هي أظهر ما تمتاز به وزارتنا القائمة من الصفات، وليست الحيرة عَيبًا، وليستْ شيئًا يُشْبِهُ العَيْبَ، وإِنَّما هي خصلة من أكرم الخصال التي يتحلَّى بها الرِّجَالُ الطيبون.

ورئيس وزرائنا رجلٌ طيبٌ حقًّا وصدقًا؛ فلا جُنَاحَ عليه أن يَكُونَ حَائِرًا، ولا جُنَاحَ عليه أن يُفِيض بعض حيرته على زُملائه الوزراء، فهو حين يجعلهم حائرين بعض الشيء يجعلهم مثله رجالًا طيبين.

وما أشد حاجة مصر إلى الرجال الطيبين! وما أشد حاجة مصر إلى شيء من الحيرة بعد أن أسرفت في الحزم والعزم، وأغرقت في المضي والإقدام!

والحيرة تتعب الحاكم؛ لأنها تردده بين التقدم والتأخر وبين الإقبال والإدبار، وتضطره إلى شيء من القلق يقض المَضَاجِع وينغص اللذات، ولكنها قد تُرِيحُ المحكومين؛ لأنَّ أُمورهم تنام في ظل الحيرة، نومًا إلا يكن لذيذًا هنيئًا فهو نوم على كل حال.

وقد استيقظت مصر منذ الثورة، بل استيقظت قبل الثورة، وكانت يقظتها عنيفة طويلة شاقة؛ فمن حقها الآن أن تنام وأن تستريح ولو حينًا قصيرًا من الدَّهر.

ومَهْمَا تَقُلْ فلن تَسْتَطِيعَ أَنْ تُنْكِرَ أَنَّ الوزارة القائِمَةَ تَبْذُل ما تستطيع وما لا تستطيع من الجهد لتُرْسِلَ النوم إلى جفون المصريين. كانت لهم آمال طوال عِرَاض وكانوا يسعون في تحقيقها، ولا يقنعون بسعي حتى يتجاوزوه إلى سعي آخر أقوى منه وأسرع وأشد إلحاحًا؛ فجاءت الوزارة القائمة فهوَّنَتْ عَلَيْهِم كل شيء، وصغَّرَتْ في أعينهم كل شيء، وجدَّتْ في إقناعهم بالكلام وصرفهم إلى القول عن العمل، وهي موفقة إلى ماتريد إنْ طَالَ بِهَا العمر، وامتدت لها الأيام.

لا تتحدَّثْ إلى المصريين عن الدَّيْن العام ولا عن الدَّيْن الخاص، ولا تَذْكُر لهم الدفع بالورق أو بالذهب؛ فالوزارة تدرس وتُفَكِّر، تنتظر حكم القضاء من ناحية وتريد استئناف المفاوضات من ناحية أُخرى. كادت تبدأ هذه المفاوضات، ولكنَّ شهر الصوم أقبل فأجَّلَتْها إلى ما بعد العيد، ولم يكد العيد ينقضي حتى عنَّتْ مشاكل، وظهرت مشاغل، وطرأت أمور.

ولكن المفاوضات ستُستأنَف في يوم من الأيام إن شاء الله، ووزير المالية يدرس ويبحث، ويُحصي ويَسْتَقْصِي استعدادًا لدرس الديون العقارية، وكاد يتم هذا الدرس ويتخذ فيه قرارًا حازمًا، ولكنَّ المِيزَانِيَّة عرضت بمُشكلاتها ومُعْضِلَاتِها وبإجمالها وتفصيلها، فأجَّلَ وزيرُ المالية أَمْرَ الديون العقارية حتى يفرغ من الميزانية، وقد فرغ من إعدادها، وسيبدأُ في الدَّرس والبحث والإحصاء والاستقصاء. ثُمَّ تُدرَس المِيزانية في البَرْلَمَان؛ فيضطر الوزير إلى أنْ يُدَافِعَ عنها أَمَامَ المجلسَيْن، ويضطر إلى أن يؤجل الديون العقارية، ولكنه سيعرض لها من غير شك في يوم من الأيام حين يُتاح له شيء من سعة الوقت وفراغ البال إن شاء الله.

وقُلْ مِثْلَ ذلك في كل ما يشغل وزارتنا القَائمة من الأمور العامة والخَاصَّة؛ فهي مُصممة على المُضي والإقدام.

