يقول مؤلف هذا الكتاب («ديانات الإنسان» للدكتور هستون سميث.) في مُقدمته إنه يَود لو استطاع الناسُ أحيانًا أن ينظروا إلى جلائل الأمور ودقائقها بأعين غيرهم، فإنهم يُصحِّحون بذلك آراءَهم وآراء غيرهم، ويرون تلك الأمور من جوانبها المتعددة فلا يقفون منها عند جانبٍ واحدٍ.

ويقول في تلك المُقدمة: إن بعضَ القُرَّاءِ المحدثين قد تَعوَّدوا أن يصطنعوا قِلة الاكتراث للديانة في أفكارهم وفي أعمال حياتهم، فهؤلاء خليقون أن يعطوا الديانة حَقَّها من الاكتراث إذا عرفوا مبلغها من الجد، ومبلغ العناية بها والغيرة عليها عند أصحاب الديانات الأخرى.

وعلى هذه الخطة التي تمنَّاها لقرَّائِهِ جرى في تأليف كِتَابِه هذا عن ديانات العَالَم الكُبرَى، وهي البُرْهَمِيَّةُ، والبُوذيَّةُ، ومذهب كُنْفِشْيُوس، ومذهب الطاوية في الصين، والإسلام، واليهودية، والمسيحية.

وقد حاوَلَ جهده في الحق أن ينظر إلى الإسلام — وهو الذي يَعْنِينا في هذا المقال — نظرةَ كاتبٍ لا ينحسر في عقيدته ولا يتعصَّب عليه لمخالفته إياه بتفكيره أو بإيمانه، فسار على منهج المؤلفين العلميِّين الذين يخجلون أمام قُرَّائِهم من تشويه الحقائق وتبديل الوقائع، مُجَاراةً لذَوِي الجهل في تعصبهم الأعمى، أو لذوي الطمع في سياستهم التي لا تعمى عن مصالحها، ولكنها تفتح عيونها جميعًا لشيءٍ واحدٍ لا ترى سواه، وهو اقتناص الفريسة واغتنام الأسلاب.

وهذا هو الكِتاب الثالث من كُتب المؤلفين التي نذكرها في هذا الباب على هذه الخطة من «الحَيْدَةِ العِلمية» في مسائل الأديان، ويَعنينا من هذه الخطة أنها تدل على استعدادٍ في العقول بين قُرَّاءِ اللُّغاتِ الغربية حقيقٍ بالْتِفَاتِ المسلمين إليه؛ لأنهم — دون غيرهم — أقدر على البلاغ والإبلاغ في أمرِ الإسلام، وعِندهم من الدراية به وبمحاسنه ما ليس عِند أحدٍ من كُتَّاب الغرب، قصاراه أن يتجنَّب في شرحه وتبليغه أن يفتري عليهم التهم والعيوب.

اسم الكتاب باللُّغة الإنجليزية «ديانات الإنسان» The Religions of Man ومُؤلفه الدكتور «هستون سميث Huston Smith» — أستاذ الفلسفة بالجامعات الأمريكية، ومحرِّر أبوابها في المجلَّاتِ الأدبية، وُلِدَ في الصَّين وعاش في الشرق، وعاش في بلاد الأمم التي درس أديَانَها وكَتب عنها في هذا الكِتاب.

بدأ كلامه عن الإسلام بتصحيح الآراء عن معنى اسمه كما يَفهم المعنيُّونَ بالإسلاميات من الدارسين وعامة القُرَّاء، فقال إن اسم «المُحمَّديَّة» الذي يُطلِقه الغربيون على الإسلام يُغضِب المسلمين إذا أُرِيدَ به نسبة الدين إلى مُحمدٍ عليه السلام، فإن تسمية «المسيحية» بهذا الاسم معقولة عند أتباعها الذين يدينون بإلهية المسيح وصدور العقائد من قِبَله، ولكن «المحمدية» بمثل هذا المعنى اسم لا يقبله المسلمُ، وهو يؤمن بأن «محمدًا» بَشَرٌ يُوحى إليه، وأنه لا يملك مع الله شيئًا في دِينه ولا دُنياه.

وليس فِهم الإسلام بمعنى الاستسلام أو خُضوع المُقاتل لِمَن ينتصر عليه صحيحًا في مدلوله، وإنما أصل الكلمة من السلام والإنابة إليه، ومدلول الإسلام على هذا هو «سلامُ الروح الشامل بتسليم حياة الإنسان جميعًا إلى الله».

