حين عرفته في ندوة «كازينو الأوبرا» قبل الثورة عرفتُ فيه أستاذًا يكرس ذاته للعلم والثقافة. جاء للتعرف على أعضاء لجنة النشر للجامعيين، وكان مجلسنا يجمع بين الجد والسمر، يدور الحديث فيه حول أمور النشر وأحزان السياسة، وآخر ما ذاع من نكت. ولكن الضيف الجديد بدأ جادًّا مثقلًا بأمانة الثقافة، مستهدِفًا العمل الجاد في نشرها. وأول حديث جرى له معنا كان حول دراسته إنشاء مجلة أدبية ثقافية أسبوعية تكون صوتًا للجيل الجديد، نُقَّادًا ومبدعين، وللأسف كانت لجنة النشر تشق طريقها في شيء من العناء، ولا تملك من الوسيلة ما تغامر به في مشروع آخر لا دراية لأحد من أعضائها به.

وبعد سنوات من ذلك التاريخ انضم إلى «الحرافيش» عضو حر يجيء أحيانًا ويغيب أحيانًا، فتوثقت علاقات المودة بينه وبينهم، وكان مجيئه في المرة الثانية بعد نضج شخصيته كأستاذ في الجامعة ومستشار لوزارة الثقافة وناقد كبير، ومفكر يتسم بالصدق والشجاعة والاستنارة، ولم تفارقه صفات الجدية والالتزام والرصانة. يشارك في المناقشات الجادة وكأنه يحاضر، ويمس الهزل مسًّا خفيفًا، أو يقنع بموقف المستمع الباسم، ولكن قُرَّة عينيه الحقيقية في التفكير الجاد والتعليق العميق على أحداث السياسة والثقافة. إنه لعَلَى أتم الاستعداد لينفق الساعات في ذلك دون تعب أو ملل، وكأنه ما خُلق إلا للاستبانة والمحاضرة والتعامل مع الأفكار من خلال الحاضر المفعم بالإثارة، والتاريخ الحافل بالمتناقضات.

إنه عَلَم من أعلام جيل الجدية والاستنارة والحرية والانتماء والوحدة الوطنية، وقد تمخض جهاده الطويل عن نخبة من أفضل الأتباع المستنيرين، ونقد عميق شامل لأدبنا المعاصر، وفكر حر جريء قد تتفق معه أو تخالفه، ولكن لا يسعك إلا أن تجله وتحترمه، وبذلك صار رمزًا من أعظم رموز حياتنا الفكرية وتطلعاتنا الشريفة نحو غد أفضل، وعصر أعظم إنسانية وحضارة.

وها هو ذا الموت يتلقاه وهو في ذروة النضج والعطاء، ثمرة تنضج بالطيب وتجود بالخير وتشع نورًا وبهاء، فيخسرها أهلها ومواطنوها، ولكنها تلقى الجزاء الجميل في رحاب ذي الجلال … وداعًا لويس عوض.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.