نشرت الصحف أن الحكومة رصدت خمسين ألفًا من الجنيهات لترجمة أمهات الكتب في الأدب العالمي، وعهدت إلى الدكتور طه حسين في الإشراف على هذا العمل، وهذا تصرف جدير بكل ثناء؛ فالمكتبة العربية بحاجة إلى أن تنقل إليها أمهات الكتب في الأدب العالمي، والفلسفة العالمية، والعلوم والفنون وما إليها. وقد كان هذا المجهود ملقًى حتى اليوم على عاتق الأفراد، وكانت الدولة لا تشترك فيه بأكثر من التشجيع المعنوي، فكان سيره لذلك بطيئًا غاية البُطء، وكان القارئ العربي مضطرًّا إلى أن يدرس لغة أجنبية إذا هو أراد أن يطَّلع على الحياة الفكرية في العالم. أما الذين لم يُواتهم الحظ بدراسة لغة أجنبية أو أكثر، فقد كان مجالهم مقصورًا في حدود الكتب القديمة، والمؤلفات العربية الحديثة، والكتب القديمة فيها كثير قيِّمٌ لا ريب، لكن تقدُّم العلوم والفنون والآداب في العصر الحاضر جعل الكتب العربية القديمة أدنى إلى أن تكون وثائق لدراسة تاريخ عصرها منها إلى أن تكون غذاءً فكريًّا للعصر الحاضر. أما المؤلفات الحديثة، وفيها القيِّم كذلك، فقليلة بالقياس إلى ما ينشر في أي لغة غير العربية، وقلَّته تجعل مجال المُطلعين عليه أضيق من أن يحيط بالحياة الفكرية العالمية الإحاطة الواجبة لمن يعيش في عصرنا، والتي تقتضي صاحبها سياحة في الأفق تتناول الماضي والحاضر، وتتناول أقطار الأرض جميعًا.

ولسنا بذلك نغمط حق الأفراد الذين توفروا على ترجمة الكتب الأجنبية إلى لغتنا العربية، أو ننكر فضلهم، بل الأمر على العكس، ولن يستطيع أحد أن ينكر فضل السابقين من هؤلاء، أمثال: فتحي زغلول، وخليل مطران، ومحمد السباعي، وعبد العزيز محمد، وغيرهم ممن ترجموا الكتب الأجنبية في الجيل الماضي، ولا ينكر أحد كذلك فضل المعاصرين الذين ينقلون الكتب القيمة إلى لغتنا، وأمامي الآن كتاب (المصري — دنيا سنوحي) الذي نقله الأستاذ حامد القصبي إلى العربية، وقدم له الدكتور طه حسين، وهو يشهد بالجهد الصالح الذي بُذل في ترجمة هذه القصة الجليلة، وأمامي كذلك طائفة من الكتب التي ترجمت بعناية مؤسسة فرانكلين الأمريكية، والتي تقصد إلى التقريب بيننا وبين العالم الجديد. وهذا كله وما إليه من مثله حسنٌ وجدير بكل حمد وثناء، لكنه مع ذلك لا يبلغ بنا إلى الغاية المرجوة، ولا يتيح لقرَّاء العربية الاتصال الكامل بالتفكير الإنساني في مختلف صوره الفنية والعلمية والأدبية في مختلف العصور وفي مختلف الأمم.