قال: إن محمدًا قد ظهر في زمانٍ تُحسَب فيه المعجزاتُ بضاعةً لازمة لا يعجز عنها أصحابُ الولاية فضلًا عن أصحاب النُّبُوَّةِ والرسالة.

ولكن أَبَى لدعوتِهِ أن يجعلها تِجارةً بهذه البضاعة، ونادى غير مرَّةٍ أنه يُبشِّرُ ويُنذر، ولا يتوسَّل إلى الهداية بأيَّةِ مُعجزة غير آيات الكتاب المبين: () (الأنعام: ٥٠).

قال: وإنَّ أثرَ دعوته آية من آيات التاريخ لا يُعرَف لها مثيل فيما وعاه من أطوار الأمم قبل الدعوات الدينية وبعدها؛ إذ لم يسبق فيما عرف من هذه الأطوار أن دعوةً نقلت الأمم من حالٍ إلى حال كما نقل الإسلامُ قبائلَ الجزيرة العربية إلى تلك الحضارة التي ارتقى إليها أتباعُ الإسلام خلال سنوات معدودات.

وقد حكم النبيُّ قومَه في جزيرتهم، وقام بالأمرِ زمنًا في المدينة، «فهو هنا مَلِكٌ — لا على قُلوب فِئةٍ من المُحبِّين المخلصين وحسب، بل على حياةِ مدينةٍ مجتمعةٍ، هو قاضيها وقائِدُها، وهو كذلك مُعلِّمُها وهاديها، وإن أعداءَه أنفسهم لَيَعْتَرِفُون باضطلاعه بهذا العمل الجديد في براعةٍ وكفايةٍ، وقد واجهته خطوبٌ معقدةٌ نادرةٌ، فإذا هو يواجِهها بمقدرةٍ نادرةٍ على التدبير والإدارة، وقد أصبح قاضيها الأعلى ولكنه ما برح كما كان أيام خفاء أمره بنجوةٍ من الزَّهْوِ والبذخِ، وكان في وسعه أن يملك الدُّور والقصور ولكنه ارتضى له ولأهله بيتًا من الطِّين يحلب فيه معزاته بيديه، ويستقبل مَن شاء مِن صِغار أتباعه ليل نهار، وكثيرًا ما كان يُرى وهو يصلح ثيابه …

وقد حفظت عنه مأثوراتُ أخباره أنه كان في حُكمه يجمع بين العدل والرحمة، يُعاقب مَن جنى ويَغفر لِمَن أساء إليه … ويرى فيه أهلُ المدينة وليًّا لا يملك مَن يتولاه إلا أن يَدين له بالحُبِّ والطاعة.»

يقول الدكتور سميث: «إن الخاصة المميزة للإسلام لا تقوم على الأمثلة العليا التي يرفعها أمام أتباعه بمقدار قيامها على الوسائل العملية التي يُرشد بها المسلم إلى إدراك تلك الأمثلة العليا، ولو كان بنو الإنسان قد بلغوا في عهد المسيح درجةً من الارتقاء تمكِّنهم من الفطنة لمزيد من التهذيب، لجعل أفكاره كما قال «أمير علي» قائمة على نُظمٍ مفصلة، ولكنه في الحالة التي وجد العالم عليها قد أبقى ذلك — على قول «أمير علي» — ليتولى تنظيم القوانين الأخلاقية.»

