ترددت هذه الكلمة على ألسنة المصريين، وتردد معناها في رءوسهم منذ أعوام طوال، حتى لقد كان النطق بها في بعض الأحيان يثير على بعض الثغور ابتسامًا، ويُذْكِي في بعض القلوب آلامًا. ولعل أول مرة خطر فيها استقلال الجامعة على بال المصريين، أو جرَت بها ألسنتهم، كانت قبل أن يوجد هذا الجيل الذي يختلف الآن إلى الكليات، ويتهيأ للنهوض بالأمانة الجامعية الكبرى، لعلها كانت منذ أكثر من ربع قرن حين فكَّر قادة الرأي من المصريين، وعلى رأسهم سعد، وقام رحمه اللَّه بإنشاء معهد حر مستقل للتعليم العالي، لا تصل إليه يد الأجنبي ولا تعبث به قوة السلطان، ولا يخضع لما كانت تخضع له المعاهد العلمية في مصر من سيطرة الحكومة وضيق الأفق، والتشكل بما كان يراد لشبَّان المصريين من الأشكال التي كانت تلائم ما كان مألوفًا من نظام الحكم، وما كان يُراد للمصريين من حياة سياسية متواضعة لا حظَّ لها من عزَّةٍ ولا من كبرياء.

كان ذلك في أول هذا القرن حين كان السلطان الإنجليزي مستقرًّا ثابتًا متغلغلًا في أعماق الحياة المصرية، وحين كان السلطان المصري مستكينًا مذعنًا يتملق الإنجليز من ناحية، ويتملق الترك من ناحية أخرى. وحين كانت آمال المصريين معتدلة محدودة، لا تكاد تبلغ الدستور، وإن بلغته فهي لا تكاد تحققه وتتعمق ما يمكن أن ينشأ عنه من النتائج والآثار.

في ذلك الوقت كان التفكير في الجامعة أمرًا عظيمًا جليل الخطر، لا يشعر به إلَّا الممتازون من قادة الرأي من جهة والإنجليز من جهة أخرى. أولئك يرونه السبيل الوحيدة إلى إحياء الضمير المصري، وإشعار المصريين بحقهم في الحياة والاستقلال. وهؤلاء يرونه الخطر الصحيح على الاستعمار، والتدخل الأجنبي والاحتلال كله بوجه عام. ومن أجل ذلك كان الصراع في أول هذا القرن عنيفًا حقًّا بين الدعاة إلى إنشاء الجامعة، والدعاة إلى الإعراض عن الجامعة بين المصريين الأحرار والإنجليز المستعمرين. والذين يذكرون أطوار هذا الصراع وما بذل اللورد كرومر فيه من جهد، وتلك الخصومة العنيفة التي ثارت بين أنصار التعليم العالي، وهم قادة الرأي والدعاة إلى الجامعة، وأنصار التعليم الأولي وهم الإنجليز وأعوان الإنجليز؛ الذين يذكرون أطوار هذا الصراع يعرفون حقًّا ما بذل مؤسسو الجامعة وما احتملوا من مشقة وما كانوا يحتاجون إليه من شجاعة ليثبتوا، بل ليتقدموا في الجهاد.

وقد وجدوا في أنفسهم هذه الشجاعة التي كانوا يحتاجون إليها، ووجدوا من الشعب تأييدًا وعونًا؛ فأنشئت الجامعة، وفتح لشباب المصريين باب الأمل والحرية والاستقلال قبل أن تُعلن الحرب الكبرى، وقبل أن تكون الهدنة، وقبل أن تُذاع في الناس آراء الرئيس ولسن. وكان الذين أشرفوا على إنشاء الجامعة لإشعار المصريين بحقِّهم في الحرية والاستقلال، هم الذين أشرفوا على النهضة الوطنية الكبرى، وطالبوا الإنجليز بأن يعترفوا لمصر بحقِّها في الحرية والاستقلال، ويكفي أن نذكر أن سعدًا ورفاقه هم الذين أعلنوا المطالبة بالاستقلال.

في ذلك الوقت كانت فكرة استقلال الجامعة واضحة جلية في نفوس الذين أنشئوا الجامعة. صوَّرها قاسم رحمه اللَّه أصدق تصوير وأبدعه في بعض خطبه، حين أعلن أن الغرض من إنشاء الجامعة إنما هو إقامة معهد للعلم في مصر، يدرَّس فيه العلم لنفسه لا لغرض آخر من الأغراض العلمية الطارئة الزائلة، ويدرس فيه العلم حرًّا طلقًا ليكوِّن للشعب عقولًا حرَّة طلقة ونفوسًا أبية عزيزة، تقدِّر معنى الكرامة والعزة والاستقلال.

