لم تُلقَ ولكن كان يراد إلقاؤها، ولو قد أمكن العدول عنها أو إلغاؤها أو وضع خطيب مكان خطيب لما أزعج النقيب ولما اضطربت الأمور، بين الوزارة والمحامين. ويظهر أن بين الوزارات في هذا العهد السعيد وبين الخطب خصومات لا تنقضي أو لا تريد أن تنقضي، ويظهر أيضًا أن هذه الخصومات التي تثيرها الخطب المنتظَرَة والتي لا تُلقَى، تترك في الحياة المصرية آثارًا عميقة وتثير في الحياة المصرية مشاكل ثقالًا، فالناس لم يَنْسَوا بعدُ قصةَ الجامعة وما أثارت في الحياة المصرية من اضطرابٍ طويلٍ ثقيلٍ منذ عامين، أو ما يقرب من عامين.

ولكن الناس لا يعرفون في أكبر الظن أن مصدر اضطراب الجامعة وفساد أمرها خطبةٌ كان يجب أن تُلقَى، وكانت الوزارة تكره أن تُلقَى، فكانت مشادة طويلة عنيفة بين الجامعة والوزارة انتهت إلى ما انتهت إليه؛ لأن الجامعيين موظَّفون لم يستطيعوا أو لم يريدوا أن يقفوا موقف المحامين. كانت التقاليد الجامعية تقضي أن يخطب مديرُ الجامعة بين يدي حضرة صاحب الجلالة الملك حين شرَّفَ الجامعة بزيارته السعيدة، ولكن وزير التقاليد كره هذه التقاليد وآثَرَ أن يخرج عليها ويتخفَّف منها ويستأثر هو بالكلام في الحضرة الملكية العليا؛ فكان أخذٌ وردٌّ، وكان دفعٌ وشدٌّ، وكانت حوادث وشئون، وكانت فصول وفنون، يعرفها الأستاذ وكيل الجامعة الآن، وانتهت بإعراض مدير الجامعة عن حقه وتركه ميدان الخطابة حرًّا طَلِقًا للخطيب المصقع والبليغ المفوَّه وزير التقاليد؛ فصال وجال، وقال فأطال، وكان الجامعيون يقدِّرون أن الأمر سينتهي عند انتصار وزير التقاليد وانفراده بالقول في الجامعة دون الجامعيين، ولكن الزيارة لم تَكَدْ تنقضي حتى رُفِع الستار عن فصول أخرى هُيِّئَتْ للتنكيل وشفاء الغليل. ويقال الآن أن مصدر ما نحن فيه من نضال وجدال بين الوزارة والمحامين، إنما هي خطبة كان يجب أن تُلقَى وتكره الوزارة أن تُلقَى، أو قُلْ كان يجب أن يلقيها شخص بعينه وتكره الوزارة أن يلقيها هذا الشخص. ومَن يدري لعل الأستاذ النقيب لو أعلن إلى وزير الحقانية أنه لا يحرص على أن يُلقِي هذه الخطبة بالنيابة عن المحامين، وأنه لا يرى بأسًا بأن ينزل عن إلقائها لمحامٍ آخَر لا تقتحمه العيون ولا تزورُّ عنه النفوس، ولا تجد فيه الأفواه مرارة، ولا تجد فيه الحلوق شجى والأجواف أذى، مَن يدري لعل الأستاذ النقيب لو عدل عن موقف الخطيب، لعل الوزارة كانت تقتصد وتتئد وتُؤثِر العافية وتجنح إلى السِّلْم، فلا تهيئ القانون، ولا تثير ما أثارت حوله من هذه الخصومة التي لا تنقضي.

ولكن نقيب المحامين أَبَى أن يساير الظروف ويجارِي الضرورات ويلبس للحال لبوسها، ويمشي مع الناس كما يمشون، فيكتفي بالصور، ويقنع بالأشكال، ويرضى بالأسماء. لم يُرِدْ هذا ولم يُرِدْ له المحامون، فأَبَى إلا أن يخطب؛ لأنه يجب أن يخطب، ومع ذلك فهو يخطب في الصباح والمساء، وهو يخطب في الصيف والشتاء، وهو يخطب أمام الجمهور وبين يدي القضاء، فما ضره لو ترك هذه الخطبة ليرضي مجلس الوزراء، أو ليريح مجلس الوزراء. وما ضره لو سار كما يسير غيره من الناس فأذن لفلان أو فلان من أعضاء النقابة أو من المحامين بأن يتولوا عنه الخطابة لتمثيل المحامين، فحفظ الشكل وأضاع الجوهر، ومَن الذي يحرص على الجوهر في هذه الأيام، إلا المتحرجون المتزمتون الذين يأبون إلا أن يؤدوا الواجب كما يُؤدَّى من ألفه إلى يائه، ومن أوله إلى آخِره، وهل كان من الضروري أن يتحرَّج نقيب المحامين إلى هذا الحد فيثير هذه المشكلة، ويخلق هذه الأزمة، ويُحدِث هذه الهوَّة العميقة بين الوزارة والمحامين.