وقد أورد المؤلف هذه العبارات من أقوال الكاتب الهندي في سياق شرحه كأنه يُصدر بها فكرةً لا يعترض عليها ولا يناقشها، ولكن يُعبِّر عن رأيه حين يصف الوسائل العملية التي توسَّلَ بها الإسلام لإصلاح الأحوال الاجتماعية ورياضة الأمم على قوانين الأخلاق والمروءة، ويُنوِّهُ المؤلف بالزكاة مُنبِّهًا إلى مقدارها بالنسبة المئوية للثروة المملوكة، فليست هذه النسبة محسوبة بمقدار الربح والمورد المتجدد، ولكنها في جملتها تصل إلى جزءٍ من أربعين جزءًا من الثروة المملوكة على اختلاف المتاع والحطام، وهو مقدارٌ كافٍ لسداد خلة المجتمع في هذا الباب، ولا يقل عن الزكاة شأنًا في سياسة المجتمع ورياضته على الأخلاق الصالحة. إن الإسلام يقرن الملكية بالعمل، ويُحرِّم الرِّبَا الذي كان يُؤخَذ أيام الجاهلية أضعافًا مضاعفة بغير عملٍ يعمله صاحب الدين، وشبيه بهذا الحكم في سياسة المجتمع توصية الإسلام بتداول الثروة وكراهته لحصرها واحتكارها، وإيجابه على المسلم أن يعمل للأمة عملًا يستحق به لقمته من الطعام، فلا يعز عليه أن يجيب إذا سُئِل وهو يتناول غذاءَه: «هل صنع للناس شيئًا يستحق عليه أن يأكل ما بين يديه؟»

ويمضي المؤلف على أسلوبٍ كهذا الأسلوب في شرح معلوماته عن الديانة الإسلامية، ولكنه يكاد ينتقل من الشرح — على مثل هذه الحيدة — إلى الدفاع الحسن عن قضية المرأة في الإسلام، فإن هذه القضية امتحانًا عسيرًا لإنصاف الكُتَّابِ من الغربيين كُلَّمَا عرضوا للشبهاتِ الشائعةِ عن الآداب الإسلامية، فمَن كان مِنهم سَيِّئ النِّيَّةِ لم يعسر عليه أن يجاري نيَّتَه السَّيِّئةَ في كلامه عن هذه القضية، دون أن يتورَّط في الادعاء المختلق والافتراء المكشوف، وقد يصطنع الإنصاف الظاهر؛ إذ كانت هذه المسوغات تخفى على كثيرٍ من قُرَّاءِ الغرب الذين يجهلون حالة العالم قبل الإسلام في بلاد العرب وفي غيرها من البلاد الشرقية، وكل ما يعلمونه أن هذا الدين قد أباح تعدُّدَ الزوجات وأمَرَ بالحَجْرِ على النساء، وأن شرائعَ العهدِ الحديث عندهم تُحرِّم هذا وذاك، فمَن شاء أن يُسِيء النِّيَّةَ ذَكر الأحكام ولم يكلِّف نفسه أن يُقابِل بينها وبين ما كان مِن قبلُ وما يكون الآن، حيث لا تسري تلك الأحكام، وهذا هو الصمت الذي يُشبِه الاختلاق الصريح مع النِّيَّةِ السَّيِّئَةِ، وإن لم تظهر فيه دلائل الاختلاق المقصود.

لقد كان للدكتور سميث فضلُه في اختيار موقف غير هذا الموقف المريب أو الموقف الصامت من قضية المرأة في الإسلام، فإنه بدأ بتقرير الواقع عن زواج الجاهلية فقال: إن المسألة هنا لا تدور على الكثرة والقِلة في عَدد الزوجات؛ لأن الزواج لم تكن له قداسة ولم يكن في الحقيقة زواجًا مرعيَّ الحقوق، بل كان مِلْكًا كَمِلْكِ الرقيق، وكان للرجلِ بعد الزوجة الأولى والثانية أن يتصل بمَن شاء من النساء، وإنما تدور المسألة هنا على مكان المرأة في الاعتبار والكرامة، وعلى حقوقها في بيتها وبين أهلها وقومها، وهذه هي المسألة التي يظهر فيها فضل للإسلام لا يُستهان به ولا يقبل الإنكار.

قال الدكتور سميث: «إن الإسلام — لمجرد كونه أباح تعدُّدَ الزوجات — قد اتُّهِمَ بتحقير المرأة، فإذا نحن نظرنا إلى المسألة بِحكمةِ الزمن الواجبة، مقابِلين بين منزلة المرأة قبل النبي وبعده فالتهمة باطلة؛ إذ كان عقد الزواج أيام الجاهلية من الوهي والوهن بحيث يكاد لا يُعترَف به، وكانت الاتفاقات الموثوقة تُبرَم وتُنقَض كل يوم، والنساء محسوبات في حُكْم الماشية يجوز للآباء والأزواج أن يتصرفوا بأمورِهِنَّ كما يُحبون، ولم يكن للبنات وراثةٌ ولا حقٌّ من الحقوق، وكثيرًا ما كانت البنتُ الوليدةُ تُدفَن في طفولتها. وعلى هذه الحالة التي كانت ولادة الأنثى فيها نكبة من النكبات البغيضة، جاء الإصلاح الاجتماعي على يد مُحمدٍ صَلواتُ اللهِ عليه، فرفع مِن شأن المرأةِ كثيرًا، وامتنع وَأْدُ البنات، وأُعطين حقًّا من الميراث لا يساوي حقَّ الأبناء، نعم ولكنَّهُنَّ إزاء ذلك معفيات من تكاليف البيت، وذلك من قضاء العدل عنده، عليه السلام.

