وأظنك لاحظت من هذا العنوان أنَّ عنصرًا ثالثًا قد دخل بين الأدب والسياسة، وهو المال. وأكبر الظن أنه لم يُقْحِم نفسه إقحامًا بين هذين الصديقين، وإنما دُعِيَ فاستجاب؛ لأنه سمع الدعاء، وإنْ لم يسمعه الكُتَّاب والشعراء. فما زلت أقول اليوم — كما كنت أقول منذ أسبوع، وكما كنت أقول منذ بدأت هذه الفصول — إنَّ أدباءنا في شغل عن الحياة والأحياء بهذه السياحة البعيدة التي ذهب إليها شياطينهم فلم يرجموا.

والحق أني لست أدري أَدَخَل المال بين السياسة والأدب، أم دخل الأدب بين السياسة والمال؟ ولست أريد أنْ أمضي في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة؛ فقد أخشى أنْ يضحك القارئ أو يمل، وإنْ كنت أنا أجد في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة شيئًا من اللهو والمتاع.

وكان أستاذنا سيد بن علي المرصفي — رحمه الله — أديبًا عظيمًا من طراز القرن الثالث أو الرابع للهجرة، وكان يدرس لنا الأدب على النحو القديم، وكان يسميه أدبًا، وكنا نسميه أدبًا كذلك، فلما دارت الأيام وأُخضِع الأزهر للنظام، لقيته ذات ليلة حيران كئيبًا ضيِّق الصدر؛ لأنهم غيَّروا درسه في الموضوع، وغيروه في العنوان أيضًا، فسموه تاريخ أدب اللغة، وكان الشيخ لا يفهم هذا الاسم ولا يسُيِغه، فجعل يسألنا: ولِمَ لا يقولون تاريخ لغة الأدب؟ ولِمَ لا يقولون لغة تاريخ الأدب؟ ولِمَ لا يقولون لغة أدب التاريخ؟ وجعل يقلب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة، ويستخرج لنا من صلاتها المتباينة ما أضحكنا وألهانا وقتًا غير قصير، ومنذ ذلك الوقت كلفت بتقليب الألفاظ على وجوهها، وأخذت أعمد إلى ذلك حين أظفر بالخلوة وفراغ البال، فأجد فيه راحة مما تحملني الحياة أحيانًا من الجهد والعناء، ومع ذلك فلست أريد أنْ أقلب الأدب والسياسة والمال على وجوهها، وأنْ أستخرج ما يمكن أنْ يكون بينها من الصلات. وإنما أريد أنْ ألاحظ أنَّ حياتنا اليومية قد فتحت للأدباء بابًا طريفًا من الأدب، لو أنَّ أدباءنا يحسنون وُلُوج ما تَفتَح لهم الحياة من الأبواب.

فالناس جميعًا يعلمون أنَّ بين السياسة والمال صلات قويَّة لا تنتهي، ولا تنتهي آثارها، فأصحاب المال يجدُّون في الإشراف على السياسة، وأصحاب السياسة لا يكرهون هذا الإشراف، وهم يستغلونه وينتفعون به، وتظهر آثار الصلة بين السياسة والمال في الحياة الداخلية والخارجية للدول. ومن الأوليات أنَّ الصلة بين السياسة والمال هي التي تُثِير الحروب حين تثور الحروب، وهي التي تُقِرُّ السلم حين يستقر السلم، وهي التي تؤثِّر في حياة البرلمانات، وفيما تتخذ من قرارات، تنحرف بها إلى اليمين حينًا وإلى الشمال حينًا آخر، وتتوسط بها حينًا ثالثًا بين هذا وذاك.

وهي التي ترفع صوت الصحف وهي التي تخفت صوت الصحف، وهي التي تأتي من الأعاجيب في حياة الشعوب ما يعلمه أمثالك وأمثالي من أصحاب السذاجة، وما لا يتاح العلم به إلَّا للواقفين على الأسرار، والعالمين بالدخائل والخفيات.

كل هذه أمور يعرفها الناس، والحديث فيها لغو، والإطالة فيها إملال، وقد طرقها الأدباء الأجانب ألف مرة ومرة، وأحدثوا فيها آثارًا رائعة فيها الجد وفيها الهزل، فيها ما يسر وفيها ما يسوء.

