الرباط المقدَّس هو اسم رواية جديدة من قلم صديقنا الكاتب الفني الموهوب الأستاذ توفيق الحكيم.

والرباط المقدس هو رباط الزوجية.

والتقديس يقترن في الذهن بالتحريم، والتحريم يقترن في الذهن بالإغراء، وهذا هو المعنى الذي فصَّله الأستاذ الحكيم في هذه الرواية أجملَ تفصيل، وانتقل به خطوة خطوة بل همسة همسة من الوفاء إلى الإباحة، فانساق معه القارئ في رحلة نفسية طبيعية لا فجوة فيها؛ لأنه لم يسهُ فيها عن لمحة واحدة من اللمحات التي تتحول بها النفس من شعور إلى شعور، ومن عزم إلى عزم، ومن عمل إلى عمل، فإذا هي بدايات تنتهي إلى غاية بعيدة لمن ينظر إلى الطرفين الأقصيين، ولكنها لا تلوح للقارئ المتتبع إلا بداية بعد بداية لا يفرقهما قيد شعرة من خطرات الضمير.

وخلاصة الرواية: أن فتاة تزوجت رجلًا يكبرها ولكنه يناسبها في عمرها، وكان الرجل من قراء الكتب وعشَّاق الثقافة، فأحب أن تشاركه زوجته في مسراته الفكرية، وأحبت هي أن ترضيه فقصدت إلى كاتب معروف — راهب الفكر — لتسترشده في تربية ذوق القراءة والأدب عندها، وشعر زوجها بأثر هذه الزيارة — وإن لم يعلم بها — فذهب إلى راهب الفكر أيضًا؛ ليشكر له إقبال زوجته على قراءة كتبه ومشاركته في متعة فكره، ثم انقطع ما بين راهب الفكر وبين الزوجين، حتى خطر لراهب الفكر يومًا أن يعتزل الناس في بعض الفنادق الخلوية، فإذا به يلقى الزوج مع ضابط من أقربائه وهما قلقان مضطربان، ثم يعلم جلية الأمر؛ فإذا بالزوج قد عثر في بيته على كراسة حمراء تنطوي على مفكرات خاصة كتبتها زوجه، واعترفت فيها بعلاقة غرامية بينها وبين ممثل من ممثلي أدوار الغرام على اللوحة البيضاء، وأشارت فيها إلى غوايات فتاة أخرى هي زوجة ذلك الضابط القريب. فأخذ الضابط القريب يشك في ذريته من تلك الفتاة، ويستعيد حوادثها التي كانت في أوانها موضع ريبة لا يفهمها، ثم توسط راهب الفكر بين الزوجين، فأخفقت الوساطة، وأوشك الراهب أن يقع في الفتنة لولا دقات جرس التليفون، ثم افترق الزوجان، وضاقت الدنيا بالضابط فأطلق النار على نفسه، وثاب الراهب إلى صومعته كما كان.

هذا مجمل سريع للقصة لا يُغني شيئًا عن تفصيلها؛ لأن هذا التفصيل هو المقصود وليست الحكاية لذاتها، وفي هذا التفصيل تتجلَّى قدرة الكاتب الفنان على تصوير لفتات النفس ووساوس الضمير، والانتقال بها من عصمة الوفاء إلى إباحة الخيانة في خطوات قصار لا يشعر بها المتتبع لها إلا وقد شارفت نهايتها القصوى.

وأقوى ما يكون هذا التسلسل في ضمير بطلة الرواية، وفي ضمير راهب الفكر نفسه، ثم في ضمير الرجلين المتزوجين.

فالزوجة — بطلة الرواية — مثل صادق للفتاة العصرية التي تنعم بدفء الزوجية، فلا يستقر لها قرار أو تحترق بالنار؛ لأنها تلمح وهج النار حولها في كل مكان فلا تصبر على النظر إليها والدفء بها دون الوقوع فيها.

وراهب الفكر — ولعله مؤلف الرواية — مَثَل صادق للرجل الذي يعيش بين الصومعة والحياة، فيأخذ من الحياة للصومعة ويأخذ من الصومعة للحياة، ولكنه يجفل من هذه كلما حرفته عن تلك، ولا يرى في إحداهما غِنًى عن الأخرى.

وأصوب ما يقال في شرح هاتين النفسين أنهما دراسة فنية تحليلية من الطراز الأعلى، ولو لم تكن في القصة إلا هذه الدراسة تكفي بها مادة حية وزادًا شهيًّا لمن يولع بدراسات الفن والتحليل.

أما وضع القصة فهو مع تشويقه واستطراده تقلُّ فيه الروابط الطبيعية التي تمسك أجزاءها، وتحل في محلها روابط من عمل التأليف تأتي بها المصادفة ولا يستلزمها السياق.

مثال ذلك أن الفتاة — بطلة الرواية — تقصد إلى المؤلف؛ لأنها مغلقة النفس من ناحية الأدب والتفكير، قد عيت بطبعها وعيَّ بها زوجها في رياضتها على القراءة فضلًا عن الكتابة.

