هذا شهر الصوم، شهر العبادة؛ ().

في هذا الشهر يجب أن يتجرد الإنسان إلى الله، وأن ينسى رغبات جسده ونزوات نفسه، وأن يقاوم هذه الرغبات والنزوات، وأن يترفع عن كل منقصة، وألا يتحرك لسانه إلا بالخير، فإذا هفا عن غير عمْدٍ استغفر ربه وقال: اللهم إني صائم.

وفي هذا الشهر يجب أن يحاسب الإنسان نفسه عما قدَّم؛ إننا نقضي من السنة أحد عشر شهرًا في كدح وكفاح في سبيل الحياة، وكثيرًا ما يضطر الكدحُ والكفاحُ كثيرين إلى نسيان ما يوجبه المثل الأعلى فننزلق بأعمالنا، أو ننزلق بأفكارنا إلى ما لا يقره هذا المثل الأعلى، فإذا نحن لم نجد الفرصة لمحاسبة أنفسنا، وللأسف على ما لعله فرط منا، فقد نزداد اندفاعًا في إرضاء رغباتنا ونزواتنا، وقد يصل بنا هذا الاندفاع إلى حافة الإثم. فأما إذا نحن حاسبنا أنفسنا وأسفنا على ما فرط منا، وتبنا إلى الله وثُبْنا إليه؛ أدى ذلك بنا إلى مغفرته — جل شأنه — ذنوبنا، وإلى تراجعنا دون هذا الاندفاع الذي يوشك أن يجرفنا إلى شفا الإثم وإلى مهاويه.

وشهر الصوم خير فرصة لهذا الحساب ولهذه التوبة إلى الله، بل إنا لنستطيع فيه أن نسمو فوق أنفسنا إذا أمعنا في تطهير قلوبنا ووجداننا من كل رجس ودنس. إننا حين نشعر بأن جوفنا في حاجة إلى تطهير من سموم الغذاء والشراب لجأنا إلى الصوم ولو في غير رمضان، فكان الصوم لنا نعم الطهور، ثم شعرنا بالصحة تعود إلى أبداننا، كذلك الأمر فيما يتصل بضميرنا وقلبنا، فنحن في زحمة الحياة قد نثقل هذا الضمير وهذا القلب بما لا يطمئنان إليه، والصوم عن هذه الأمور التي أثقلت وجداننا إنما يكون بالاتجاه إلى الله لنبرأ منها بالاتجاه الصادق المخلص إليه جل شأنه.

وبالتوبة النصوح يطهر الوجدان، ويطمئن الضمير، وتسمو النفس إلى عالم علوي يتصل الإنسان فيه بنور الله؛ ذلك بأن الله أودع قلوبنا يوم خلقنا قبسًا من نوره جل شأنه هو الذي يهدينا إلى الإيمان، وهو الذي يسمو بنا إلى ما فوق أنفسنا في حياتنا العادية، فيجعل منا رجالًا صالحين يخشون ربهم، فيرضى عنهم، ويرضون عنه.

ولسنا بحاجة حين نتوجه إلى الله لأية معونة من غيره؛ فليس في الإسلام اعتراف، وليس بين المسلم وربه حجاب، وهو لذلك الذي يمتحن قلبه ووجدانه، ويطهرهما في شهر الصوم؛ شهر رمضان المبارك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.