ولست أروي هنا ألفاظ قاسم، فأنا أكتب من أوروبا بعيدًا عن المصادر والنصوص، وإنما أصور معانيه تلك التي كانت تقع من نفوسنا يومئذٍ موقع النار من الهشيم، فتُثير فيها لهبًا أظن أنه ما زال مرتفعًا في جوِّ مصر الآن.

وقد حافظت الجامعة على فكرة الاستقلال هذه ما أقامت بعيدة عن الحكومة، خاصمها الإنجليز وقاوموها وسلَّطُوا عليها ألوان الإغراء والترغيب، فلم يبلغوا منها شيئًا. واختلف على الجامعة المصرية صروف القوة والضعف، وظروف الغنى والفقر، فلم تضعف نفوس القائمين عليها، ولم يتغير إيمانهم بما يجب لها من استقلال.

ثم كانت الثورة الوطنية الكبرى، وكان إعلان الاستقلال لمصر وقيام الحكومات الوطنية بالأمر في مصر، والسعي في تحرير التعليم، وتوسيع أُفُقِه ورفع منزلته، فلم يتردد الذين أنشئوا الجامعة في تسليم جامعتهم المستقلة إلى الحكومة المصرية المستقلة، ولكنهم في الوقت نفسه حرصوا أشد الحرص على أن يأخذوا على الحكومة عهدًا مسئولًا برعاية استقلال الجامعة والاحتفاظ به كاملًا. فنصَّ ذلك في عقد التسليم، واعترفت الحكومة المصرية منذ ذلك الوقت بأن التعليم العالي يجب أن يكون حرًّا مستقلًّا.

ومنذ ذلك الوقت لم يبقَ استقلال الجامعة أملًا كما كان في أول القرن، وكما كان في نفس قاسم بك رحمه اللَّه، وإنما أصبح حقيقة واقعة اعترفت بها الحكومة وسجَّلها البرلمان الوطني، وقامت على حمايتها وصيانتها الحكومات الشعبية البرلمانية على اختلافها، حتى كانت المحنة القوية العامة التي امتحن صدقي باشا بها أمته منذ أعوام.

هنالك لم يتعرض استقلال الجامعة وحده للخطر، وإنما تعرضت مرافق مصر كلها لهذا الخطر. هنالك أوذيت مصر في استقلال التعليم، كما أوذيت في استقلال القضاء، كما أوذيت في كل فروع الحياة. هنالك عصفت الأهواء الجامحة بالجامعة والجامعيين، ونكثت حكومة صدقي باشا عهد الحكومات التي سبقتها وأقرَّها على ذلك برلمانها. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أبت حكومة صدقي باشا، وأبى معها برلمانها إلَّا أن يصبح الظلم والعدوان شيئًا يقره البرلمان ويشرعه القانون، ويفرض على المصريين كلهم فرضًا؛ فغيَّرت نظم الجامعة، ومسخت قوانينها، وبسط عليها سلطان الوزير، وأصبحت أداة خطرة لسياسة خطرة أقل ما توصف به أنها لم تكن ترمي إلَّا إلى إذلال الشعب كله، وتعويده التواضع والقناعة والخنوع، والعدول عمَّا كان قد رسم لنفسه من مثل عليا في الحرية والاستقلال.

ولم يكن هذا غريبًا ولا شاذًّا، فالذين بغوا على الدستور وطغوا على البرلمان وحنثوا فيما كانوا قد عقدوا من يمين الإخلاص للدستور، لا يتحرجون من البغي على الجامعة، والعبث بقوانين الجامعة.

وقد صبرت مصر للمحنة كلها أبية كريمة، وخرجت مصر من المحنة كلها ظافرة عزيزة، وتجرعت الجامعة حظَّها من الظفرة والعزة.

وها نحن أولاء نردد من جديد في نفوسنا فكرة استقلال الجامعة، ونجري من جديد على ألسنتنا كلمة استقلال الجامعة. وها نحن أولاء نستقبل عامًا جامعيًّا جديدًا بحدث جامعي جديد.

