نشرت جريدة «الإجبشيان غازيت» — كما عرف قراء الأساس — «أن جريدة المصري عينت المستر أرنست مين محررًا لقسم الشئون الخارجية بها.» وأن مستر أرنست مين هذا قضى سبع سنوات في السفارة البريطانية سكرتيرًا أول لقسم الاستعلامات، وكان من المعروفين بنزعاته الاستعمارية التي تدل عليها مراجعة الدعوة البريطانية في هذه السنوات.

إننا لا نستغرب الخبر ولا نقول: إنه تفسير لخطة المصري في القضية الوطنية خلال هذه الأشهر الأخيرة؛ فإن خطة المصري في هذه القضية غنية عن التفسير، وكل من تابع قراءة المصري منذ أغسطس الماضي علم أنها قائمة على التكرار المستمر الملح لخبر واحد، تعيده على صور مختلفة، وفحواه: أن الاحتلال باقٍ، وأن الجلاء مستحيل.

فهي تارة تنشر لمراسليها أن مصر ليست هي البلد الوحيد الذي تحتله الجنود الأجنبية؛ لأن إنجلترا تحتلها جنود أمريكية، ولكنها لا تصرخ من احتلالهم كما يصرخ المصريون من احتلال الإنجليز.

وهي تارة أخرى تنشر لأولئك المراسلين أن المصريين يستفيدون من العمل في وظائف المعسكرات البريطانية، كما يستفيد الإنجليز من العمل في المعسكرات الأمريكية.

وهي في وقت آخر تنقل كلامًا لمن تصفه بأنه «من أكبر الكتاب العسكريين في العالم» يقول فيه: «إن قناة السويس ومضيق جبل طارق بمثابة صمامين متعاونين كل منهما لازم للآخر، وأن مصر هي مركز الدائرة بين القارات الثلاث في نصف الكرة الغربي، وتستطيع الدول التي تحتل هذا المركز الخطير أن توجه ضرباتها إلى جميع الجهات.»

وهي في يوم آخر تعود فتقول بلسان هذا المراسل أو ذاك: إن اشتراك الولايات المتحدة في حماية قناة السويس عدل وإنصاف؛ لأن بريطانيا العظمى لا يصح أن تحتمل وحدها جميع النفقات في حماية هذه النقطة الدفاعية.

إن الذي يقرأ هذه الأقوال متلاحقة متكررة في صحيفة المصري لا يحتاج إلى تفسير جديد لمعنى هذه الأقوال، ولا يستغرب أن يقع اختيار المصري على موظف الاستعلامات في السفارة البريطانية لتُسلِّمه زمام سياستها العامة في مسألة الاحتلال أو مسألة الجلاء.

فالأمر في غنًى عن التفسير، والاختيار طبيعي لا محل فيه للاستغراب.

ومما يلفت النظر أن صحيفة البلاغ أيضًا تهلل وتكبر لهذا الطراز من الأخبار، وتنشرها بالعناوين الملونة، في سطور متعددة على الصفحة الأولى منها، بغير استنكار ولا انتقاد ولا تعليق …

ففي عدد يوم الاثنين الماضي تنشر البلاغ عنوانًا مختلف الألوان في ثلاثة سطور على طول الصفحة الأولى، تقول فيه: «إن القضية المصرية تتأثر بالموقف في الشرق الأقصى، وإن متحدثًا بريطانيًّا يصرح بأن الإنجليز لو وقعوا اتفاق «صدقي – بيفن» لكانوا الآن مضطرين إلى التخلي عن كلمتهم، ولم يقدموا على تنفيذ الجلاء.»

ويأتي الخبر بعد هذا العنوان الضخم؛ فإذا هو ينقل عن الدوائر السياسية أن المسألة المصرية «ليست هي ما كانت في سنة ١٩٤٦ … وأن المصريين سواء أرادوا أم لم يريدوا مضطرون من الآن فصاعدًا إلى الاهتمام بما يجري في الشرق الأقصى؛ فإنه بالرغم من أن مصر تبعد آلاف الأميال عن مسرح الحرب الصينية، فإن مصير مصر أصبح الآن معلقًا بمصير الشرق الأقصى …»

وهذه الأخبار تتطوع البلاغ بإذاعتها عن المستعمرين، كما تتطوع المصري بإذاعة أمثالها بغير استنكار ولا انتقاد ولا تعليق!

