يُقال إن الديمقراطية قد كسبت الحرب، وأدركت ما جاهدت في سبيله ستة أعوام من النصر المؤزر والفوز المبين، فمحقت الدكتاتورية في الشرق والغرب مَحْقًا، وسحقتها في أوروبا وآسيا سحقًا.

والظاهر أن هذا كله صحيح؛ فقد استسلمت ألمانيا منذ ثلاثة أشهر، واستسلمت اليابان منذ يومين، وقد قُتِل موسوليني عظيم إيطاليا، ومثَّل به الإيطاليون تمثيلًا قبيحًا، وضاع هتلر فلم يقطع الناس في أمره بشيء، فهو تائه بين الحياة والموت، وبقي إمبراطور اليابان على أن يتلقى أوامر المنتصرين وينفذها في غير تردد ولا تلكؤ، وأصبحت كلمة الديمقراطية هي العليا في جميع أقطار الأرض، ولم يبقَ للدكتاتورية كلمة يمكن أن يُقال إنها أصبحت السفلى، بل خفت صوت الدكتاتورية خفوتًا تامًّا وانقطع انقطاعًا كاملًا، وجعلت الشعوب التي كانت حرة تتشوق إلى مزيد من الحرية، وجعلت الشعوب التي كانت مستعبدة تطمح إلى روح من الحرية يشيع فيها الحركة والنشاط، ويتيح لها الاستمتاع بالحياة في ظل الأمن والدعة والهدوء.

فما عسى أن تكون هذه الديمقراطية التي انتصرت؟ وما عسى أن يكون فهمنا لها واستمتاعنا بها؟ وما عسى أن ننتظر من نتائج انتصارها المؤزر وفوزها المبين؟ وإلى أي حد نستطيع أن نقول ونحن صادقون فيما بيننا وبين أنفسنا — وفيما بيننا وبين الناس — إن مصر التي جاهدت مع المجاهدين لتنتصر الديمقراطية قد فازت مع الفائزين بما أُتِيحَ للديمقراطية من انتصار؟

هذه أسئلة يلقيها المصري على نفسه إذا خلا إليها، ويلقيها بعض المصريين على بعض إذا التقوا وأخذوا في الحديث، وهم يستطيعون أن يجيبوا على بعض هذه الأسئلة، ولكنهم يعجزون العجز كله عن أن يجيبوا على بعضها الآخر. يستطيعون أن يجيبوا عن الأسئلة العامة التي لا تمسهم من قريب أو بعيد، فإذا اتصلت هذه الأسئلة بحياتهم أدركهم شيء من الحيرة والوجوم، فلم يعرفوا كيف يقولون أو أخذهم شيء من السخرية والعبث فاندفعوا في ضحك مر عريض، أو أخذهم شيء من الحزن والأسى وطرقوا صامتين يؤثرون الصمت على الكلام، ويودون لو آثروا الجهل على العلم، والغفلة على التنبه، ويودون بنوع خاص لو حُجِبَتْ عنهم حقائق الأشياء، فلم يروا ولم يسمعوا ولم يفهموا ما يرون ويسمعون ويفهمون.

هم جميعًا يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي يمكن الشعب من أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، لا يحكمه غيره من الأجانب، ولا تحكمه قلة من أبنائه دون الكثرة، ولا تدبر حكومته أمره على غير ما يحب ويرضى، ولا توجه الحكم فيه لمصلحة الأجنبي دون المواطن، ولا لمصلحة القلة دون الكثرة، ولا لمصلحة الذين يريدون أن يستأثروا وحدهم بالخير والنعمة والرخاء، وأن يتركوا لغيرهم الشر والبؤس والضنك والشقاء. هم يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي يضمن للشعب حريته وسيادته، بالقياس إلى الأجنبي مهما يكن، وبالقياس إلى المواطن مهما يكن. هي هذا النظام الذي يكفل للشعب حرية صادقة واستقلالًا صحيحًا في داخل الوطن وخارجه، وهم يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي لا يكتفي بضمان الحرية الصادقة والاستقلال الصحيح في الداخل والخارج, وإنما يضمن معهما عدلًا اجتماعيًّا يعصم الناس من بأس الأقوياء كما يعصمهم من بؤس الحرمان، ويمحو من بينهم الأثرة والاستعلاء؛ أي يمحو من بينهم الاستبداد والامتياز. يجعلهم سواء أمام القانون، ويجعلهم متقاربين في الاستمتاع بالحياة الهادئة المطمئنة، متقاربين في القدرة على أن يصلحوا حياتهم ويرقوها ويرتفعوا بها من طور إلى طور، ويسعوا بها إلى الكمال المادي والمعنوي ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.

