كنت أريد أن أخصص هذه الكلمة لطائفة من الخواطر عرضت لي أثناء سياحتي هذه. لكني أُنفِق جزءًا من الوقت في قراءة الصحف المصرية التي تصل إليَّ. ولذيذةٌ جدًّا قراءة هذه الصحف المصرية في هذا الجو الذي أعيش فيه الآن، حيث لا أسمع كلمة عربية إلا من صاحبي، وحيث لا أشعر بما يشعر به المصري في مصر من اشتراك الحس والعاطفة والرأي بينه وبين مواطنيه، وحيث أشعر بالعزلة المطلقة في كثير من الشئون، وحيث أسمع الفرنسيين من حولي يتناقشون في شئونهم المختلفة في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، في رفق إذا تناقشوا في أدب أو علم أو فن أو في شيء يقرب من ذلك، وفي عنف إذا تناقشوا في السياسة. والفرنسيون يتناقشون في السياسة كثيرًا هذه الأيام؛ لأن موقفهم السياسي يدعو إلى المناقشة، فهناك أحزاب كانت تحكم فنالتها الهزيمة الانتخابية، وهناك أحزاب كانت تعارض فنالها النصر الانتخابي، فهي الآن تصرِّف أمور الحكم، فحكَّام الأمس معارضو اليوم، ومعارضو أمس حكَّام اليوم. ولذيذٌ جدًّا أن تسمع هؤلاء الناس يتناقشون، ولكني سأحدثك عن هذا في غير هذا المقال.

قلت إني أقرأ الصحف العربية التي تصل إليَّ من مصر، وقد قرأت فيما قرأت نبأً دعاني إلى التفكير ففكرت، واضطرني إلى الكتابة فأنا أكتب الآن.

قرأت أن البرلمان المصري قد أقرَّ وزارة المعارف على إلغاء مجلسها الأعلى وإنشاء لجنة فنية تقوم مقامها. وقرأت المرسوم الذي صدر بإنشاء هذه اللجنة وتنظيمها، وقرأت فصولًا في «السياسة» تناول كاتبها هذا الموضوع بالبحث والنقد.

وفي الحق إن هذا النبأ لم يدهشني في نفسه، فأنا أعلمه منذ وثبت الوزارة السعدية إلى مناصب الحكم! نعم، لم يكد رئيس الوزراء يؤلِّف وزارته ويذيع برنامجه ويتقبل تهنئة المهنئين حتى لقيت صديقًا من السعديين المخلصين الذين لا تمنعهم سعديتهم الخالصة أن يكون بينهم وبين غير السعديين ولاء، وكان صديقي هذا من أصحاب المكانة في وزارة المعارف، فتحدثنا عن وزارة المعارف.

وعلمت من هذا الحديث أن الوزارة السعدية تكره نظام التعليم، أو بعبارة أصح تكره النظام الذي بدأ في إيجاده زكي باشا أبو السعود في وزارة التعليم، وأنها تريد أن تنقض هذا النظام كله فتلغي ما تم منه وتعدل عما لم يتم. وكان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه سياسة التعليم إلى وجهتين قيمتين: الأولى أنه أنشأ المكتب الفني، الثانية أنه اعترف باستقلال التعليم العالي، أو اعترف بحق هذا التعليم العالي في الاستقلال، وأخذ يهيئ له الوسائل ويمهد إليه السبل. فلم يكن بدٌّ للوزارة السعدية من أن تنقُضَ هذا النظام وتستبدل منه نظامًا آخر.

فبدأت بهذا المكتب الفني فشلَّته وحرمته من كل سلطان، حتى إن أعضاءه كانوا لا يجدون لأنفسهم في الوزارة عملًا، ثم تحوَّلت أعمال المكتب الفني كلها إلى وكيل الوزارة وسكرتيرها العام. ثم فكرت الوزارة السعدية في أن تخلص من استقلال التعليم، فسلكت إلى ذلك سُبُلًا مختلفة: الأولى أنها أسدلت على مشروع الجامعة ستارًا كثيفًا، وراوغت كلما سئلت عنه في البرلمان. وليس لهذا كله سبب إلا أن مشروع الجامعة كان يقضي بالاستقلال التام للتعليم العالي، وأن وزارة المعارف السعدية لم تكن تستطيع أن تتصوَّر استقلال التعليم، وإنما كانت تريد أن يخضع لها كل شيء خضوعًا تامًّا، لا فرق في ذلك بين التعليم وغير التعليم من مرافق الدولة، ولا فرق في ذلك بين التعليم العالي وغيره من أنواع التعليم.

