مهما يَقُلْ خصوم وزير المالية فلن يستطيعوا أن ينكروا أنه جريء، جريء على كل شيء، جريء على كل إنسان، جريءٌ لا يدانيه في الجرأة أحد من الذين سبقوه إلى وزارة المالية بالأصالة أو بالوكالة في هذا العهد السعيد.

لا يدانيه في هذه الجرأة صدقي باشا نفسه وقد كان للمالية وزيرًا أصيلًا، ولا يدانيه في الجرأة دوس باشا أو شفيق باشا، وقد كانا للمالية وزيرين وكيلين، ثم لا يدانيه في الجرأة علي ماهر باشا نفسه، وقد كان وزيرًا للمالية في عصر عُلِّق فيه الدستور تعليقًا؛ فهؤلاء جميعًا قد شرفوا وزارة المالية تشريفًا، وصرفوا أمورها تصريفًا، وكانوا فيها أقوياء أشداء يأمرون فيُطاعون ويدعون فيُجابون.

كلهم اختلف مع وكيل المالية عبد الوهاب باشا في القليل والكثير، وفي الضئيل والخطير، ولكنهم جميعًا لم يفكروا أو لم يقدروا على أن يتخففوا من وكيل المالية لا بالإقالة ولا بقبول الاستقالة لا بالنقل ولا بالعزل، لا بالإعراض ولا بالمغاضبة، وإنما كانوا يختلفون ثم يتفقون، ويبقى الوزير وزيرًا، ويبقى الوكيل وكيلًا، وتنفرج الأزمات على حدتها وتُحَلُّ العُقَد على شدتها، أما وزير المالية القائم فرجل جريء لا يحب المداورة والمناورة، ولا يقبل الأناة ولا الهوادة وإنما يقول فيعمل ويهم فيتم وقد غضب على وكيل المالية بحق أو بغير حق.

فهذه مسألة ثانوية، غضب عليه فأبى إلا أن يخلص منه. وقد سعى الساعون في الصلح وألح المُلِحُّون في التوفيق فلا وزير المالية لَانَ، ولا وكيل المالية استكانَ. ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن يُقطَع الحبل وتُفصَم العروة، وتخلص وزارة المالية لأحد هذين الرجلين العظيمين.

والناس يقولون منذ أزمان وأزمان إن السفينة لا تأمن الغرق، إذا أشرف على أمورها رئيسان، ولكن هذه الحكمة السائرة كانت كغيرها من الحِكَم كلامًا يُقال وحديثًا يُروَى، ثم لا يحفل به القائلون، ولا يعمل به العاملون، إلى أن تولَّى صبري بك أمور وزارة المالية. فظهر أن الحكمة لم تُرسَل لتُهمَل وإنما أُرسِلَتْ ليعمل بها الناس، وظهر أن هذه الحكمة بعينها خليقة أن يُعْنَى بها الوزراء ويضعوها موضع التفكير والتقدير، ثم موضع التنفيذ والتحقيق، وظهر أن سفينة المالية المصرية لا تستقيم لها الريح ولا يهدأ لها البحر، وإذا قادها رئيسان ماهران، كوزير المالية النابغة ووكيل المالية الفذ.

وتحدث الناس أن وكيل المالية استقال أو هَمَّ أن يستقيل وأن رئيس الوزراء وزملاءه جزعوا للحادثة، وفزعوا من الكارثة، فجدوا وكدوا، وأقدموا ثم ارتدوا، واستطاعوا بعد العنف العنيف، أن يحولوا بين الوكيل وبين أن يستقيل.

وتحدث الناس أن الوزير سيترك وزارة المالية إما إلى جنة في ديوان من دواوين الوزارة وإما إلى نار في داره أو في مكتبه القديم، والمعارضة الرسمية في مجلس الشيوخ، ولكن هذا الحديث لم يَكَدْ يسير ويطير ويصل إلى الوزير حتى ثارت الثائرة وفارت الفائرة، وغضب الدستور وسخط النظام؛ فالوزير لا يُقال ولا يُنقَل من أجل وكيل، وإنما يتم ما أراد أو يستقيل. ومضى الليل وتبعه النهار، وصفا الجو ثم غشيه الغبار، ولغط الناس ثم سكتوا، وقال المخبرون ثم صمتوا، ثم أصبحنا اليوم وإذا أحاديث تُذاع وتُشاع وتملأ الأسماع بأن الوزير قد فاز وقطع المجاز وانتهى إلى ما أراد برغم الخصوم والحساد، فلن يبقى عبد الوهاب باشا — فيما يقول الناس — وكيلًا للمالية، ولكنه سيُنقَل منها إلى وزارة المعارف، هنالك حيث يستطيع أن يفعل ما يريد بأعين وزير التقاليد في غير شقاق ولا وفاق، وفي غير خلاف ولا ائتلاف، فوزير التقاليد لا يحب الأخذ والرد ولا الدفع والشد، وإنما يسالم حين تكون المسالمة خيرًا، ويخاصم حين لا يكون بالمخاصمة بأس.