ولكنَّ المَشَاكِلَ تعن والمشاغل تعرض، والظروف تتكشف في كل يوم عن شيء من هذه الأشياء التي تستغرق همة الوزراء، وتضطرهم إلى الانصراف عما لا يُحِبُّون أن ينصرفوا عنه.

ولعلَّك تُلاحظ معي أنَّ حيرة الوزارة ليست مقصورة على هذه المسائل الكبرى التي استنفدت جهد الدكتاتور واضطرته إلى العَجْز والإفلاس، ولكنها حيرة كاملة شاملة تتناول كبار الأمور وصِغَارَها.

فخُذْ مَا شِئْتَ مِنَ المَسَائِل التي عرضت للوزارة أو التي عرضت لها الوزارة؛ فسترى أنَّ وزارتنا شَديدة الحياء لا تكاد تُقْدِم حتى تُحْجِم، ولا تكاد تهم بالإقبال حتى تضطر إلى الإدبار.

خُذْ قصة مدير الأمن العام، وقصة مدير الأملاك، وحدِّثْني كيف استطاعت الوزارة أن تواجههما وتقضي فيهما، فأَمَّا مُدير الأمن العام فقد اخْتُرِعَتْ قصته اخْتِرَاعًا، وابْتُدِعَت ابْتِدَاعًا، والماهِرُ الحَاذِقُ الفَطِنُ هو الذي يَسْتَطِيعُ أَنْ يبين سِرَّ هذه القصة أو يُعَلِّل موقف الوزارة منها.

كان مدير الأمن العام موظفًا كغيره من الموظفين، يعمل في ظل خاله الدكتاتور مُتأثرًا بسياسته كما كان يعمل غيره من الموظفين ومن الوزراء، وكان وزير الداخلية القائم رَاضيًا عنه كل الرِّضا، مُعجبًا به أشدَّ الإِعْجَاب، حتى زَادَ مُرَتَّبه وآثره بهذه الزيادة على قوم لعلهم كانوا أحق بها، ثُمَّ ظَهَرَ فَجْأَةً أَنَّ مقامه في وزارة الداخلية غير مرغوب فيه؛ فأُرسِل إلى خاله في مجلس الوزراء. ولم يكد خاله يُقصَى عن مجلس الوزراء حتى ظهر أنَّ مقام هذا الرجل فيه إلى جانب الرجل الطيب قلق كمقامه في وزارة الداخلية إلى جانب القيسي باشا.

ومن ذلك الوقت، ابتدأ هذا الموظف السعيد الشقي، الحبيب البغيض، يسلك طريقًا لا يُعرَف لها أول ولا آخر، لا هو بالعامل ولا هو بالعاطل، لا هو بالموظف ولا هو بالمعزول، هو معلق كما كان خاله معلقًا في حزب الشعب، هو حائر في أمر نفسه، والوزارة حائرة في أمره.

ثم يفتح الله عليه وعلى الوزارة بِحَلٍّ يُرضِيهِ ويُرِيحُ الوزارة منه؛ وهو أن يُكَافَأَ بَعْضَ الشيء ويُحال على المعاش. يطلب ذلك، ويقبله الوزير، وتُكتَب فيه مذكرة. ولكن الحيرَة مُلَازِمَة له وللوزارة، وإذا مجلس الوزراء يتردد، ثم يتردد، ثم يعدل عن المكافأة، ثم يعدل عن الإحالة على المعاش، ثم يَبْحَثُ لهذا الموظف عن ديوان يأوي إليه، ومكان يستقرُّ فيه، وعمل ينهض به.

والبحث قائم الآن والتفتيش متصل، قوم يقولون إنه سينتهي إلى أقلام القضايا، وقوم يقولون إنه سينتهي إلى وزارة المالية، وقوم يقولون إنه لن ينتهي بل قد يحتاج إلى وقت آخر؛ لأنَّ أمره ليس هينًا ولا يسيرًا.

