تحدثتم منذ أشهر إلى المستمعين من هذه المحطة، فذكرتم أن العالم كان يتجه بتفكيره في نهاية الحرب العالمية الأخيرة نحو عالم أفضل، وأن هذا التفكير ارتد إلى عالم النسيان شيئًا فشيئًا خلال السنوات التي أعقبت الحرب؛ لأن سياسة العالم اعتمدت على القوة المادية، بدل أن تعتمد على المعنويات، وعلى القيم الأخلاقية والعاطفية السامية، ودعوتم العلماء والمفكرين ليبثوا الدعوة إلى هذه القيم وإقامة العلاقات الدولية على أساسها. ومن يومئذ تطور العالم وتطورت سياسته، فاتفقت الدول الأربع الكبرى على أن تسعى لإزالة ما بينها من توتر، ودعا مؤتمر باندونج إلى السلام دعوة اشتركت فيها تسع وعشرون دولة، بينها الصين الشيوعية، أفلا ترون أن العالم يعود بتفكيره إلى ما أردتموه من إقامة العلاقات الدولية على أساس من المعنويات والقيم الأخلاقية والعاطفية السامية؟

استمع إلي يا سيدي. أنا لست متشائمًا بطبعي، بل أنا أشد ميلًا للتفاؤل، لكن الأحداث علمتني أن المبالغة في التفاؤل ضرب من السذاجة لا يحتمله التفكير السياسي، وأنا لهذا مغتبط أشد الاغتباط بما تشير إليه من سعي الدول الكبرى لإزالة التوتر القائم بينها، مغتبط كذلك باتجاه كتلة قوية من الدول لتأييد السلام العالمي. وأنا أرجو من وراء هذا الاتجاه خيرًا كثيرًا. لكن اغتباطي ورجائي لا يدفعانني إلى الثقة بالمستقبل والاطمئنان له إلى الحد الذي يزيل من نفسي المخاوف، ويدعوني إلى الظن بأن عهد الحروب انتهى، وأننا نستطيع أن نعود بتفكيرنا إلى فكرة العالم الأفضل. ويزيدني حذرًا أن تفكير الساسة في إزالة التوتر أو في إقرار السلام لا يصدر منهم عن عقيدة تملي عليهم نظرية سامية لخير الإنسانية، بل يصدر عن خوفهم من النتائج التي تترتب على حرب ثالثة تكون القنبلة الذرية والقنبلة الهيدروجينية وما إلى ذلك من آلات الدمار بعض أدواتها، فالخوف لا العقيدة هو إذن مصدر هذا التفكير. ولشد ما أخشى أن ينطوي عقل الساسة الباطن على الشعور بأن كسب الزمن قد يمكِّن من التغلب على ما لأدوات الدمار التي استحدثت منذ الحرب الأخيرة من النتائج المدمرة، فإذا حدث ذلك عادوا إلى التفكير الذي سادهم في السنوات العشر الأخيرة فكان التوتر الحالي بعض آثاره. فإن تكن خشيتي هذه على أساس، فأرجو الله أن يظل لآلات الدمار أثرها الفتاك، وأن لا يهتدي العلم إلى التغلب على هذا الأثر، حتى يثبت الخوف فكرة السلام في النفوس، فإذا ثبتت فتحت الطريق من جديد للتفكير في العالم الأفضل. أما إن كان الساسة يقصدون مخلصين إلى إنقاذ العالم مما يعانيه اليوم، فإني أدعو لهم من كل قلبي بالتوفيق، وأدعو رجال العلم إلى معاونتهم ليفيد العالم من القوى الجديدة التي اكتشفت منذ فُتتت الذرة لرخائه وسعادته.

إن إجابتكم هذه يا سيدي تنطوي على كثير من التشاؤم لا يتفق مع مزاجكم المتفائل بطبعه، وكنت أرجو أن تكون أكثر تفاؤلًا؛ فقد ألغت روسيا الشيوعية الكومنفورم بعد زيارة البانديت نهرو إياها، فأذن ذلك بانصرافها عن فكرة الثورة العالمية القائمة على القوة. وقد خفضت أمريكا نفقات التسليح في ميزانيتها مما يدل على أن اندفاعها إلى التفكير في الحرب يقل شيئًا فشيئًا. وساسة إنجلترا أشد الساسة تحمسًا إلى اجتماع رؤساء الدول الأربع لإقرار السلام. ومشكلة الشرق الأقصى تهدأ مع الزمن هدوءًا يمهد له الإفراج عن بعض الطيارين الأمريكيين المعتقلين في الصين، فهلا يحملك هذا كله وما إليه من مثله على أن تكون أكثر تفاؤلًا مما دلت عليه إجابتك؟