ولكن للسياسة والمال في مصر أحداثًا خاصَّة، كانت خليقة أنْ تُثِير عناية الأدباء، لو أنَّ الأدباء يعنون بما تعرض عليهم الحياة من الصور في كل يوم، وبين يديَّ الآن حادثتان، ولست أدري كيف أهملهما الأدباء، ولعلهم لم يهملوهما إلَّا لضيق الوقت، ولعلنا أنْ نرى عنايتهم بها غدًا أو بعد غد، وأنا على كل حال أعرضهما على الكُتَّاب والشعراء، ونرجو أنْ نرى آثار عنايتهم بهما بعد حين.

فأمَّا الحادثة الأولى فقصة الرجل الطيب وهذه الحفلة التي أقامها في الإسكندرية احتفاءً بعيد الجلوس الملكي، ورؤساء الوزارات المصريَّة يحتفون دائمًا بعيد الجلوس الملكي، هذا واجب يفرضه عليهم الإخلاص لمصر، ثم يفرضه عليهم الإخلاص لواجبهم السياسي من حيث هم رؤساء وزارات، وقد سمعنا احتفاء رؤساء الوزارات بأعياد الجلوس قبل الحرب، حين كان في مصر أمراء، ومنذ الحرب حين كان في مصر سلاطين، ومنذ الاستقلال حين أصبحت مصر مملكة يدبر أمرها جلالة الملك — حفظه الله — وسمعنا عما كان لهذه الحفلات من جمال وروعة، وعما كانت تُثِير هذه الحفلات من عناية وإعجاب، وعما كانت تستتبع هذه الحفلات من وصف وحديث، وعما كان يقال في هذه الحفلات من شعر مختلف الألوان، ولكن شيئًا واحدًا لم نسمع عنه قط إلَّا حين كانت رياسة الوزارة إلى الرجل الطيب، وهو مقدار ما أنفق على هذه الحفلات من مال.

فالنفقات آخر ما ينبغي أنْ يذكر في مثل هذه الظروف، بل النفقات آخر ما ينبغي أنْ يذكر في كل حفل اجتماعي، يقصد به إلى الاحتفاء وتصوير الابتهاج، بما يثير الابتهاج في النفوس، ولكن نفقات الحفلة الأخيرة التي أقامها الرجل الطيب منذ شهرين، ذكرت وذكرت في دقة وتفصيل، فنحن نعلم أنَّ الرجل الطيب قد أنفق في هذه الحفلة عشرين وثلاث عشرة مائة من الجنيهات، أستغفر الله العظيم، وأستغفر التاريخ، وأستغفر رئيس الوزارة القائمة؛ فالرجل الطيب لم ينفق هذا المقدار وإنما أمر بإنفاقه، أمر بإنفاقه ووعد بالأداء، ثم لم يَفِ بالوعد، قالت الجهاد: وقد طلب الكازينو إلى دولته أنْ يفي، فأجَّله يومًا، ثم أجَّله يومًا، ثم أجَّله أيامًا، فلما ضاق الكازينو بالتأجيل ترك الرئيس المستقيل وأقبل على الرئيس الجديد يطالبه بالأداء في كتاب سجله في البريد تسجيلًا.

ومن هذا الكتاب عرف أنَّ الرجل الطيب أنفق ولم ينفق، وهمَّ ولم يفعل، وجاد ثم بخل، وأقدم ثم أحجم، وتقدَّم ثم تأخر، ودعا الناس ثم قال للمطعم دونك ومن طعم عندك، فخذ من كل واحد منهم ثمن ما أكل وثمن ما شرب، وثمن ما ابتهج! ثم من هذا الكتاب عرفنا هذا كله، ولم نعرف بعدُ ماذا تابع رئيس الوزراء القائمة؛ أسرع إلى الدفع فما ينبغي لما أنفق في عيد الجلوس أنْ يكون دينًا، أم أحال على الرئيس المستقيل؟ فما ينبغي لمن أمر بالإنفاق أنْ يكلف غيره الأداء، أم أمر بالدفع ليرضى الدائنون، ثم بالرجوع على الرئيس المستقيل لترضى الخزانة؟!

أسئلة قد يجيبنا عنها الغد، وقد لا يجيب، وقد لا تعنينا في هذا الفصل، وإنما الذي يعنينا هو ما تثيره هذه القصة من الخواطر، وما ينبغي أنْ تطلق به ألسنة الشعراء، وتجري به أقلام الكُتَّاب من القصائد والفصول.