وهي مع ذلك أخبار لا تتناول شيئًا أقل من القضية الوطنية برمتها؛ لأن القضية الوطنية برمتها هي مسألة الاحتلال والجلاء.

فماذا بقي من القضية الوطنية التي يراد من أجلها الائتلاف وغير الائتلاف؟

وما معنى اتفاق المصري والبلاغ على هذه الخطة، وهما الصحيفتان اللتان تعبران عن حزب الوفد، وتقرران وتكرران أن حزب الوفد وحده هو صاحب الحق المطلق في إجراء المفاوضات وحل المشكلات الوطنية؟!

ما معنى هذا؟ وأي خبيئة من الخبايا وراء هذا؟ وماذا يتضح لنا من اقتران الحقائق بعضها ببعض في هذه الأخبار، وفيما يجري حولنا من الأمور؟

إن الحقائق التي تسجل نفسها ولا تحتاج إلى تسجيل منا تتلخص فيما يلي:

(١) صحيفتا الوفد تلحان في نشر الأقوال الإنجليزية التي تؤكد بقاء الاحتلال واستحالة الجلاء.

(٢) صحيفتا الوفد تدافعان عن عبود باشا وتصرفاته، وتسكتان عن توجيه أي انتقاد إليه.

(٣) مشروع استخراج السماد من كهربة الخزان تثار حوله ضجة عنيفة، ويتعرض للتسويف والتأجيل.

(٤) عبود باشا يبادر إلى إنشاء شركة لاستخراج السماد كأنه لا يعلم أن مشروعًا ضخمًا سيقام في مصر لاستخراج السماد خاصة، أو كأنه يعلم علم اليقين أن هذا المشروع لن يقام.

هذه حقائق تسجل نفسها ولا تحتاج منا إلى تسجيلها، وأقل ما يخطر على البال حين يقترن بعضها ببعض أن نسأل: ما معنى كل هذا؟ وأي خبيئة من الخبايا وراء هذا؟

والمسألة كما هو ظاهر مسألة الوطن الكبرى: مسألة استقلال هذا البلد من جميع نواحيه، مسألة الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي مجتمعين متلازمين.

فهل وجبت اليقظة على المصريين كما وجبت عليهم في هذه الآونة وهم مقبلون على تقرير مصيرهم بأيديهم؟

وهل يستطيع مصري أن يغفل عن معنى هذه القرائن، وعن خبيئة هذه المناورات؟

أما المستعمرون، فكل ما نقوله لهم في هذا المقام: إن الأمة المصرية لم تكافح الاحتلال خمسين سنة لكي تقبله بعد ذلك كرامة لحزب من الأحزاب، أو صحيفة من الصحف، أو وزارة من الوزارات.

وإنهم لهم المخدوعون إن خُيِّل إليهم أن هيئة من الهيئات خدعت هذا البلد فطلب الجلاء، وتخدعه مرة أخرى فيقبل الاحتلال.

فإن مصير الوطن لن يتصرف فيه حزب واحد، أو هيئة واحدة، وإن أحزاب مصر مجتمعات لن تستطيع التفريط في استقلال عشرين مليونًا من الآدميين.

ونظرة إلى الأمس القريب تذكرهم بمبلغ السخط الذي يلقاه كل من تسول له النفس أن يساوم على كرامة وطنه، أو يغتر بباطل نفوذه.

فلعل المستعمرين إن خامرهم هذا الوهم أحوج إلى اليقظة من أغفل الغافلين في هذه البلاد، وهم — بحمد الله — لا يقدمون ولا يؤخرون في قضية الوطن الكبرى: قضية الاستقلال في عالم السياسة، وقضية الاستقلال في عالم الاقتصاد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.