أمَّا حقوق المرأة المدنية في التعليم والانتخاب والعمل، فالقرآن يفتح لها أبواب المساواة التي تنالها كلما تقدَّمَتِ الأمم الإسلامية في عاداتها ومعاملاتها، فإن كانت المرأة المسلمة لم تَنَلْ تلك الحقوق بعد قرن أو بِضعة قُرونٍ كما نالتها المرأةُ الأوروبية، فهذه أيضًا لم تَنَلْ حقًّا منها قبل عصر الصناعة الحديثة، وإنما نالتْ هذه الحقوق من الديموقراطية لا من الدين، فلم يَجُزْ — كما يقول المسلم — أن يكون الإسلام مسئولًا عن هذه الحال.

ويأتي الإسلام في نظام الزواج بأكبر مساهمة له في قضية المرأة، فإنه أحاط عقدَ الزواج بقداسته؛ إذ جعله دون غيره رابطًا للعلاقة المشروعة بين الجنسين في ديانةٍ تُعاقِب الزاني بالرَّجْمِ، ولا يزال الفتى حتى اليوم يراقِص فتاته مواجهة ولا يمس جسدها؛ لأنه ممنوع بغير زواج. وليس لاتهام الإسلام بين بعض الغربيين بأنه دين سهولة في علاقات الجنس موقع صواب في السمع ولا مراء، والمساهمة الأخرى في الإسلام في قضية المرأة أنه يعطيها حقَّ الموافقة على زواجها، فلا يستطيع حتى السلطان أن يبني بها كُرهًا على غير قبول منها، ثم يأتي الإسلام بميثاق مكين للرابطة الزوجية، وإن لم يمنع الطلاق منعًا باتًّا؛ إذ هو حلالٌ بغيضٌ في أدبِ النبيِّ صلوات الله عليه، وإنما يُلجَأ إليه كما يُلجَأ إلى آخِر الحلول، فما من شيءٍ يبغضه اللهُ كما يبغض التفرقةَ بين الزوجين، وقد أوجب من التدبير الشرعي ما يصون عقد الزوجية؛ إذ أوجَبَ على الأزواج قبل الزواج أن يدَّخِروا حِصَّةً كافيةً باسم المرأة تئول إليها عند الطلاق، ويحصل الطلاق بعد الاحتكام إلى الأهل، والمصالحة على الوفاق، وفترات من المهلة والإنظار، مما يُراد به الإقلال من دواعي الفصل بين المرأة وزوجها جَهد المستطاع، ويَحِقُّ للمرأةِ كما يَحِقُّ للرجلِ أن تعتمد على هذه الوسائل للتوفيق.