ولا يسأل الوزراء أنفسهم ولا يخطر للوزراء أن يسألوا أنفسهم هذين السؤالين اليسيرين: هل جنى هذا الموظف سيئة أو سيئات؛ فتفرغ الحكومة من أمره بمعاقبته وإخراجه من مناصب الدولة؟ هل الدولة مُحْتَاجَة إلى هذا الموظف في عمل بعينه يستطيع أن يؤديه ويُحْسِن تأديته؟

فمن الواضح أَنَّ الوزراء لو ألقوا على أنفسهم هذين السؤالين لانحلَّتْ في أسرع وقت مشكلة هذا الموظف الكبير، ولكنهم لا يفعلون، إمَّا لأنهم يؤثرون الحيرة والقلق لأنفسهم وللناس على الراحة والاطمئنان، وإمَّا لأنَّ في أمر هذا الموظف الكبير سرًّا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من الوزراء وغير الوزراء.

والحيرة في أمر هذا الموظف تستتبع حيرة أخرى في أمر خليفته، فهل يصبح وكيل الأمن العام مديرًا للأمن العام، أم هل يبقى وكيل الأمن العام وكيلًا ليس غير؟ وهل يشغل منصب المدير أم هل يظل كما هو خاليًا مملوءًا؟ مسائل تقدم الوزارة عليها ثم تحجم عنها، وتدنو الوزارة منها ثم تبعد؛ لأنها تحب الحيرة والقلق وتؤثرهما على الراحة والاطمئنان.

ومدير الأملاك قال الناس فيه ما قالوا، وأَذاعَت الصُّحُف حَولَهُ ما أذاعتْ، وزَعَمُوا أنَّ وزير المالية ضيق بمقامه في منصبه، ثم مُنِحَ إجازة لا ندري أطلبها أم لم يطلبها، ونُدِب مكانه موظف آخر، ثم اختلفت الناس أيستقر الموظف المندوب في المنصب الذي نُدِبَ له، أم يُرَدُّ عنه ليشغله صاحبه القديم، أو ليشغله موظف آخر يُنقَل إليه من منصبه الذي يشغله.

وتساءل الناس عن مدير الأملاك نفسه، أيبقى في خدمة الدولة أم يُصرَف عنها؟ ولكن الماهر الحاذق الفَطِن هو الذي يستطيع أن يتبين من هذا كله شيئًا أو يفهم لهذا كله سرًّا؛ لأنَّ الوزراء يحبون الحيرة والقلق والتعليق، ويُؤثرونها على الرَّاحة والاطمئنان واصطناع الحزم.

وقُلْ مثل هذا في كل ما يعرض للوزارة من المسائل حتى وزير الداخلية الذي لم يكن يعرف الحيرة ولا يُحِبُّها قد اتخذت الحيرة سبيلًا إليه؛ فهو حائر في أمر رئيس الوفد، يُخلِّي بينه وبين الدقهلية، ويَحُول بينه وبين القليوبية، يُراقبه مراقبة ظاهرة، ثم يكتفي بأن يراقبه مراقبة خفية.

وهو حائر في أمر القليوبية نفسها، يخضعها للأحكام العُرْفِيَّة الحَادَّة، ثم يُخضعها للأحكام العُرفِيَّة الهينة.

وقد بدأت تمسه الحيرة في أمر الفيوم؛ لأنَّ الأنْبَاءَ سَعَتْ إليه من غير سبيل أن رئيس الوفد قد يزور الفيوم، والناس يقولون إن الوزارة حائرة الآن في مسألة ليست أقل من هذه المسائل كلها خطرًا، وهي مسألة البقاء في الحكم أو الانصراف عنه.

والناس يقولون إنَّ الوزارة قد فكرت في الاستقالة، ثم عدلت عن هذا التفكير، وبعضهم يقولُ إنَّ رَئِيسها قد رفع الاستِقَالَةَ ثُمَّ استردها أو أعرض عنها؛ فكل شيء في أعمال الوزارة الآن تستطيع أن تذهب فيه مذهبين مُختلفين، فهو قد يكون وهو قد لا يكون؛ لأنَّ الوزارة حائرة لا تدري أتُقْدِمُ عليه أم تُحْجِمُ عنه.

ولكنَّ الأيام إن احتملت الحيرة حينًا فهي لا تُحِبُّها ولا تطمئن إليها، وأكبر الظن أنها ستريح الوزارة من الحيرة، وتُعفيها من القلق، وتمن عليها بالراحة والطمأنينة.

ومن يدري؟! لعل ذلك أن يَكُون قريبًا أقرب مما يظن الحائرون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.