أتُدعى حكومة لوبلين أم لا تُدعى؟! فأمَّا روسيا فقالت: نعم، وبالغت في إلحاح، وأمَّا الآخرون فقالوا: لا، وبالغوا في الإباء، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، وليس أحد يدري متى ولا كيف ينتهي.

ويزيد أمر بولونيا تعقيدًا ما يقال من أن حكومة لوبلين تضطهد خصومها في الوطن البولوني نفسه اضطهادًا يوصف في مجلس العموم البريطاني بالشناعة والعنف، ففريق يقتلون، وفريق يستخفون، والحكومة البريطانية لا تستطيع أن تعلم ذلك؛ لأنها لا تستطيع أن تسأل حكومة لوبلين؛ فهي لم تعترف بهذه الحكومة، ولأنها تسأل الحكومة الروسية فلا تتلقى منها جوابًا.

وكذلك ننظر فنرى منظرين رائعين، ولكنهما يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف. فأمَّا أولهما فمنظر الحرب كليلة متخاذلة تقلم أظفارها، ويسرع إليها الفناء، وتوشك أن تسقط من الإعياء، ويوشك الحلفاء أن يجهزوا عليها، والعالم ينظر إلى ذلك سعيدًا راضيًا مغتبطًا؛ لأن الآباء سيعودون إلى أبنائهم، ولأن الأبناء سيعودون إلى أمهاتهم، ولأن الأزواج سيعودون إلى زوجاتهم، ولأن الأرض قد غصَّت بهذا الدم الغزير الذي ما زالت تشربه منذ ستة أعوام.

وأمَّا المنظر الثاني فمنظر السلم ترى مقبلة من بعيد وهي تسعى مبطئة ثقيلة، وتمشي على استحياء، وفي تردد واضطراب، والناس ينظرون إليها ولا يكادون يرونها، ولا يكادون يتبينون من ملامحها ما يؤذنهم بأنها ستحمل إليهم سعادةً وأمنًا، أو ستحمل إليهم شقاءً وخوفًا.

وقد تعلَّم الناس منذ أقدم العصور أنهم يستطيعون أن يطمئنوا وأن يقلقوا، وأن يأمنوا وأن يجزعوا، فذلك لا يغني عنهم شيئًا، فلا بدَّ مما ليس منه بد، والخير كل الخير أن يصبروا ويثبتوا، أو يستقبلوا الأيام بالأمل والرجاء، والرغبة في الخير والحرص عليه؛ فمن يدري؟ لعل الأيام أن تحقق لهم بعض ما يأملون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.