حديث منشئ الأهرام مع وزير الخارجية

قبل أن نوقف الكلام عن الأطوار الأولى من الثورة العرابية والسياسة الدولية، نرى لزامًا علينا أن ننقل عن «الأهرام» حديثًا بهذا الصدد للمغفور له مُنشِئُها، بشارة تقلا باشا، مع وزير خارجية فرنسا، وهو المسيو بارثلمي سانهلر، ونحن ننقله عن الأهرام الصادر في ١١ أكتوبر ١٨٨١، وهذا نصه:

باريز في ٢٠ سبتمبر «أيلول» سنة ٨١

نتشرف بمقابلة المسيو بارثملي سانهلر، وزير خارجة فرنسا، وهو شيخ طعن في السن وتجاوز الستين، سياسي وفيلسوف. وكان الساعد الأيمن لمخلص فرنسا المرحوم تييرس، وهو عضو في السناتو «مجلس الشيوخ»، وله مؤلفات عديدة من أخصها كتاب في فضل النبي محمد ﷺ، أجاد به كثيرًا حتى دعته بعض الجرائد «حبيب الإسلام».

وأمس الاثنين الساعة الأولى بعد الظهر ذهبت إلى وزارة الخارجية، وهي بناية عظيمة شاهقة بجانب سراي بربون مقام المسيو غامبتا المجاور لمجلس النواب، وعلى بابها نفر واحد من البوليس وعسكري، فدخلته وصعدت سلم مقام الوزير، فشهدت في قمته نفر التشريفنجي، فسلمته اسمي، وطلب إليَّ الاستراحة في القاعة، فما لبثت خمس دقائق حتى دعاني رئيس التشريفات، فولجت باب قاعة الوزير، وافتتحت الحديث مع جنابه فقلت: مولاي، بارحت القُطر المصري وسافرت متجولًا في أنحاء أوروبا، ثم أتيت باريز، وأحببت التشرف بمقابلتكم.

فأجابني بالترحيب وقال: متى خرجت من مصر؟

– من نحو شهرين، وقد ذهبت إلى الآستانة فرومانيا فهنغاريا فويانه فبافاريا فباريز.

– لا بد أن تكون قد كتبت رسائل عديدة عن سياحتك!

– نعم، ومن نيتي أن أجمع كتابًا يستخدمه السائح في أسفاره، وبه أقابل بين الشرقيين والغربيين.

– ماذا ترى في حادثة مصر الأخيرة؟

– هي حادثة بدا مظهرها الأول، وقد تسلسلت من حوادث تولدت عن أخرى كان من الواجب مداركتها في بادئ الأمر، وعليه فلست أرى حقًّا ما تقوله الجرائد في نسبتها إلى فرنسا وإنكلترا أو دولة أخرى.

– هل ترى حلها الأخير حاسمًا نهائيًّا؟

– ذلك يتعلق بالوزارة الحاضرة، وإني لا أجدها إلا عاملة بمداواة الداء بتوفيقها بين جميع المصالح، وتعضيد رجال حكومتي فرنسا وإنكلترا لها تعضيدًا مخلصًا. وإن سمو الخديو والوزارة والقنصلين والمراقبين قوة واحدة غايتها استئصال كل خلل، وتأييد السلام.

– وكيف حال الوزارة الحالية؟

– رجالها أعظم رجال في مصر، عفيفو الأنفس، يحبهم الأهلون وتثق بهم الأمة، وإني أناقض الحكم الذي قضت به بعض الجرائد على دولتلو شريف باشا بكونه قليل الإقدام بحسم الأمور؛ لأنه لم يرَ مسئولًا في وظيفته إلى الآن، غير أن الحالة الحاضرة تستدعي وطنية دولتلو شريف باشا؛ لأنها في بلاده. وتلك خدمة شريفة.

– كتبت إلى القنصل أن يُبلغ الحكومة المصرية مرضاة الحكومة الجمهورية من هذا التشكيل، وأنها تعضد دولتلو شريف باشا.

– بلغني أن إنكلترا أجرت ذلك أيضًا.

– نعم، فإن الدولتين لا تجدان واسطة تكفل استقلال مصر الإداري إلا بالاتفاق المحكم الوطيد.

– هل يكفل استمرار الاتحاد؟

– لا يصعب علينا الحصول عليه ما دمنا نراه واجبًا، فإنكلترا لا تود أن يطرأ خلل على سكة الهند، ونحن لا نود مس حقوق مصر، وذاك ما هو قاضٍ على الدولتين بالاتفاق، والصالح مشترك، فكلما نهضت مصر وتقدم رجالها خفَّت عنا رويدًا رويدًا أحمالها.

– هلا يمكن احتلال العثمانيين البلاد؟

– لا نسمح أبدًا بإرسال عساكر تركية إلى مصر.

– فكيف يجوز إذن احتلال أوروبي؟

– هذا كذلك بعيد؛ لأننا نؤمل أن كلمة رجال مصر بمساعدة رجال الحكومتين تتدارك الإصلاح؛ خيفة أن تتكرر الحوادث فتسوء العاقبة.