هم يعلمون هذا كله حق العلم؛ لأنهم قرءوه في الكتب والصحف وسمعوه في الراديو. تحدث به إليهم الزعماء والقادة، وتحدث به إليهم الملوك أنفسهم، وهم يرون ذلك رأي العين. يرون بريطانيا العظمى وقد حوَّلت ثقتها عن زعيمها العظيم المستر تشرشل الذي قادها إلى النصر، ونفذ بها من أشد الخطوب نكرًا إلى خصمه المستر آتلي، لا لشيء إلَّا لأنها أشفقت من سياسة المحافظين، وخافت ألَّا تحقق هذه السياسة إلى جانب الحرية السياسية في الداخل والخارج. هذا العدل الاجتماعي الذي لا تتم الديمقراطية الحديثة إلَّا به.

فالشعب البريطاني قد قال للعالم كله جهرة وفي غير تحفظ ولا التواء إنه يريد أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، وإنه قادر على تحقيق ما يريد. وقد افتتح برلمانه الجديد أمس، وأعلن ملكه العظيم فيما أعلن أن حكومته ستبذل ما تستطيع من جهد لِتُحقِّق للشعب البريطاني في أرضه، ولِتُحقِّق لشعوب الإمبراطورية أعظمَ حظٍّ ممكن من هذا العدل الاجتماعي الذي يقوم على النظام الاشتراكي الذي تؤمن به حكومة العمال، والذي أراد الشعب البريطاني أن يجرِّبه وأن يذوق ثمراته.

والمصريون يرون ذلك ويقرءونه ويسمعونه، ويرون أن الشعوب الأوروبية الأخرى — سواء منها المنتصرة والمحررة والمغلوبة — تذهب كلها هذا المذهب، فتطمح إلى الحرية السياسية الصحيحة في الداخل والخارج، وتحرص على العدل الاجتماعي، وتُضحِّي بكل شيء في سبيل هذا العدل وفي سبيل تلك الحرية. ففرنسا تسرع إلى اليسار، وليست إيطاليا وبلجيكا واليونان ويوجوسلافيا بأقل منها إسراعًا إلى اليسار. فأمَّا البلاد البلقانية الأخرى فقد اندفعت إلى اليسار اندفاعًا، ومن يدري أتقنع بالاشتراكية أم تياسر إلى أبعد منها؟

وليس المهم أن يُسمَّى النظام ديمقراطية أو اشتراكية أو شيوعية، وإنما المهم أن يحقق النظام للشعب حرية سياسية صحيحة في الداخل والخارج، وعدلًا اجتماعيًّا صحيحًا يكفل للناس حياة كريمة، ويطهر قلوبهم من الحسد والحقد، ومن العداوة والبغضاء.

إلى هذه المُثُل العليا يتجه العالم كله، وهو لا يتجه إليها بالقول وحده، وإنما يتجه إليها بالقول والعمل، ويخطو إليها خطوات حاسمة حازمة واسعة، لا تحتمل إبطاءً ولا تلكؤًا ولا ريثًا.

والمصريون يرون هذا كله ويعلمونه كما يعلمون أخص ما يتصل بها من الشئون، فإذا سألتهم عن الديمقراطية المنتصرة ما هي؛ أجابوك على هذا السؤال في غير تردد ولا اختلاف، ولكنك حين تسألهم عن المقدار الذي يستمتعون به من هذه الديمقراطية المنتصرة؛ رأيت منهم الحزين المطرق واليائس والضاحك من اليأس، والذي يسمع منك السؤال ثم يعرض عنك؛ لأنه لا يريد أن يضيع الوقت فيما لا يغني ولا يفيد.

ذلك لأنهم يعلمون جميعًا أنهم جاهدوا مع المجاهدين لتنتصر هذه الديمقراطية، وشاركوا فيما تكلفت الشعوب من عناء، وفيما احتملت من آلام وفيما قدمت من تضحيات، وكانوا يظنون أنهم سيشاركون فيما سينتهي الجهاد إليه من نصر، وفيما سيؤتي من ثمرات، ولكنهم نظروا فإذا الأمر كله كلام لا أكثر ولا أقل بالقياس إليهم. فالديمقراطية بمعناها السياسي التقليدي القديم — وهي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه — لم تُتَح لهم، وإنما رُدَّتْ عنهم أو رُدُّوا عنها.