فليس من شك في أن أمر الجامعة قد علا، وليس من شك في أن الجامعة أصبحت منذ الآن قوة حقيقية، يجب أن يحسب لها الحساب كله إن أراد الجامعيون. لقد عظم أمر الجامعة من الناحية المادية الخالصة، فأُضيف إلى كلياتها الأربع مدارس أربع كانت متصلة بوزارة المعارف، وأُضيف إلى هذا العدد الضخم الذي كان يتألف منه الجامعيون عدد ضخم يعدله إن لم يكن أضخم منه، وأصبح التعليم العالي كله في مصر كتلة واحدة يجب أن يهدمها الطغاة إن خطر لأحد أن يطغى في مصر، وجبهة واحدة يجب أن يفرقها البغاة إن خطر لأحد أن يبغي في مصر، ويدًا واحدة يجب أن يقطعها الظالمون إن خطر لأحد أن يجدد الظلم في مصر.

نعم، وأصبح التعليم العالي كله سواء منه النظري والفني بناءً واحدًا يعمل في تشييده كل الذين يؤمنون بحق مصر في العزة والكرامة، وبواجب مصر للرقي والحضارة. وأصبح التعرض لاستقلال الجامعة تعرضًا لاستقلال العلم والفن جميعًا، وأصبح الاعتداء على استقلال الجامعة اعتداءً على العقل المفكر كله في هذا البلد الأمين.

وتحققت إلى حدٍّ ما فكرة جهر بها سعد — رحمة اللَّه عليه — في البرلمان، وهي أن الجامعة هي وزارة المعارف. وتحققت هذه الفكرة إلى حدٍّ ما حين انحاز التعليم العالي كله إلى الجامعة. وتحققت هذه الفكرة إلى حدٍّ ما حين أُتيح لهذه الجامعة الجديدة الكبرى أن تشرف من بعض الوجوه على التعليم الثانوي كله في مصر.

وإذن، فلم تكن محنة الجامعة التي صبَّها الظالمون عليها في الأعوام الماضية شرًّا كلها. وإنما كان فيها خيرٌ كثيرٌ ما دامت قد انتهت أول الأمر إلى إنصاف الجامعة، ثم انتهت بعد ذلك إلى إعظام أمر الجامعة بضم المدارس العليا إليها، ثم انتهت بعد هذا وذاك إلى تحقيق الصلة المعقولة بين التعليم العالي والتعليم الثانوي. بل لم تكن هذه المحنة شرًّا كلها، وإنما كان فيها خيرٌ كثيرٌ ما دامت قد انتهت إلى تحقيق الاستقلال لا للكليات الأربع وحدها، بل لها وللكليات الجديدة التي كانت خاضعة لمكاتب وزارة المعارف، فأصبحت لا تخضع إلَّا للسلطان الجامعي الذي تساهم فيه، وتأخذ بحظِّها مما يفرض من الواجبات والحقوق.

وأخرى تدلُّ على أن محنة الجامعة لم تكن شرًّا كلها، وإنما كان فيها خيرٌ كثيرٌ؛ وهي أن أعضاء هيئة التدريس في التعليم العالي كله قد أصبحت تملك على السلطان عهدًا مسئولًا، هو أنه لا ينال أحدًا منها نقل حتى يرضى مجلس الجامعة، وألَّا يمسَّ أحدًا منها عزل حتى يُستشار مجلس الجامعة.

فاستقلال الجامعة يتكون الآن من عنصرين واضحين؛ أحدهما: القوة الذاتية التي تستمتع الجامعة بها الآن بعد أن أصبح التعليم العالي كله كتلة واحدة. والثاني: هذه القوانين التي اعترفت لرجال التعليم العالي بما لهم من حق وسجلت ما عليهم من واجب.

لم يبقَ إلَّا عنصر ثالث، هو أهمُّ وأجلُّ خطرًا من هذين العنصرين، ولكنه لا يُلتمس عند الحكومة؛ فقد أدَّت الحكومة واجبها، ولا يُلتمس في بناء الجامعة، ولا في قوانينها ولوائحها، ولا في برنامجها ومناهجها، وإنما يلتمس في نفوس الجامعيين أساتذةً وطلَّابًا. وهذا العنصر الأساسي الخطير الذي لا قوام للجامعة بدونه، هو شعور الجامعيين بما يجب عليهم لوطنهم ولجامعتهم من حق، وحرص الجامعيين أساتذةً وطلَّابًا على أن يكونوا رجالًا كرامًا قبل كل شيء وفوق كل شيء، على أن يؤثروا العلم بما يملأ قلوبهم من حب، وما تملك نفوسهم من جهد، واستعدادهم الصادق الصحيح لفداء الجامعة والعلم بالمنصب والراحة وهدوء البال. فلن يكون الجامعي جامعيًّا حقًّا حتى يكون مستعدًّا أصدق الاستعداد لأن يضحِّي في سبيل الجامعة بأنفس شيءٍ عنده، وأعز شيءٍ عليه، كما أن الوطني لن يكون وطنيًّا حقًّا حتى يكون مستعدًّا أصدق الاستعداد وأخلصه لأن يضحِّي في سبيل الوطن بنفسه ودمه.

