… أما السبب في أنني أعتبر نفسي غبيًّا، فهو راجع إلى أشياء أهمها أنني أجد صعوبة في حل مسائل الرياضيات والطبيعيات، وأنا أعتقد أن العقل الرياضي هو العقل الممتاز، ومن جهة أخرى أنني أحب اللغات، وأنجح فيها، وأميل إلى كل عمل أدبي ودراسة أدبية. ولست أشعر بهذا الشعور — شعور الغباء — إلا أمام المسائل وحلولها فقط، ولكنني أفهم القوانين والتعريف والاستنتاجات في يسر … وأرجو أن أجد لديكم الرأي الذي يطمئني، ويرد إليَّ ثقتي بنفسي أو ينزعها؛ فإنما أرجو الواقع لا المجاملة.

س. ص. م، الإسكندرية

إن العقل الرياضي — كما يقول الطالب الأديب — عقلٌ ممتاز بين العقول البشرية، ولكنه ليس بالعقل الوحيد الذي يوصف بالامتياز، ويُعِدُّ صاحبَه لتحصيل العلوم، وكشف الحقائق، وإجراءات التجارب التي يتوقف عليها تقدم الثقافة العلمية أو الأدبية.

وامتياز العقل الرياضي خاص بالفروض الذهنية التي لا تعتمد على التجارب الخارجية كمباحث الطبيعة والكيمياء. وهذه القدرة الممتازة فيه تؤهله لحل المشكلات التي يغنيه فيها الفرض الذهني، ولا تستلزم المشاهدة الحسية، ولكن الاكتفاء بالفروض المجردة كثيرًا ما يعرض الأذهان القوية للزلل، ويهون عليها التصديق بالمجهولات والخرافات؛ لأنها تشبه الفروض التي يقبلها العقل في انتظار تحقيقها بالبرهان القاطع، وربما كان هذا البرهان القاطع نتيجة للفرض المعلق في انتظار ثبوته، فلا يخرج بالباحث من عالم الفروض إلى عالم الحقائق والمشاهدات.

ولهذا تعرض بعض الفطاحل من الرياضيين لتصديق الأوهام التي يرفضها العلماء التجريبيون، وربما كان العالم التجريبي أصبح حكمًا على الوقائع من العالم الرياضي الذي يفوقه في الاستعداد للتفكير المجرد بغير حاجة إلى تحقيق التجارب والمشاهدات.

وقد كان «كبلر» — أكبر الرياضيين في عصره — يُصدر التقاويم على حساب علم التنجيم، ولا يأبى عليه عقله الكبير أن يفترض الصحة في دعاوى المنجمين الأقدمين ذهابًا مع الفروض إلى عالم المجهول.

وكان «نيوتن» — صاحب قانون الجاذبية — يحل أعضل المشكلات الرياضية، ويشتغل في الوقت نفسه بطوالع السعود والنحوس وأسرار الغيب التي كان الأقدمون يرمزون لها برسوم الطلاسم وأرقام الحروف.

وإلى جانب العقل الرياضي الممتاز والعقل المعرض للأوهام لتصديقه بالفروض، توجد العقول البشرية الممتازة التي يرشحها امتيازها لفهم الحقائق مع التجربة، أو لفهم الحقائق مع استخدام المنطق والاستقراء، أو لفهم المعاني الخفية وإبرازها في الرسوم والأنغام والكلام الموزون، كما يصنع المصورون والموسيقيون والشعراء.

فلا يحزن الطالب الأديب أن تفوته قدرة العقل الرياضي في كل مجال من مجالاته المتعددة، ولا يملكه اليأس إذا فهم بعضها فهمًا يسيرًا ولم يفهم بعضها الآخر بغير مجهود كثير أو قليل، فما من عقل ممتاز — كائنًا ما كان امتيازه — إلا وهو متفاوت في درجات الفهم على حسب المباحث والموضوعات.

وربما كان لسوء الظن بالنفس أثره في مهابة التفكير الرياضي في بعض المسائل دون غيرها، وقد تزول هذه المهابة مع الثقة باتساع العقل البشري لكثير من مباحث العلوم الرياضية، وكثير من المباحث التي لا يمتاز بها الرياضيون.

الخلق والصنع

… هل تصح نسبة الخلق إلى الإنسان؟ إنني وصديقًا لي مختلفان؛ لأن الخلق يكون من العدم، والإنسان لا يستطيع أن يخلق شيئًا من لا شيء … وقد رضينا الاحتكام إليك، فما رأيكم في التفرقة بين الخلق والصنع بالنسبة للإنسان؟

فؤاد محمد نصر أمين، ليسانس حقوق، الإسكندرية

لا فرق في أصل اللغة بين الصنع والخلق، بل ربما كانت مادة الخلق — لغويًّا — أضعف من مادة الصنع في الدلالة على الإبداع والتكوين.

وليست قدرة الخلق وحدها بالقدرة التي يختلف معناها عند نسبتها إلى الله ونسبتها إلى غير الله، فنحن نقول: «قال الله»، وليس القول الإلهي لفظًا منطوقًا بالشفتين ومنتقلًا بذبذبة الهواء إلى الأذنين، ومن قال: إن إنسانًا خلق عملًا فنيًّا، وهو يعني أنه ابتكره ولم يصنعه بآلة من آلات الصناعة، فلا جناح عليه، ما دام مؤمنًا بأن الله وحده هو خالق الإنسان وما صنعت يداه. وليست كلمة الخلق وحدها هي التي توقع القائل في الحرج والريبة؛ فإن المرجع في جميع الحالات إلى عقيدة الضمير، ومن كان ينكر أن الله هو الخالق؛ فقوله: إن الإنسان خلق هذا العمل الفني، أو إن الإنسان صنعه أو أبدعه أو أنشأه سواءٌ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.