ولعل القارئ يذكر هذه الكلمة الغريبة التي قالها في مجلس النوَّاب صاحب الدولة رئيس الوزراء حين ذُكرت الجامعة. وهي أنه لا يفهم معنى الجامعة، ولا يفهم فائدة الجامعة للأمة … ولعل القارئ يذكر أنَّا كتبنا حول هذه الكلمة فصلًا فسَّرناها فيه تفسيرًا نعتقد أنه لا يحتمل الشك، ونعيده الآن تذكرةً وتبصرةً، وهو أن الوزارة السعدية تكره الجامعة وتتلكأ في إنشائها، لا لشيء إلا لأن الجامعة بطبيعتها مستقلة في أمر التعليم، كما أن المحكمة لطبيعتها مستقلة في أمر القضاء. وكل وزارة نشأت وقامت على هذا النحو الذي نشأت عليه الوزارة السعدية فهي منصرفة بطبعها عن هذه الهيئات المستقلة التي لا تخضع لسلطان الحكومة خضوعًا تامًّا. ولكن زكي باشا أبو السعود كان قد مضى في تحقيق الاستقلال للتعليم العالي إلى أمدٍ غير بعيد؛ فأنشأ المجالس الإدارية للمدارس العليا ومنحها استقلالًا داخليًّا يوشك أن يكون تامًّا، وأصدر بذلك قوانين لم يكن بدٌّ من إلغائها أو من إيجاد طريقة للتخلص منها، فلم يكن لوزارة المعارف السعدية بدٌّ من أن تخلص من هذا الاستقلال الداخلي الذي منحه زكي باشا أبو السعود للمدارس العليا. وكيف تخلص من هذا الاستقلال؟ الأمر يسير! فيكفي أن تقرأ المرسوم الذي صدر بإنشاء اللجنة الفنية التي تخلف المجلس الأعلى لتفهم كيف قضت الوزارة السعدية على استقلال التعليم.

ذلك أن قرارات هذه المجالس الإدارية للمدارس العليا تعرض بحكم هذا المرسوم على هذه اللجنة الفنية فترى فيها رأيها. وهذه اللجنة الفنية نفسها ليست مستقلة وإنما آراؤها وقراراتها جميعًا خاضعة كل الخضوع لإرادة الوزير. وإذن فقرارات المجلس الأعلى خاضعة للجنة الفنية، وقرارات هذه اللجنة خاضعة للوزير. وإذن فالوزير هو كل شيء، لا في المسائل الإدارية ولا في المسائل المالية ولا في نحو هذه المسائل مما يمس نظام التعليم عن بعد، بل في نظام التعليم نفسه، بل في جوهر التعليم. وإذن فهذا الوزير البرلماني الذي هو بحكم الدستور وبحكم الحياة البرلمانية خاضع للظروف السياسية وصروفها، يرقى اليوم إلى منصب الوزير ليتركه غدًا. هذا الوزير الذي لا يستطيع أن يضمن البقاء في منصبه يسيطر على سياسة التعليم في جميع فروعه. فإذا كان الوزير من أولي الرأي في التعليم فوضع له سياسة ما وأخذ في تنفيذها ثم أصابته المحن البرلمانية فنزل عن منصبه فليس ما يضمن أن الوزير الذي سيخلفه سيمضي في تنفيذ سياسته. وأكبر الظن أن هذا الوزير سيلغي ما أقرَّ الوزير السابق كما ألغى صاحب الدولة سعيد باشا ما أقر صاحب المعالي زكي باشا أبو السعود.

يجب أن نكون منصفين وأن نرد الأمور إلى نصابها، وأن نقول الحق، ولكن في رفق ولطف. فنحن مدينون بهذا الرفق واللطف للمرحوم عاطف باشا بركات. الناس جميعًا يعلمون أن عاطف باشا بركات كان رأس وزارة المعارف وقلبها، به تشعر وزارة المعارف، وبه تفكر وزارة المعارف، وإليه تنتهي أمور وزارة المعارف. وإن صاحب الدولة سعيد باشا كان يقوم من هذه الوزارة مقام غيره من الوزراء الدستوريين. كان يؤمن بكفاية عاطف باشا بركات ومقدرته الفنية، فيكل إليه الأمور الفنية كلها ويمثل هو وزارته في مجلس الوزراء وفي البرلمان تمثيلًا سياسيًّا لا أكثر ولا أقل.