ونحن حين نتكلم عن المكتبة العربية لا نقف من أمرها في حدود مصر، بل نتخطى هذه الحدود إلى العالم العربي كله، وإلى كل مكان يوجد فيه من يقرءون العربية. والعالم العربي المترامي الأطراف من المحيط الأطلسي إلى حدود إيران يشعر كله بالحاجة إلى تذوق الآثار الفكرية الرفيعة من أرجاء العالم كله، ويشعر بافتقاره إلى العلم بما تنطوي عليه تلك الآثار. وشعوره بهذا قوي غاية القوة، ويزيده قوة أن القرون الأخيرة التي مرت بالعالم العربي، والتي خضع أثناءها لحكم الأجانب عنه أو لحكم أبنائه الجامدين المتعصبين قد ضربت حوله نطاقًا من الجمود، ولا أبالغ إذا قلت من الجهل، جعله في عزلة عن حياة العالم العقلية إلى مدًى بعيد، وهذا العالم العربي قد نفض عنه غبار ذلك الجمود، وقد فتح عينيه واسعتين يريد أن يلتهم بعقله وقلبه كل ما أثمرته هذه الحياة العقلية العالمية؛ لتتاح له الفرصة كاملة كي يعيش مع غيره من دول العالم وشعوبه عيشًا كريمًا، يبادله علمًا بعلم، وفنًّا بفن، وأدبًا بأدب، ولا يكون عالة على غيره متخلفًا وراءه، مكتفيًا من الحياة بما يقيم الأود المادي، ثم يذر الروح الإنسانية في غفوتها وغفلتها عاجزة عن إدراك المعاني السامية إدراكًا هو وحده الذي يجعلها جديرة بأن تستمتع بالحياة استمتاعًا إنسانيًّا صحيحًا.

ولا أحسب أحدًا يذهب اليوم مذهب الجامدين من أبناء الجيل الماضي ممن كانوا يظنون أننا في غنًى بما عندنا عمَّا عند غيرنا، وأن ما خلَّفه سلفُنا يكفينا أبدَ الدهر؛ فذلك رأي لا يقول به مَن يُدرك أن العالم يتطور ويتغير، وأنَّا في حاجة إلى تبادُل ثمرات العقول مع غيرنا كحاجتنا إلى السلع والمنافع المادية مع هذا الغير، ولنا في سلفنا نفسه أسوة حسنة، ففي العصور الإسلامية الأولى نقل العرب والمسلمون إلى اللغة الفصحى فلسفة اليونان، وفقه الرومان، ونقل الذين أسلموا من أبناء فارس صورًا من فنونهم وآدابهم ومظاهر تفكيرهم، فكان لما فعل هؤلاء وأولئك أثره في النهضة الإسلامية الأولى؛ إذ أقامت هذه النهضة بناء الحضارة العالمية في عصرها، وفي العصور التي تلته.

ولا نظن أحدًا يذهب إلى أن السلف الذين نقلوا إلى اللغة العربية ما نقلوا من الآداب والعلوم والفنون لم يكونوا يعلمون بما خصَّهم الله به من فضله، بل هم كانوا يُؤمنون بأن هذا الفضل يقتضيهم مضاعفة الجهد؛ للإحاطة بحياة الإنسانية العقلية والروحية إحاطة تجعلهم قادرين على توجيه هذه الحياة الوجهة الصحيحة الجديرة بالإنسانية في عصرها.

ولم يكن العرب والمسلمون وحدهم هم الذين أفادوا من نقل ما خلف غيرهم من الآثار إلى لغتهم؛ ليزدادوا بذلك فضلًا وقوة، وليُساهموا في بناء الحضارة مُساهمة تكفل لهم الكرامة والعزة بين الأمم، بل إن الأمم التي بلغت من الرقي أكرم مكان هي التي حرصت على نقل التراث العالمي إلى لغتها، فليس بين كتب الأدب العالمي الرفيع في مختلف العصور ما لم ينقل إلى الفرنسية، وإلى الإنجليزية، وإلى الألمانية، وإلى كل لغة حية، ولا يقتصر النقل على آثار الجيل الذي تعيش الأمة فيه، بل يتناول آثار الأجيال كلها، فكتب أرسطو وأفلاطون وكتب العصور الوسطى في أوروبا وآداب الأمم المختلفة ذات القيمة، هذه كلها ترجمت إلى اللغات المختلفة غير مرة. تُرجم شكسبير وملتون وكبار الشعراء الإنجليز والكتاب والفلاسفة إلى اللغات كلها، وحدث ذلك في شأن الكتاب الفرنسيين والإيطاليين والألمان والروس وغيرهم. ولغتنا العربية، مع الشيء الكثير من الأسف، هي التي بقيت متخلفة في نقل الآثار العالمية الرفيعة للاعتبارات التي أسلفنا، والتي لم يبق لها في حياة هذه الأمم العربية اليوم موضع. أما وقد نهضت العربية فإنَّا لنطمع في أن تُنقل إليها خيرُ الآثار الإنسانية؛ لنُساير غيرنا من الشعوب في سعيها الحثيث نحو حضارة أرقى، وعالم أفضل.