وتبقَّى بعد ذلك مسألة التَّعَدُّدِ، فيُسمَح للمسلم بعددٍ من الزوجات تختلف الأقوال في حالات جوازه، وإن كان لا خلاف على الحالة الفضلى وهي الاكتفاء بالزوجة الواحدة؛ استنادًا إلى نصِّ القرآن على وجُوب العدل بين الزوجات وصعوبته مع الحرص عليه، ولما كان العدل في القرآن لا يقصر المساواة على الأمور المادية، بل يشمل المودَّةَ والعطفَ والرعايةَ، فمن الواضح أن القرآن يُفضِّل الاكتفاء بالزوجةِ الواحدةِ في عموم الأحوال، كما كان مفهومًا منذ القرن الثالث للهجرة ويزداد الأخذ به مع الزمن، وقد ينصُّ على ذلك في العقد؛ اجتنابًا للخلاف وتعهُّدًا من الزوج ببقائه على شرطه. أما الآيات الأُخَر التي تُجِيز للمسلم أن يجمع بين اثنتين إلى أربع ولا يزيد — والنبي قد عدَّد زوجاته — فإنها إذا أباح بها بعضُهم أن يجمع بين عددٍ من الزوجات في جميع الأحوال لغير ضرورة، فالجمهرة المتزايدة من المسلمين ترى فيها مثالًا لمرونة الإسلام واحتياطه لمختلف العوارض والضرورات؛ إذ لا تخلو هذه الدنيا على ما هي عليه من نقصٍ وخللٍ من حالاتٍ شتَّى يكون فيها تعدُّد الزوجات خيرًا وأسلم من الحالات الأخرى، وقد يحدث أن تصاب الزوجة بمرض يُقعِدها ويعطِّلها عن واجباتها البيتية، كما يحدث في أعقاب الحروب أن يربو عدد الإناث على عدد الذكور، وربما أشار المثاليون في أمثال هذه الظروف بحلٍّ من حلول البطولة العالية يعتصم بها الرجال، إلا أن البطولة العالية ليست من الشرائع التي تُعمَّم بين الألوف من العامة والخاصة، وإنما الخيار في المسألة بين زواج متعدِّد ينهض بتبعاته ويصون حياءَه، وبين تعدُّدٍ في العلاقات على غير شرعٍ وبغير تبعةٍ …»

***

وأعم من شبهات الغربيين على قضية المرأة في الإسلام شبهاتهم على القدرية أو الاستسلام ﻟ «القسمة» و«المكتوب» و«المقدَّر» الذي يجعل المسلم في رأيهم كالحجر المُلقى أو الآلة المسخَّرَة لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ولا يختار لها مصيرًا إلى الصلاح أو الفساد. وقد راقَ بعضُ المتعصبين منهم أن يتهموا الإسلام بهذه «الآلية» العقيمة، وأن يُعِيبوا عليه مع ذلك أنه الدين الذي يدعو أتباعه إلى حمل السيف وبذل الحياة، وهُما غاية ما يُقْدِمُ عليه الإنسانُ في حياته مِن سعيٍ وهِمَّةٍ، وطاب لهم أن يجعلوا الإسلام مسئولًا عن هذين النقيضين؛ لأنهم يريدونه مسئولًا عنهما على أية حال.

هذه الشبهة على القدرية الإسلامية مما عرض له صاحب هذا الكتاب وجاوَزَ فيه حدَّ «الصمت» والحيدة المريبة، فقال: إن المسلم يؤمن أشد الإيمان بعظمة الله وقدرته وسلطانه في خليقته، ولكنه يحمل تبعته ويحاسب نفسه على هدايته وضلاله، ويعلم من آياتِ كتابِهِ الكثيرة أنه صاحب إرادةٍ يتجه إليها الخطابُ من اللهِ: () (الإسراء: ١٥).

إلا أن العَثرة الكبرى أمام هذا المؤلف وأمام غيره من كُتَّاب الغرب، مَن يعرف منهم العربية بعض المعرفة ومَن يجهلها كل الجهل، إنما هي عَثرة الحُكم على بلاغةِ القرآن وبلاغةِ العربية على عمومها في شِعرِها ونَثْرِها، وفي كلامِها المُطَوَّلِ وكلمها الوجيز، ومنه ما يرتفع في البلاغة إلى الذُّروة التي لا يُعلَى عليها في كلامٍ معروف بين أبناء الحضارة.

وقد أشرنا إلى هذه «العَثرة الكبرى» عند تلخيصنا لكتاب الأندلس الإسلامية، ونعود إلى الإشارة إليها بصدد التعليق الصريح الذي أورده مُؤلِّفُ هذا الكتاب بعد روايةِ بعضِ الآراء الغربية المتواترة في هذا الموضوع، ومنها آراء أُنَاسٍ يُحسِنون القولَ في رسالةِ النبيِّ ﷺ، ويودون لو استطاعوا أن يَنْفُذُوا إلى أسرار الإعجاز القرآني كما يحسها المسلمون من المُطَّلِعين على روائع البلاغة عن الغربيين. ونحن نعتقد أن القوم معذورون في حِيرتهم لسببٍ غير سببِ المخالفة في الدين، أو المخالفة في النظر إلى مصدر الكتاب الكريم، فإن القوم — فيما نرى — أشبه بمَنْ يقرأ الكتابة بالصور، ولا يخلص منها إلى مدلول تلك الصور من الحروف الأبجدية، وكأنهم لا يزالون في عصر الصور «الهيروغليفية» بعد أن أصبحت هذه الصور حروفًا تتألَّف منها المعاني والكلمات، ولا تلتفت العين إلى أشكالها وأشباهها إلا وهي عابرة مسرعة إلى الكلمة المركَّبَة من رسوم تلك الأشكال والأشباه.