وكذلك تستقيم الريح لوزير المال فيمضي بسفينة المالية على بحر هادئ مستقر، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

ولسنا نبتئس ولا نبتهج؛ فليس في الأمر ما يدعو إلى ابتئاس ولا ابتئاس ولا ابتهاج، وإنما نروي ما يُقال ونُسجِّل ما سيكون، ونلفت الناس إلى أن وزيرًا جريئًا قد ظهر فيهم، وفذًّا نابغة قد أُهْدِيَ إليهم، وإلى أن النظام الحاضر لا خوف عليه فهو إن فقد صدقي باشا فقد كسب صبري بك، وكل ما في الأمر أن صدقي باشا كان يجمع إلى المالية رياسة الوزراء آخر الأمر، وكان يجمع إليهما وزارة الداخلية من قبل صعد صدقي باشا إلى هذه المناصب الثلاثة أول الأمر، ثم هبط منها إلى منصبين اثنين بعد ذلك، وكان يريد أن يهبط منهما إلى منصب واحد فزلت قدمه وأخطأ السلم، فهوى إلى الحضيض، أما صبري بك فهو جريء ولكنه لا يحب الطفرة، وإنما يحب أن يصعد على مهل ويرقى في أناة، ويسلك طريقًا معاكسة لتلك التي سلكها الدكتاتور العظيم، فهو يرقى إلى وزارة المالية أول الأمر حتى إذا ثبَّت فيها قدمه، وحكَّم فيها قلمه ارتقى درجة أخرى يختلف فيها الناس اختلافًا شديدًا، فبعضهم يقول إنه سيرتقي إلى الداخلية ويضمها إلى المالية بعد أن غضب الشعبيون على وزير الداخلية، ويقول هؤلاء الناس إن الحياة الدستورية تكفل المساواة بين الأحزاب المؤتلفة.

وكما أن وزير التقاليد قد اشترط للصلح أن يقبل حزب الشعب رياسة الدكتور رفعت باشا لمجلس النواب فإن الشعبيين سيشترطون للصلح أن تُضَمَّ الداخلية إلى وزير المالية، ويستريح القيسي باشا أو يتعب في عمل آخر لا يجعل له على النواب سبيلًا.

وقومٌ آخرون يقولون: بل سيرقى الوزير الجريء إلى رياسة الوزراء؛ لأن رئيس الوزراء صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا مغضب محرج، ضيق الصدر، منقبض النفس، كان يظن أن الحكم يسير فإذا هو عسير، وكان يقدر أن صدقي باشا سيذعن له إذعانًا، ويؤمن به إيمانًا، كما أذعن هو لصدقي باشا من قبل وكما آمن هو بصدقي باشا من قبل، وكما صبر هو على صدقي باشا من قبل حتى أخرجه من الوزارة إخراجًا، فإذا صدقي باشا ثائر لا يهدأ، مضطرب لا يستقر، صاخب لا يسكت، نشيط لا يريح ولا يستريح.

وكان رئيس الوزارة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا يظن أن رئيس الوزراء إذا كان نزيهًا فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله، انبعثت منه النزاهة، كما ينبعث الضوء من الشمس، والعرف من الزهرة، فملأت الوزارات والدواوين، وشملت الوزراء والموظفين، فظهر أن النزاهة لا تنتشر انتشار الضوء من تلقاء نفسها، وإنما تُفرَض على الناس فرضًا، ويُؤخَذ بها الناس أخذًا، ويتكلف رؤساء الوزارات في ذلك جهدًا معنيًّا مضنيًّا قد لا يحبه رئيس الوزراء. فهو يؤثر العافية ويفضل الراحة ولا يكره أن يترك الرياسة للقادر على الرياسة. وأي الناس أقدر على الرياسة وأحق بها من وزير ماليتنا الجريء؟!

والأيام المقبلة وحدها هي التي ستفصل بين المختلفين فترينا وزير المالية وقد سبق إلى الداخلية أو سبق إلى الرياسة، وربما أرتنا وزير المالية وقد وثب إلى الرياسة والداخلية في وقت واحد. فالناس يقولون إن الأجسام إذا سقطت من فوق إلى تحت تزايدت سرعتها في السقوط من ثانية إلى ثانية، ولكن الناس يجهلون أن الوزراء إذا صعدوا من تحت إلى فوق تزايدت سرعتهم في الصعود من بعض الثانية إلى بعض الثانية.

