بلسان الإنجليز أنفسهم عبارة بليغة حفظناها في مدارسهم (لأن المدارس المصرية كانت لعهد الدكتور دوجلاس دنلوب مدارس إنجليزية)، وتلقيناها على أيدي أساتذة منهم — وقد اتخذها بعض شعرائهم المشهورين عنوانًا لقصائدهم الغزلية أو الوطنية — فليسمحوا لنا أن نتخذها عنوانًا لهذا الخاطر من خواطر المساء «لئلا ننسى»؛ لعل القراء يتخذونها شعارًا لهم في ذكرى يوم ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨٢! وهو ذلك اليوم الذي حدثت فيه معركة التل الكبير ودخل الإنجليز — بالمكر والحيلة مخترقين سياج المعاهدات الدولية وحَيْدة قنال السويس — بجيوشهم الأراضي المصرية، وحاربوا فلول الجنود العرابية. وكانت هذه الهزيمة المصطنعة بداية عهد الاحتلال والهوان والحماية وما تلاها من الويلات والمصائب التي عانيناها منذ خمسين عامًا.

إن الأوربيين والأمريكان علَّمونا تخليد ذكرى الهزيمة والنكبة، كما تخلَّد ذكرى الانتصار والفرح، وها هي فرنسا لما فقدت الألزاس واللورين في حرب السبعين نصبت لهاتين المقاطعتين تماثيل في كل عاصمة وحاضرة من حواضرها؛ ليتذكرها الأبناء والأحفاد، وما زالوا ينادون بالانتقام حتى فازوا بعد الحرب العظمى باستردادهما. ونحن يجب علينا أن نُخلِّد ذكرى التل الكبير حتى نمحو عاره بمفخرة الاستقلال التام.

وإنك لتسير بالقطار في ذلك الوادي المكفهر المحزن الذي يمتد شرقًا من الزقازيق عاصمة الشرقية إلى قنال السويس، فتكاد تمس شبح الموت والفناء يرفرف على جوانبه، وتشعر برهبة تتلوها قشعريرة؛ فتسأل نفسك عن السبب، فإذا بمحطة جرداء سوداء تقطع عليك تأملات ذلك الحلم المزعج، فإذا قرأت اسمها انتقلت فورًا من عالم الخيالات والأشباح إلى عالم الحقيقة المزعجة، وتلك المحطة هي «التل الكبير» … وحولها وأمامها وخلفها وعن يمينها ويسارها لا تلقى إلا أكوامًا من الرمال، وتلالًا من التراب القاتم الضارب للزرقة، وبضعة قبور مبعثرة لعلها تضم رفات بعض الشهداء الذين ذبحوا ذبح الشاة في تلك الليلة المقمرة (ليلة ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨٢)، فقد كتب مؤرخو الإنجليز أنهم ذبحوا عشرين ألفًا من جنودنا في ضوء القمر، ورووا بصراحة ما كان من خيانة بعض الأعيان والأعراب ممن لم يكن للحق والشرف على أنفسهم (سلطان) (لا يخفى على القارئ مغزى وضع المؤلف هذه الكلمة بين قوسين تلميحًا إلى أحد هؤلاء الخونة وهو سلطان باشا!).

فهل لنا أن نرفع نصبًا ولو قطعة من صخر صلد نحفر عليه التاريخ واليوم، واسم المعركة، وعدد القتلى؟!

لقد رأينا في بورت سعيد والسويس تماثيل وأنصابًا لعشرات أو مئات من جنود الهند وأستراليا ونيوزيلاندا الذين استشهدوا في سبيل الإمبراطورية، وتلك التماثيل أقيمت لجنود أجنبية في بلادنا، أفلا نقيم تمثالًا لجنودنا الذين ماتوا في سبيل الدفاع عن وطننا ووطنهم وقتلوا غيلةً، والله بالسر عليم؟! ألا يوجد لمصر جندي مجهول مدفون في تلك البادية المقفرة الموحشة نقيم له ذراعًا من الحجر المنقوش؟!

التل الكبير! لئلا ننسى! ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨٢!

تذكار عشرين ألفًا من المصريين والسودانيين ماتوا في سبيل الوطن.

لئلا ننسى!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.