وإذن فالذي أحدث هذا التغير في وزارة المعارف هو في حقيقة الأمر عاطف باشا بركات، وإن كان المسئول عنه هو صاحب الدولة سعيد باشا بركات، كان رجلًا يمتاز بالقوة والحزم، أو شيء أكثر من الحزم، وكان تحت السلطان والسيطرة، كان يجب إذا أشرف على شيء أن ينتهي إليه كل شيء، وكان رجلًا خُلِقَ للإدارة، ولعلنا لا نظلمه إذا قلنا إنه لم يكن قد خُلِقَ للتعليم، فأراد أن يشرف حقًّا على وزارة المعارف، فهيأ لذلك من الأسباب ما هيأ، ثم استأثرت به رحمة الله قبل أن يبلغ من هذا الإشراف ما كان يريد. وترك لخلفائه في وزارة المعارف عبئًا ثقيلًا جدًّا نعتقد أنهم قد لا ينهضون به، وأنهم قد لا يحبون أن ينهضوا به. وأصبحت بذلك وزارة المعارف بين اثنتين: إمَّا أن تمضي في هذه السياسة التي وضعها عاطف باشا بركات رحمه الله؛ وإذن فلا بدَّ لها من عاطف باشا بركات، وهي إن ظفرت بعاطف باشا بركات، فلن توفق من هذه السياسة إلى خير؛ لأنها سياسة سيئة شديدة الخطر على التعليم؛ فقد نفهم المركزية في كل شيء، نفهمها في المسائل الإدارية، ونفهمها في غير هذه المسائل. ولكنَّا نزعم أن فهمها في التعليم مستحيل؛ لأن التعليم فن خالص أو هو فنون مختلفة لا يمكن أن تجتمع لرجل واحد، ولا لهيئة واحدة، وإنما يجب أن يشرف عليها الفنيون المختلفون وأن يكون لهؤلاء الفنيين حظٌّ موفورٌ من الاستقلال يضمن لهم التوفيق إلى ما يريدون، وإمَّا أن تعدل وزارة المعارف عن السياسة المركزية التي كانت مسيطرة على شئون التعليم أيام الإنجليز، والتي تريد أن تسيطر على شئون التعليم أيام الوزارة السعدية.

وإذن فلا بدَّ لوزارة المعارف من أن تنقض ما أبرمه عاطف باشا بركات، وأن تطلب إلى البرلمان نقض ما أبرم في أمر اللجنة الفنية، وأن تضع سياسة جديدة للتعليم هي نفس السياسة التي كان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه إليها وزارة المعارف، وإذا فعلت وزارة المعارف هذا فحدِّث عن هذا الوقت الضائع، وعن هذه القرارات المضطربة التي ينقض بعضهًا بعضًا، ولكننا نرجِّح أن وزارة المعارف لن تسلك هذه الطريق، فقد يكون الخير في أن تسلكها، ولكن الوزارة ستجد شيئًا من الغضاضة في الاعتراف بهذا الخطأ العظيم، وفي أن تنقض اليوم ما أبرمت أمس.

هناك قاعدة هي المثل الأعلى في أمر التعليم، ولكنها بعيدة كلَّ البعد عن الحقيقة الواقعة. لم تقتنع بها الأمم الراقية في أوروبا بعد، فمن المعقول ألا تفهمها مصر. هذه القاعدة هي أن يكون التعليم كالقضاء مستقلًّا الاستقلال كله عن السياسة لا تناله صروفها ولا تعبث به خطوبها، وأؤكد لك أن التعليم أحقُّ بالاستقلال من القضاء: لِمَ يستقل القضاء؟ لتكون حقوق الأفراد بمأمن من الأهواء السياسية. حقوق الأفراد … أمَّا التعليم فهو لا يتناول حقوق الأفراد، وإنما يتناول حياة الأمم كلها، يتناول حياتها الحاضرة ويتناول حياتها المستقبلة، يتناول كلَّ موقفها، ويتناول كل آمالها. فإذا كان القاضي خليقًا بالاستقلال ليبيع الناس وليشتروا في أمنٍ ودعةٍ، أفلا يكون المعلم خليقًا بالاستقلال لتحيا الأمة وتنمو وترقى بمأمن من الشهوات السياسية التي لا تنتج في التعليم إلا شرًّا؟ … وبين يدي مثلٌ قائم أختم به هذا الفصل، وهو أمر التعليم الثانوي في فرنسا.

في السنة الماضية أصدرت وزارة بوانكارية — وأقرتها كثرة البرلمان — نظامًا لهذا التعليم يقضي بتعليم اللاتينية واليونانية في المدارس الثانوية للبنين والبنات، وأخذت وزارة المعارف في تنفيذ هذا النظام منذ أكتوبر الماضي، ثم كانت الهزيمة الانتخابية التي أصابت بوانكاريه وأصحابه، وكان انتصار الاشتراكيين وأصحابهم، وهم يكرهون اللاتينية واليونانية، ويؤثِرون التعليم الذي يُسمَّى تعليمًا حديثًا. فلم يكد يجتمع مجلس النوَّاب الاشتراكي حتى قررت لجنة التعليم فيه إلغاء النظام الذي وضعته الوزارة السابقة وأقره المجلس السابق. ولن يدوم السلطان لهذا المجلس، بل لا بدَّ أن يعود السلطان لأصحاب بوانكاريه، ويومئذ يقرر مجلس النوَّاب إلغاء هذا النظام والعودة إلى اللاتينية واليونانية. وموضوع هذا العبث ليسوا ألفًا أو آلافًا من الموظفين كما هو الأمر في مصر، وإنما موضوع هذا العبث هو الجيل الناشئ كله عن هذه الأمة الفرنسية. فهل نستطيع أن نعتبر؟ وهل نستطيع أن نسبق إلى جعل التعليم فوق السياسة أو بمعزل عن السياسة على أقل تقدير؟

بوليجين، في ١١ أغسطس سنة ١٩٢٤

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.