ولو أن لي أن أقترح لطلبت إلى الجامعيين أن يحكِّموا أمرهم بينهم، وأن يضعوا صيغة لقسم عظيم يعرضونه على أنفسهم، وعلى من سينضم إليهم من الأساتذة والطلَّاب، ويسجلون فيه العهد بأن يحيوا للجامعة والعلم وبأن تحيا الجامعة لمصر.

ما أجدر الجامعيين أن يفكِّروا في هذا كله ويتدبروه، وأن يشعروا بأنهم لن يبقوا منذ الآن ضعافًا إن أرادوا القوة، ولا أذلاء إن أرادوا العزة. وما أجدرهم أن يعتبروا بالحياة الجامعية في البلاد التي تعرف للجامعات حقَّها، والتي تعرف فيها الجامعات ما لها من حق وما عليها من واجب.

لقد كانت تصل إليَّ أنباء جامعتنا، في هذه الأسابيع الأخيرة وأثناء هذه العقبات التي يُقال: إنها قامت دون استقلال الجامعة. وكنت أقرأ هذه الأنباء وأقرأ معها أنباء أخرى تمسُّ أستاذًا من الأساتذة في جامعة باريس، لعلك أيها القارئ سمعت اسم هذا الأستاذ في هذه الأيام، فهو أستاذ من أساتذة الحقوق في جامعة باريس، اختارته بلاد الحبشة مستشارًا لها مدافعًا عنها في عصبة الأمم. فلما جَدَّ الجِدُّ ونهض هذا الرجل بأداء واجبه، لم يتردد في أن يؤدي هذا الواجب على الوجه الذي يرضي ضميره، ويرضي ما يرى أنه الحق. وكان موقفه مناقضًا لموقف فرنسا — أو الحكومة الفرنسية على أقل تقدير — ولكنه لم يتردد في أن يلقي خطبته الخطيرة أمام رئيس الحكومة الفرنسية. وقد ثار به أنصار الحكومة الفرنسية ثورة عنيفة، وطالبوا إلى الحكومة أن تكفه عن تمثيل الحبشة. ولكن الحكومة لم تصنع شيئًا، وطلبوا إلى الحكومة أن تنفذ فيه قوانين الإصلاح المالي الجديد، فتخيِّره بين منصبه في كلية الحقوق ومنصبه في مفوضية الحبشة. ولكنهم طلبوا هذا وهم متيئسون؛ لأنهم يعلمون أن ليس للحكومة الفرنسية سبيل على أستاذ من أساتذة الجامعة ما دام لم يخرج على لوائح الجامعة وقوانينها.

كم أتمنى أن يكون في مصر أساتذة يشبهون الأستاذ جستون جيز، ينهضون بالواجب لأنه الواجب ليس غيره.

وكم أتمنى أن تكون في مصر حكومة كالحكومة الفرنسية تقدر استقلال الجامعة وكرامة الجامعيين.

أنس في ١٤ سبتمبر سنة ١٩٣٥

الأساس: هذا الرأي كتبه الدكتور طه حسين الكاتب والأديب في العدد الصادر بتاريخ أول أكتوبر سنة ١٩٣٥ من «مجلتي» التي كان يصدرها الأستاذ أحمد الصاوي محمد بك. فما رأي معالي الدكتور طه حسين باشا الوزير في هذا الرأي؟ خصوصًا، وأن لمعاليه الفضل في سنة ١٩٥١ في استعداء طلبة جامعة فؤاد على مديرها ووكيلها! وقدم معاليه الدليل على أن العبرة ليست بالقوانين التي تقرر أن أساتذة الجامعة غير قابلين للعزل، بل العبرة بإيمان الوزراء بها والرضوخ لأحكامها … ولم يَكُفَّ الوزير عن التدخل في شئون الجامعات والاعتداء على استقلالها يومًا بعد يوم … الأمر الذي يؤهل معاليه إلى أن يعتبر خصم استقلال الجامعات!

إننا نعتقد — وبحق — معالي الدكتور طه حسين باشا الوزير تنكر لما كان يقدسه الدكتور طه حسين الأديب، بل وثار على ما كان يطالب به من استقلال الجامعة وكرامة الجامعيين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.