ولكننا نستمع إلى حوارها مع راهب الفكر فإذا هي تساجله فكرة بفكرة، وفطنة بفطنة، وبراعة ببراعة؛ فتقول له مثلًا إذا تمنَّع من رؤيتها في ملعب التنيس: «يجب أن تهبط إلى ملعبي لترتفع بي. هكذا يفعل الأنبياء دائمًا، يهبطون إلى الناس حتى يستطيعوا بعد ذلك أن يصعدوا بهم إلى السماء، ولم يحدث قط غير ذلك. ولا تنتظر أن أصعد أنا إليك توًّا بغير أن تهبط أنت إليَّ وتأخذ بيدي …»

ثم نقرأ كلامها في الكراسة الحمراء فإذا هو كلام أديب وصافة لا تفوته خلجة من خلجات الوهم، ولا لفتة من لفتات الملاحظة، ويبدو عليها أنها أستاذة في هذا الفن وليست بالتلميذة الناشئة التي تتعثَّر فيما تحس وفيما تقول.

فمناسبة اللقاء هنا بينها وبين راهب الفكر ضعيفة، وأضعف منها سبب التعارف بينه وبين زوجها؛ لأنه ذهب إليه يشكره على اهتمام زوجته بقراءة كتبه، ولم تكن بينهما رابطة تدعوهما إلى اللقاء غير هذه الرابطة، ومنها استحكمت الصلة بينهما حتى أطلعه الزوج فجأة على سر بيته وبيوت أقربائه.

وفي الرواية صفحات طوال عن النساء اللواتي يحسبن مثلًا في التاريخ للزوجات الوفيات، وكل مناسبتها في صلب الرواية أن راهب الفكر كتبها إلى طيف الفتاة بعد لقائها، واشتغاله بأمرها، وهو ينوي أن يطويها عنها ولا يطلعها عليها. وقليلًا ما يخطر على البال المشغول بامرأة في عصمة رجل آخر أن يجعل أحلامه كلها بقديسات الوفاء الزوجي، وهو يكتبها لنفسه ولا يقصد بها عظة الفتاة وتعليمها.

وتشيع في الرواية مناسبات المواقف ومداخل الشخصيات من هذا القبيل، ولكنها ملاحظة على الشكل لا تنفذ إلى جوهر الموضوع، ويبقى بعد ذلك أن صفحات الرواية جميعها مادة قراءة فنية تحليلية قليلة النظير في أدبنا الحديث، بل في كل أدب حديث، وهي مما يعرض للمقارنة بينه وبين ثمرات الأقلام التي تجود بها قرائح الممتازين من أدباء الغربيين في هذا الجيل.

ويلحق بهذه الملاحظة الشكلية هفوة هنا وهفوة هناك من هفوات اللغة المطروقة كمساق في موضع سوق، ونشوى في موضع نشوة، وتعدية الأفعال بغير حروفها أو في غير مواضعها، وهي جد قليلة في أكثر من ثلاثمائة صفحة من الحرف الدقيق.

ولكن الملاحظة التي تدخل في جوهر الموضوع هي الملاحظة التي تدور على حدود الوصف «المكشوف» في الروايات والكتب عامة.

فالأستاذ توفيق الحكيم من أغنى الكتاب القاصين عن إثارة التشويق والتطلع، بالإفاضة في تصوير الغرائز التي لا حاجة إلى تصويرها؛ لأنه يملك زمام التشويق بوصفه لأنزه خواطر الفكر وأرفع سبحات الروح، فلا حاجة به إلى تنبيه الغرائز في زمن شكواه الكبرى فرط التنبيه في غرائز أهله.

ولهذا وددنا لو خلت الرواية من صفحتين أو ثلاث لا يضطرنا السياق إلى إثباتها، وإن ذلك لخليق بالكاتب المتحرج الذي وصل إلى الفتنة فدق للنجاة منها جرس التليفون … لكيلا يسمح لغريزته أن تنطلق إلى مداها.

على أن صديقنا الأستاذ — كما أسلفنا — متردد بين عتبة الصومعة وعتبة الحياة، ولم يزل مترددًا بين العتبتين من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة.

ففي هذه الصفحة الأخيرة يقول عن راهب الفكر: «أما هو فقد رجع إلى عاداته السابقة … يفضُّ رسائل قرائه في الصباح بَاسِمَ الثغر هادئ الأعصاب، وإذا هو بعد زمن قليل قد وقعت في يده رسالة بين البريد، ارتجف لها؛ إنها من امرأة تسأله أن يحدد موعدًا للقائها؛ لأنها تريد أن تحادثه في شأن من شئون الأدب والفكر! … فصاح في نفسه: لا، لا، كفى … ألم يعرفهن؟ … وضغطت أصابعه على الرسالة يريد أن يمزقها …»

هكذا كتب الأستاذ توفيق في الأسطر الأخيرة من الصفحة الأخيرة عدا سطرين اثنين.

ولو ختم الرواية بعدما تقدم لأحجم الأديبات عن سؤاله، وعلمن أن التمزيق العاجل نصيب تلك الرسائل التي يكتبنها إليه …

وهو يريد ولا يريد.

وهو يتردد بين الصومعة والحياة.

ولهذا اتكل على الله وختم الرواية معتصمًا بالشجاعة فقال: إن «الشجاعة ليست في تجنب مزالق الجسد وتحاشي مواطن الزلل، بل في مواجهتها بمصباح الحقائق وهو المثل العليا.»

ومصباح الحقائق إذن هو الكفيل بانتظام البريد في مجراه، وليكتب إذن من يكتب؛ فإن راهب الفكر شجاع!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.