– هل اتحاد إنكلترا مع فرنسا في هذا الشأن مخلص؟

– الاتحاد بغاية الإخلاص، ولو كانت فرنسا لا ترى فائدة لمصر لَمَا عملت به؛ فليس لفرنسا مصلحة في هذا القطر إلا إنهاضه، وإذا قرأنا تاريخ العائلة الخديوية علمنا أن كل آثار النعيم والنجاح والترتيب هي من صنعة رجال فرنسا الذين ساعدوا المرحوم محمد علي باشا، وما زلنا إلى الآن منتهجين هذه الخطة.

– فإذن لا واسطة للنجاح في مصر أفضل من ثبات اتحاد الدولتين؟

– لا شك بذلك، وهو وطيد عندنا. التعليمات المرسلة متفقة.

باريس في ٢٠ سبتمبر، بشارة تقلا

هذا الحديث الذي تحدَّثه المغفور له منشئ الأهرام إلى وزير خارجية فرنسا في ذلك الحين، يتضمن السؤال عن سياسة إنكلترا الخفية، وقد أشار إليها رحمه الله بقوله لوزير الخارجية: هل يُحرَّم الاحتلال العثماني ويجاز الاحتلال الأوروبي؟

ففرنسا كانت قد وضعت نُصب عينيها الدفاع عن أصحاب الأموال فقط، وإنكلترا قد وضعت نُصب عينيها وضع يدها على طريق الهند، وكانت وجوه الخلاف تبدو حينًا بعدَ آخرَ بين منهج الدولتين. وقد تولى برثلمي وزارة الخارجية في ٢٣ سبتمبر ١٨٨٠، وهو مشهور بأنفته، وبساطة عيشه، وعلو همته، وواسع علمه، فهو الذي ألَّف وكتب في علوم عديدة على طريقة تقرب فهمها من أذهان العامة، وله مؤلف في النبي محمد، وآخر في بوذا، وله ترجمة كتاب أرسطو، وترجمة الإلياذة بالشعر الفرنساوي، ورسائل عن مصر … إلخ.

ولم يكن الرجل يعمل في السياسة، ولكن تييرس، السياسي الفرنساوي الشهير، أدخله في صداقته، وجعله موطن أسراره، وألقاه في تيار السياسة الشديد، فتولى وزارة الخارجية وهو في الخامسة والسبعين من عمره. فإذا كانت سياسته نحو مصر هو ما بسطه للمغفور له منشئ الأهرام، وهو هو ما ضُمِّنته أحد كُتبه إلى قنصل فرنسا في مصر؛ فإن أكبر عيبه أنه عمي عن مرمى السياسة الإنكليزية.

وإذا كان وزير خارجية فرنسا قد حصر كل همه في إعادة سلطة الخديوي بعد حادثة ٩ سبتمبر — أي بعد مظاهرة الجيش في ميدان عابدين — فإن ألاعيب إنكلترا حدث تبدو للعيان منذ ذاك اليوم؛ ففي ٨ أكتوبر كلف اللورد غرنفل اللورد لويش أن يُبلغ وزير خارجية فرنسا، أن إنكلترا تنوي إرسال دارعة إلى المياه المصرية، فسلَّم الوزير الفرنساوي بذلك بكل ارتياح؛ ليُظهر للعالم الاتفاق التام بين الحكومتين.

ولما أعلن وزير خارجية فرنسا أنه لا يسلِّم بتدخل تركيا بشئون مصر، أبلغ اللورد غرنفل موزورس باشا سفير تركيا في لندن: «إنَّا متفقون مع فرنسا على حقوق السلطان، ولكنا نعارض بكل قوتنا سعيه لتوسيع حقوقه أن يستخدمها بما يخالف استقلال تلك البلاد بتدخله بإدارتها الداخلية.» والذي يدل على مكر جون بول — وهو لقب الإنكليز — عبارة سفير إنكلترا للصدر الأعظم احتجاجًا على إرسال علي نظامي باشا وعلي فؤاد بك إلى مصر، وهي بنصها: «إن حكومة جلالة الملك تعارض في إرسال هذا الوفد مخافة أن يُعرِّض جلالة السلطان منافعه في مصر للضياع.»

فكلمة «تعريض منافع السلطان للضياع» لم تكن إلا إنذارًا بما تضمره إنكلترا.

وأعلن اللورد غرنفل يومئذ «أن رغبته الوحيدة هي أن يصون الحالة في مصر كما هي الآن، ولكن — وكل المغزى في لفظة لكن — ولكنه يكون مضطرًّا للخروج من هذه الخطة إذا سادت الفوضى في تلك البلاد.»

وهل من حالٍ كانت تساعده في سياسته أكبر من تلك الحال التي وصفناها، ويضاف إليها أنه لم يكن أمامه خصم يقاومه، بل وجد من يعاونه، وهو وزير خارجية فرنسا، حتى قال أحد كُتابهم يومًا: «إن فرنسا منهمكة الآن بإعداد الفراش الذي تضجع عليه الملكة فيكتوريا.» فإذا عاد القارئ إلى السؤال الذي ألقاه المغفور له مؤسس الأهرام عن الاحتلال؛ رأى أنه نظر إلى أمر وقع بعد عام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.