إنني أشاركك الرأي يا سيدي في أن هذه الأحداث التي ذكرت تحمل على التفاؤل، وأستطيع أن أزيد عليها أحداثًا أخرى تحمل على التفاؤل كذلك، منها مؤتمر جنيف الذي عقد في يناير الماضي لوقف القتال في الهند الصينية ولحل مشكلتها. وكم أتمنى أن تسفر هذه الأحداث عن إزالة التوتر الذي يخيم الآن على الجو الدولي، وأن تؤدي أكثر من ذلك إلى إقرار السلام العالمي إقرارًا يمحو الحرب الباردة، وقد ملها الناس وسئموا تطاولها على السنين، وما أدت إليه من اضطراب في اقتصاديات العالم. أتمنى ذلك وإن كنت أخشى ما أتمنى، وليس التشاؤم هو الذي يدفعني إلى هذه الخشية، ولكنه الحذر، الحذر الذي يفرضه ما حدث في الماضي القريب، وأنت تعلم أن ما انتهى إليه مؤتمر جنيف من حل لمشكلة الهند الصينية لم يسفر عن إقرار السلام في هذه المنطقة، وأن الاضطرابات لا تزال تنشط بها مختلفة الصور والأسباب. وأنت تذكر حل روسيا الشيوعية للكومنفورم، ولا تذكر أنها تحاول إقامة اتحاد للأحزاب الشيوعية في أمم العالم المختلفة، وأن كثيرين يرون في هذا الاتحاد صورة جديدة للكومنفورم قد تكون أشد خطرًا في نشاطها مما كانت الدول الديمقراطية تخشاه من نشاط الكومنفورم السابق. وتذكر كذلك تخفيض أمريكا ميزانية التسليح ولا تذكر التجارب الذرية ووسائل الدفاع المدني التي لا تزال الولايات المتحدة تجريها. أنا لا أتهم واحدة من هذه الدول بأنها لا تريد السلام، لكن هذه الظاهرات تدلنا على أن كل واحدة منها تقف من الدول الأخرى موقف الحذر، مما يدل على أن الثقة بينها لا تزال منعدمة أو في حكم المنعدمة، وأن الخوف من الحرب هو الذي يحركها أكثر مما يحركها الإيمان بمبدأ جديد أو عقيدة جديدة تريد بهما سلام العالم وطمأنينته. لقد كان الساسة الذين اشتركوا في مؤتمر فيينا سنة ١٨١٥ يريدون أن يقروا السلام الأوربي، وكانوا يعملون لذلك عن إيمان، ولذلك استطاعوا أن يقيموا سلامًا امتد أكثر من نصف قرن. فإذا آمن الساسة اليوم بمثل ما آمن به أولئك الذين اشتركوا في مؤتمر فيينا منذ قرابة قرن ونصف قرن من الزمان، فقد يستطيعون أن ينقذوا العالم مما يعانيه اليوم. أما إن كان خوفهم من نتائج الحرب هو وحده الذي يحركهم، على حين تبقى نفوسهم منطوية على التوجس وعلى الاعتماد على القوة المادية، فلشد ما أخشى أن تكون مخاوفي قائمة على أساس متين، تستطيع أن تسمي أنت هذه المخاوف تشاؤمًا إن شئت، أما أنا فلا أراها إلا حذرًا أتمنى أن تزيله الأحداث التي يتوقعها العالم عما قريب.

فليكن احتياطك هذا الشديد يا سيدي حذرًا لا تشاؤمًا، فهل له في نظرك ما يوجبه وأنت أميل بطبعك إلى التفاؤل؟

نعم يا سيدي. لهذا الحذر ما يوجبه، فلا تنس أنني شهدت الحربين العالميتين وما بينهما، وتتبعت أحداث العالم منذ أوائل هذا القرن إلى وقتنا الحاضر. ولقد طالما تفاءلت وتفاءل أمثالي ونحن في شبابنا، ثم إذانا نرى تفاؤلنا هذا قصورًا على الرمل أو في الهواء. لما وقعت الحرب العالمية الأولى قيل لنا: إنها حرب في سبيل الحرية وفي سبيل احترام المعاهدات. وإن نسيت فلن أنسى الخطاب البارع الذي ألقاه سير إدوارد جراي في مستهل تلك الحرب الأولى. ثم إننا قيل لنا حين اشتركت أمريكا في تلك الحرب إن أمريكا تريد باشتراكها هذا أن تنهي عهد الحروب إلى غير رجعة. قال ذلك رئيس الولايات المتحدة فصدقناه، فلما كانت الحرب في ختامها وأعلن الرئيس ولسون شروط الهدنة، كان من بين هذه الشروط حق الأمم في تقرير مصيرها. فلما وضعت الحرب الأولى أوزارها إذا حق تقرير المصير يتوارى، وإذا الأمم الطامحة إلى الاستقلال تجاهد في سبيله بالقوة المادية، وإذا نغمة الحرية تكاد تختفي لتظهر من جديد بعد بضع سنوات. وأعترف أن العالم بعد تلك السنوات استمتع حقًّا بحرية سياسية واقتصادية واجتماعية لها قيمتها. لكنه ما لبث أن انتكس بفعل الديكتاتورية التي قامت في إيطاليا، ثم في ألمانيا، ثم أدت إلى الحرب العالمية الثانية. ومن يومئذ أصبحت الحرية أسطورة كالأساطير التي نسمعها عن عهود اليونان منذ ألفي سنة أو تزيد. ألا تعذرني يا سيدي إذا بلغت حيطتي حد الحذر؟ وهلا تراني متفائلًا ولا أزال آمل أن يسترد العالم صوابه، وأن يبني الحضارة، ويقيم مجدها على أساس الحرية من جديد؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.