ولو أن نقيب المحامين على شيء من المرونة ولو قليل، لَكانت له قدوة صالحة وأسوة حسنة في قوم يَعِدون ولا يبرون، ويعاهدون ولا يوفون، ويقسمون ثم يحنثون، ثم لا يتحرجون من استئناف القسم، وهم على ذلك قادة سادة أمناء أوفياء لا بأس عليهم ولا غبار على ضمائرهم ولا ريب في سرائرهم، ولو انتُخِبوا غدًا أو بعد غد نقباء للمحامين أو لمَن هم فوق المحامين، لما وجدت الوزارة في ذلك جناحًا؛ لأنهم لم تصدر عليهم أحكام من مجلس التأديب، وإن صدرت عليهم أحكام من الكثرة الساحقة للشعب، وإن كانت هذه الأحكام الشعبية أقسى ألف مرة ومرة من الأحكام التي تُصدِرها مجالس التأديب، ولكنهم على ذلك سادة قادة أمناء، أوفياء أبرار أخيار، يستطيعون أن يكونوا نقباء وأن يكونوا نوَّابًا، وأن يكونوا شيوخًا، بل يستطيعون أن يكونوا وزراء حين تدعو الضرورة إلى ذلك، وما أكثر ما تتحكَّم الضرورات في حياة الأفراد والجماعات.

ولكن النقيب أَبَى إلا أن يؤدِّي واجبه؛ لأنه لا يحب النزول عن الحق ولا النكول عن الواجب، ولا يميل إلى نكث العهد، وإخلاف الوعد، ونقض الأيمان بعد توكيدها، وقد جعل اللَّه عليه شهيدًا وحسيبًا.

فَلْيذق النقيب وَلْيذق معه المحامون جزاءَ هذا التحرُّج الذي لا يلائم حياتنا الحلوة السهلة السائغة الرائقة، التي يباح للناس فيها أن يتسامحوا في كل شيء حتى في العهود والوعود، ويتجافوا عن كل شيء حتى عن المواثيق والأيمان.

وكذلك تشهد مصر في هذه الأيام الحلوة الصافية سُحُبًا تظل جوها، وتمحو صفوها، وتقف الوزارة والمحامين، وأنصار الوزارة وأشياع المحامين موقف المتحاربين المتخاصمين. فأما الوزارة فقد هيَّأت القانون وقدَّمته إلى البرلمان، وقد أقرَّه نصف البرلمان أمس وأحيل نصف البرلمان ليقرَّه اليوم. قالت الوزارة: أريد. فقال مجلس النواب: أوافق. وستقول الوزارة مساء اليوم: أريد. وأغلب الظن أن يقول الشيوخ: أوافق. ولن تكون موافقة البرلمان عن إكراه، أو شيء يُشبِه الإكراه، أو يدنو من الإكراه، وإنما هي عن اقتناع خالص صادق لا شك فيه. وكيف لا؟ ألم يخطب الخطباء؟ ألم يعارض المعارضون؟ ألم تستنجد الوزارة بصاحب السعادة كبير المستشارين ليحوطها ويذود عنها؛ إذًا فالوزارة منتصرة، مصدرة قانونها، ملغية انتخابات المحامين، مخرجة لمكرم وأصحابه من النقابة، منتهية بهذا كله إلى إلَّا يخطب مكرم في الأوبرا يوم الأحد بين يدي صاحب الجلالة ملك المصريين جميعًا، لا فرق بين حزبٍ وحزب، ولا بين فرد وفرد.

ستنتهي الوزارة إلى هذه النتيجة، ولكن المحامين يأبَون أن تتحكم فيهم الوزارة على هذا النحو، ويرون هذا التحكم إهانةً ينكرونها، وإذًا فلن يشتركوا في حفلة يوم الأحد، وإذًا فسيقيمون حفلتهم منفردين في فندق هليوبوليس لا في الأوبرا، وإذًا فستنقسم مصر في شيء لم يكن ينبغي أن تنقسم فيه، ستنقسم مصر في تكريم القضاء، ستنقسم مصر في تكريم العدل، ستنقسم مصر في تكريم النظام. سيرى العالم بلدًا يريد أن يحتفل بمرور نصف قرن على إنشاء القضاء الأهلي، فينقسم أهله إلى فريقين: فريق يحتفل في الأوبرا وسيمراميس، وفريق يحتفل في فندق هليوبوليس، وكل هذا لأن الوزارة تريد ألا يقف خصم لها بين يدي جلالة الملك، وألَّا يخطب خصم لها أمام جلالة الملك.

وَيْحَكم أيها الناس! إنَّ القضاء للمصريين جميعًا، وإن العدل للمصريين جميعًا، وإن جلالة الملك ملك المصريين جميعًا، إن القضاء لا يعرف ما يقع بينكم وبين غيركم من الخصومات، إن العدل لا يعرف ما يقع بينكم وبين غيركم من الخصومات، إن جلالة الملك فوق ما يقع بينكم وبين غيركم من الخصومات، إن خصمكم هذا مصري له مثل ما لكم من الحق، وعليه مثل ما عليكم من الواجبات أمام القضاء وأمام العدل وأمام العرش.

إن إقصاءكم إياه عن أن يقول كلمة المحاماة للقضاء والعدل أمام ملك المصريين جميعًا عدوانٌ لن تستطيعوا أن تعلِّلوه، ولا أن تفسِّروه، ولا أن تُقنِعوا أحدًا بأنكم كنتم موفَّقين حين أَقْدَمتم عليه، ولكنكم مع ذلك مُقدِمون لا يردكم شيء ولا يثنيكم شيء، وماذا يردكم أو يثنيكم وأنتم تستطيعون أن تهيئوا القانون، وأن تعرضوه على البرلمان فتقول كثرة البرلمان «نعم»، لأنها مقتنعة بما تعرضون عليه؟

إن عبء الرجل الطيب لَثقيل أثقل مما يستطيع أن يحتمل، ولكن أتراه يفكِّر في هذا العبء حين يخلو إلى نفسه، ويتحدَّث إلى ضميره، ويسأل نفسه وضميره إلى أين هو مدفوع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.