ونقل أمهات الأدب العالمي إلى لغة ما ليس لونًا من الترف، ولا فرضًا من فروض الكفاية، بل هو ضرورة لا غنى عنها تزيد الحياة القومية تمكينًا، وتسمو بالمجتمع إلى المكانة الواجبة لكل شعب يحترم نفسه؛ فكلنا نعلم أن الغذاء العقلي والغذاء الروحي من ضرورات الحياة القومية كالغذاء المادي سواء، وما يتغذى به العقل والروح في شعب من الشعوب هو المقياس لدرجة الرقي التي بلغها هذا الشعب، فإذا كان هذا الغذاء فجًّا رخيصًا؛ فكان الشعر الذي يتغنى به الشعب والقصص الذي يصور للشعب ألوان الحياة من النوع الرخيص لم يكن ذلك دليلًا على انحطاط الشعب وكفى، بل كذلك دليلًا على تحلل روابطه، وتفكك أوصاله. أما إذا كان الغذاء العقلي والروحي الذي يقدم للشعب دسمًا، وكان الشعب قادرًا على استساغته وهضمه، فذلك شاهد على قوة ما بين عناصر هذا الشعب من روابط، وعلى أن أبناءه حين يتحدثون فيما بينهم يصورون رغائبهم وآمالهم، يرتفعون بتفكيرهم إلى المستوى الذي تحتوي عليه الآداب التي يقرءونها، ويستطيعون بهذا السمو الفكري أن يكونوا قوة توجه حياة العالم في أكرم الميادين وأسماها.

أمَا ولنقْلِ الآداب العالمية هذا الأثر، فإنا نرجو الدكتور طه حسين ونرجو من يعنيهم الأمر أن يضيفوا إلى النقل وضع تراجم وافية لمن ينقلون آثارهم من كبار الشعراء والكتاب، فتفكير الكاتب وأسلوبه وطريقة تصويره للحياة تتأثر إلى حد كبير بحياته هو وبوراثته وتربيته الأولى، وبالبيئة التي نشأ فيه، وبحياة قومه في نواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. هو في الواقع ثمرة لهذا كله، فالترجمة له ترجمةً وافية تُعاون على فهم آثاره فهمًا صحيحًا، وما من كاتب أو شاعر أو مفكر إلا ترجم له في اللغات المختلفة ترجمة وافية. إن هذه الترجمة تقتضي جهدًا لا يقل عن الجهد الذي يحتاج إليه النقل من لغة إلى لغة إن لم يزد عليه، لكن الترجمة للعظماء تكمل آثارهم، وتبرز لقرائها أسرار تفكيرهم، ودوافع هذا التفكير، ومعرفة هذه الآثار في حسن تصور ما خلفه العظيم من أثر.

ورجاء آخر أوجهه لمن أنعم الله عليهم بالسعة في الرزق: إن ما رصدته الحكومة لهذا العمل الجليل رمز صالح، ولكنه لا يكفي للنهوض بهذا العمل، فهل لهؤلاء الأغنياء أن يساهموا في هذا العمل العظيم. نرجو أن تقدر المؤسسات وكبار الأغنياء أنهم حين يقومون بهذه المعاونة إنما يؤدون واجبًا عليهم لوطنهم، وللعربية كلها، وخير الناس من أدى واجبه في الحياة، والله يجزي من أحسن عملًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.