ففي الإقدام على الكرم والجود، ثم الإحجام عن الوفاء والدين، ما أطلق ألسنة الشعراء، وأجرى أقلام الكُتَّاب قديمًا برائع الشعر وبارع النثر، وما ينبغي أنْ يكون شعراؤنا وكتابنا المحدثون أقل غَنَاءً من كتابنا وشعرائنا الأولين. وفي إظهار المال حيث يجب أنْ يستخفي المال مثار للشعر الجيد والنثر الطريف، وفي الاستعداد للإنفاق حين تكون رئيسًا للوزراء، والنكوص عن الإنفاق حين تتحول عنك رياسة الوزراء مجال لشياطين الشعر، وعفاريت النثر إنْ كان للنثر عفاريت، وفي الاستخفاف بما يقول الناس، والاستهزاء بما يظنون في أمر يجب أنْ يكون هينًا يسيرًا، أهون وأيسر من أنْ يدعو إلى القال والقيل، والتعليل والتأويل، ما يُنْطِق الشعراء، وإنْ كانوا خرسًا، ويُلْهِم الكُتَّاب وإنْ كانوا قد فارقوا الكتابة منذ عهد بعيد.

فهذه إحدى القصتين لم أستخرج كلَّ ما فيها من الكنوز التي ينبغي لكتابنا وشعرائنا أنْ يستغلُّوها ليبيِّنوا للناس أين يكون الخير، وكيف تكون السيرة حين يتاح لأحدهم أنْ يكون رئيسًا للوزراء؟!

وليست القصة الثانية بأقلَّ من القصة الأولى خصبًا، ولا بأقل منها تحريضًا لشياطين الأدب. فما رأيك في حزب الشعب وقد اشترى لنفسه دارًا حين كانت رياسة الوزراء إلى رئيسه الأول، ومضى في دفع ثمن الدار ما استقامت له الأمور، فلما تحوَّل عنه الحكم، وانصرف عنه الرئيسان، وأحال الله لقوم من قوم، وصرف الله السلطان عن ناس إلى ناس، نكص الحزب عن الأداء، وقصَّر في الوفاء، وأخَّر القسط، واضطرَّ صاحب الدار إلى أنْ يحتجز أمواله في المصارف، ثم لم يَكْفِهِ ما انتهى إليه من هذا، فأبى على صاحب العين أنْ يحتجز الثمن، ورفع الأمر إلى القضاء، فلما أجاز القضاء لصاحب العين أنْ يحتجز ما احتجز من المال، أبى المشتري إلَّا أنْ يعارض في الحكم.

سنشهد قصة هذه المعارضة، ولعلنا نشهد خطوبًا وأهوالًا بين صاحب الدار ومن اشتراها، فما رأي الأدباء في عسر بعد يسر، وفي ضيق بعد سعة، وفي بخل بعد جود؟ وما رأي الأدباء في أنَّ هذا العسر إنما أقبل حين أدبرت الدولة، وفي أنَّ هذا الضيق إنما هجم حين فَرَّ السلطان، وفي أنَّ هذا البخل إنما أطبق حين تحوَّلت الأمور، وأصبح السيد مسودًا، وأصبح المسود سيدًا، وأصبح الحكم إلى نسيم بعد أنْ كان إلى صدقي وعبد الفتاح؟!

ألَّا يظن الأدباء أنَّ من التقصير في ذات الفن، ومن التفريط في حق الأدب، ومن الإعراض عما ينبغي لتقرأه أنْ تمضي هذه القصة، وأنْ تمضي القصة التي سبقتها دون أنْ يسجلهما الشعر في قصيدة من قصائده الرائعة، ودون أنْ يخلِّدهما النثر في فصل من فصوله الحسان؟! لقد كان الشعراء الأولون ينظمون فيما هو أهون من ذلك وأيسر أمرًا، وكان الجاحظ يكتب الرسائل في أمور لا تكاد تذكر إلى جانب هاتين القصتين، أفيرضى شعراؤنا وكتابنا أنْ يقصروا حيث لم يقصر الأولون، وهم يزعمون لأنفسهم التفوق، ويرون أنهم يجددون الأدب تجديدًا؟! كلا، ولكن شياطين الأدب قد ذهبت — كما قلت لك — في سطر بعيد، ومن يدري؟ لعلها أنْ تعود، فإذا النسيان قد طغى على هاتين القصتين وعلى ما هو أكثر خصبًا من هاتين القصتين!!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.