إن الجيم — مثلًا — لا تزال حافظة لشكل الرقبة التي تدل على الجمل، ولكن القارئ العربي لا يفكِّر في الجمل وهو يقرأ الجيم ويضم إليها الميم واللام، وكذلك نفعل نحن قُرَّاءَ العربية حين نعبر التشبيهات بالشموس والأقمار والبحار والأغصان وسائر المجازات التي تحكي لنا معانيها بالإيماء والإيحاء. فنحن نفهمها بمدلولاتها — مباشرةً — ولا نتوقَّف عند أشكالها ورسومها المحسوسة للعيون والأسماع، أو نحن كما تقدَّمَ نعبر دور الصور الهيروغليفية إلى دور الحروف والمقاطع والكلمات، ولا نشعر من أجل هذا بالحيرة أو الربكة العقلية والحسية كلما عرضنا تلك التشبيهات المجازية، وهي تتابع أمامنا واحدةً تلو الأخرى بصورها الذهنية مجردة من صورها المحسوسة للأبصار والآذان، وعلى هذا النحو يسمع الموظفُ الذي يتلقَّى الإشارات البرقية شرطات ونقاطًا يتبع بعضها بعضًا على عجل، وهو يكتب على الورق حروفًا وكلمات يفهمها على الأثر كأنه يستمع إلى متكلم في المذياع، ولعل المرانة صانعة في «تبليغ» البلاغة العربية إلى أذهان الغربيين ما يُعِينهم على تقدير الآيات المعجزة التي يحارون في تعليل إعجابنا بها واستيلائها على شعورنا، وإن كانت المرانة وحدها لا تغني غناء السليقة المطبوعة والنشأة الطويلة والتلقين المسموع والموروث.

***

ويختم المؤلفُ كتابه بنظرة شاملة إلى مستقبل الإسلام بين الأديان، فيقول: إنه في هذا العصر — كما كان في العصور الغابرة — أسرع الأديان إلى كسب الأتباع المُصَدِّقِينَ، وإنه على الرغم من قِلة دُعاتِه وكِثرة الدعاةِ إلى المذاهب المسيحية، تكاد نسبة الداخلين فيه بين الأفريقيين تساوي نسبة عشرة إلى واحد مِمَّن يتحوَّلون عن عقائدهم البدائية إلى الأديان الأخرى. ويهمنا من تقدير المؤلف لانتشار الإسلام في الصين أنه وُلِد هناك واشتغل بشئون العقائد على أوسع نطاق، فهو أحرى أن نستمع إليه وأن نتبيَّنَ من تقديره أن مصادر الإحصاء الرسمية تتعمَّد المبالَغَة في الإقلال من عدد المسلمين من أهل الصين، وقد وضح ذلك كل الوضوح من تقديرهم كلهم بنحو عشرة ملايين كما جاء في بعض الإحصاءات المرتجلة، وهم يقاربون مائة مليون أو يزيدون، فإن حسبنا للمبالغة حسابها في الإحصاءين فالتوسُّط بينهما أقرب إلى التقدير الصحيح، وأولى أن ترجحه هذه الملاحظة — ملاحظة الزيادة المطردة في عدد المسلمين — يُبدِيها خبيرٌ مختصٌّ بالأمرِ شديدُ العنايةِ بأحوالِ الديانات والمتدينين.

إن للمسئولين عن مستقبل الإسلام في عصرنا هذا عملًا يلحق في جلالته وعِظَمِهِ بعملِ أمثالهم في عصر الدعوة الأولى، ونحسب أننا نفيد من أقوال شُرَّاحِهِ لِأُمَمِ الغرب فائدةً تساوي عناء الاطلاع على تلك الأقوال إذا تيقَّظْنا في أوان اليقظة لتلبية الدعوة المقبلة.

إن الأسماع مُفتَّحَةٌ من حولنا، والسامعون يُقْبِلُون علينا. فهل مِن مُسْمِعِين؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.