فليس من الحق أنهم ينعمون بالحرية السياسية الصحيحة في الداخل والخارج، وآية ذلك أنهم لا يستطيعون أن يقضوا وحدهم في كثير من شئونهم التي تمس السياسة والاقتصاد، وآية ذلك أنهم لا يستمتعون حتى بحريتهم الشخصية؛ فهم لا يكتبون كما يريدون أن يكتبوا، ولا يخطبون كما يحبون أن يخطبوا، ولا يجتمعون إذا أرادوا أن يجتمعوا، تمنعهم من ذلك كله الأحكام العرفية التي تتراءى لهم، قريبة منهم بعيدة عنهم، منغصة لحياتهم على كل حال، ويمنعهم من ذلك حكم لم يختاروه ولم يحبوه، يرفق بهم وإن لم يحبوا هذا الرفق، ويعطف عليهم هذا العطف.

والناس يُدفَعون — رغم أنوفهم — للخير، ويُكرَهون على الرقي وعلى صلاح الحكم إكراهًا، وصلاح الحكم هذا معنى يختلف فيه الناس اختلافًا شديدًا، يقدره الأجنبي على غير ما يقدره الوطني، وتقدره القلة على غير ما تقدره الكثرة، والشيء المحقق هو أن ألسنة المصريين معقودة، وأقلامهم معقولة، وحقوقهم في الحرية السياسية محدودة بإرادة الحاكم العسكري العام، وبإرادة المسئولين عن شئون الحكم. أولئك الذين يرضون فتُيسَّر الأمور ويغضبون فتعسر الأمور. فكيف تريد المصريين على أن يعتقدوا أن لهم نصيبًا قليلًا أو كثيرًا من هذه الديمقراطية المنتصرة، وهم قد حُرِموا أيسر معانيها وأهون مظاهرها؟!

فإذا سألتهم عن العدل الاجتماعي رفعوا أكتافهم وهزُّوا رءوسهم، وارتسمت على ثغورهم ابتسامات ساخرة في بعضها اليأس المهلك، وفي بعضها هذا الأمل الغامض الذي يفكر في الحياة الآخرة حيث أعد الله للصابرين أحسن الجزاء وأعظم الثواب.

ذلك لأنهم ينظرون، فيرون امتيازًا آثمًا وحرمانًا آثمًا أيضًا، يرون قومًا ينفقون بغير حساب حتى يتبعهم الإنفاق، ولا يبلغون بعد ذلك لا أقول رءوس أموالهم، بل أقول أيسر ما تغل عليهم رءوس أموالهم، ويرون قومًا يجمعون الألوف إلى الألوف، والمئات إلى المئات، والقصور إلى القصور، والضِّياع إلى الضِّياع، ويبخلون مع ذلك حتى يعذبهم البخل عذابًا شديدًا.

ويرون قومًا آخرين يجدون ويجهدون ويكدون ويكدحون، ثم ينظرون، فإذا هم وعيالهم لا يظفرون من ثمرات هذا الجد والجهد، وهذا الكد والكدح بما يقيم الأود ويكسو الجسم ويقيه شر العاديات.

ويرون قومًا قد أصبحوا صائمين، وهم لا يدرون أيَصِلون صوم الليل بصوم النهار أم يجدون ما يقطعون به هذا الصوم؟

يرون قومًا قد يُسِّر لهم كل شيء حتى كأن الدنيا قد خُلِقت لهم، ويرون قومًا قد عسر عليهم كل شيء حتى كأنهم خُلِقوا ليكونوا وقودًا لهذه النار المضطرمة التي تُسمَّى البؤس والحرمان.

فأي غرابة في أن يرفع المصريون أكتافهم، ويهزوا رءوسهم، ويشيحوا بوجوههم إن سألتهم عن نصيبهم في الديمقراطية المنتصرة؟!

كلا؛ ليس للمصريين من الديمقراطية المنتصرة نصيب قليل ولا كثير، إنما انتصرت الديمقراطية لغيرهم ولم تنتصر بالقياس إليهم، قد يذوقون ثمرة هذا النصر في يوم من الأيام، وسبيلهم إلى ذلك — فيما أظن — أن يترقبوا ليلة القدر؛ فإنها تأتي في رمضان من كل عام، وأن يضرعوا إلى الله في ليالي رمضان كلها مخلصين أن يتيح لهم نصيبًا من الديمقراطية المنتصرة.

وأنا أوصيهم مخلصًا أن يبتهلوا بهذا الدعاء في ليالي رمضان كلها، لا يستثنون منها ليلة؛ فإنهم لا يدرون أيها ستكون ليلة القدر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.