ولم يقف وزير المالية فيما يقول الناس دائمًا من الجرأة إلى نقل الوكيل بل سيُعيِّن وكيلًا آخر مكانه وسيستقدمه فيما يُقال من الإسكندرية خاصة لهذا الغرض، وقد كان الناس يستقدمون المرشحين لمنصب الوزارة من الإسكندرية وغير الإسكندرية، فسيشرع الوزير الجريء استقدام الوكلاء من بعيد كما يستقدم الوزراء من بعيد، ووزير المالية مقتنع بأن مصلحة الأملاك قد ارتقت في الأيام الأخيرة حتى كادت تبلغ النجم ويصعب على الناس الوصول إليها بفضل مديرها القائم، ووزير المالية مقتنع بأن هذا الرقي سيطرد ويزداد في ميعاد وفي غير ميعاد.

ووزير المالية مشفق أن يرقي مدير الأملاك بمصلحته إلى الأفلاك، فتنقطع الأسباب بينها وبين الناس ويعجز أصحاب المرافق عن أن يبلغوها بالطيارات فضلًا عن السيارات، وقد انقضت الأيام التي كان الناس يتخذون فيها سلالم إلى السماء!

ووزير المالية رفيق بالناس، شفيق عليهم، فسيقف ارتقاء مصلحة الأملاك عند حد، وسينقل إليها مدير التجارة والصناعة؛ لأنه رجل معتدل لا يحب الصعود ولا الهبوط إلا بمقدار، وسيذهب مدير الأملاك إلى مصلحة التجارة والصناعة؛ لأن اعتدال مصطفى الصادق بك وأناته وغلوه في التفكير والتقدير قد جعلت هذه المصلحة في حاجة إلى أن ترقى في الجو درجة أو درجتين أو درجات!

ووزير المالية مصمم أن ينقل العرابي بك من مصلحة التجارة والصناعة يوم تبلغ هذه المصلحة من الرقي والارتفاع أن تناطح السحاب، وفي كل حركة بركة كما يقول الناس؛ فجرأة وزير المالية لن تفيد وزارته وحدها، بل ستفيد وزارة أخرى هي في أشد الحاجة إلى الاستفادة، وهي وزارة المعارف، فكفاية عبد الوهاب باشا لا تقبل شكًّا ولا جدالًا، وإذا كان عبد الوهاب باشا صاحب مال الآن فهو صاحب علم من قبل، وهو صاحب إدارة في كل وقت. فانتقاله إلى وزارة المعارف سيفتح لها أبوابًا من الرقي الذي لا حد له في إدارتها وفي تعليمها وفي إنفاق أموالها أيضًا، وبركة هذه الحركة الجريئة لا تقف عند وزارة المالية ووزارة المعارف بل ستمس الجامعة، وإذا مست الجامعة فقد مست الشباب، وإذا مست الشباب فقد مست مصر، ومست مصر في يومها وفي غدها.

وكذلك يصح مذهب الفلاسفة الذين يقولون إن الحركة إذا ابتدأت فهي متصلة دائمًا إلا أن يعترضها مانع ثقيل، وحركة وزير المالية ستمس الجامعة؛ لأنها ستنقل إليها — فيما يقول الناس دائمًا — وكيل المعارف. والناس قد يسمعون هذا الكلام فلا يفهمونه على وجهه ولا يُقدِّرون نتائجه الخطيرة؛ فوكيل المعارف إذا تولى إدارة الجامعة بالِغٌ بها من غير شك أقصى ما يمكن أن تبلغه جامعة من رقي العلم والتعليم في كل زمان ومكان؛ لأن الله وحده هو الذي يستطيع أن يحصي الكفاية الجامعية لمدير الجامعة الجديد، وإني لأرحم أستاذنا لطفي السيد بك، وإني لأرحم صديقنا علي باشا إبراهيم لما سيصيبهما من خمول الذِّكْر ونسيان الناس. فستُمحَى آثارهما محوًا وسيريان وهما حيان أنهما لم يكونا من إدارة الجامعة في شيء، وأن الظروف قد أخطأت أو تعمدت الإساءة إلى الجامعة حين لم تشرفها منذ أُنْشِئَتْ بولاية المدير الجديد.

فإذا ظننت بعد ذلك أن وزير ماليتنا ليس وزيرًا جريئًا مباركًا ميمون النقيبة، فأنت رجل لا يعجبك العجب ولا الصوم في رجب، أما أنا فمتفائل إلى أقصى حدود التفاؤل، مبتهج إلى أقصى غايات الابتهاج.

ولك أن ترضى عني أو تغضب عليَّ؛ فليس يعنيني من ذلك شيء، إنما الذي يعنيني هو أن أعترف بالحق، والحق أن وزير المالية صبري بك شجاع مبارك جريء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.