أم المصريين

كتبت كثيرًا عن السيدة الجليلة أم المصريين في كتابي المطول عن زعيم مصر الخالد سعد زغلول.

وكانت عنايتي الكبرى فيما كتبته عنها بالناحية البيتية التي تساعد فيها المرأة رجلها العظيم؛ لأن الحياة البيتية عندي هي أشرف ميدان للمرأة الفاضلة، ولأن الحياة العامة التي اشتركت فيها السيدة صفية هانم كانت معروفة بين المصريين جميعًا؛ لمعرفتهم بكل شيء يتصل بحياة الزعيم العظيم.

وقليل من المصريين كانوا يعلمون — مثلًا — أن السيدة صفية — بنت مصطفى فهمي باشا — هي التي تشرف بنفسها على تحضير طعام سعد وتنظيم الأثاث الذي يريحه، ولا تكِل شيئًا من ذلك إلى خادم أو خادمة، ولو كان من أتفه الشئون.

وقليل منهم من كان يعلم أن هذين الزوجين العظيمين لم يفصلا بينهما حسابًا قط في الثروة والمورد، إلا بعد أن تكررت حوادث النفي والاعتقال ومصادرة أموال سعد وأموال الوفد وغيرها من الأموال العامة والخاصة، وكان من اللازم في هذه الحالة أن يثبت لها حق معروف تعتمد عليه في نفقاتها عند نفي سعد أو اعتقاله، ولولا ذلك لبقي حسابهما معًا كأنه حساب شخص واحد لا ينفصل منه نصيب عن نصيب.

والواقع أن السيدة الجليلة كانت عونًا لسعد بما اشتركت فيه وما لم تشترك فيه من حياته العامة والخاصة، وأنها تكفَّلت له براحة البيت؛ فاستطاع هو أن ينصرف إلى الحياة القومية مستجمع القوى والجهود.

قالت لي مرة — وقد سألتها عن زوجها العظيم لتحقيق هذا الجانب من سيرته الخاصة:

كنت لا أشغله حين يريد الاشتغال بعمل عام ولا يريد أن يشركني فيه، وكنت أسأله كما تسأل كل امرأة زوجها إذا رأيته يفكر ويطيل التفكير، فكان يجيبني أحيانًا ويُمسِك عن الكلام في بعض الأحيان. فإذا أطلت السؤال نظر إليَّ نظرة عطف ورجاء، ووضع أصبعه على فمه إشارة بالسكوت دون أن ينطق بكلمة؛ فأفهم حينئذ أنه مشغول بأمر يعنيه، وأنصرف عن الحجرة في صمت وسكون.

قالت وهي تبتسم: «ولكني مع هذا لم أكن هينة على هذا النحو في جميع الأحوال؛ فكثيرًا ما كنت «أعصلج» معه — رحمه الله — فكان يجيبني بما يرضيني وينفضُّ الإشكال.»

إلا أن هذه «العصلجة» التي أشارت إليها السيدة الجليلة على سبيل الفكاهة لا تمنع العارفين بحياة الزوجين العظيمين أن يشهدوا بالحقيقة، وهي أن سعدًا — رحمه الله — كان أقلَّ الأزواج تعبًا وأوفرهم راحةً في بيته، وأن شريكته في جهاده تعود بقسط وافر من هذه الشركة المباركة، وحسبها أنها كانت تعينه في مخاطراته كما كانت تعينه على السكينة والراحة. فلما أخذ بزمام القضية الوطنية وعزم فيها عزمته الماضية، قال لها: «يا صفية! إنني وضعت رأسي في يدي.» وبسط أمامها يمناه، فلم تستهول العزم ولم تحاول أن تقعده عنه، ولم تزد على أن قالت: وضع رأسي أنا في يدك الشمال!

هدى هانم شعراوي

أعمالها في خدمة المجتمع المصري كثيرة، يشاهد الناس آثارها، ويسمعون بها منذ أكثر من عشرين سنة.

ولكن القدر شاء أن تخدم هذا المجتمع بما تريده وما لا تريده، فكانت أول سيدة وطنية من الدم المصري العربي أقامت للأسرة المصرية وجودًا إلى جانب الأسر التركية العريقة، التي انفردت برئاسة المجتمع عندنا مئات السنين.

كانت حياة الطبقة الراقية كلها «الأتركة»، سواء في القاهرة أو في مدن الأقاليم الكبيرة.

فلما نشأت السيدة هدى في مكانها الموقر بين بيوت الطبقة الراقية نشأ معها المجتمع المصري الصميم، وحفظ له منزلة الأنداد والنظراء بين أرفع البيوت في هذه الديار.

تلك خدمة مأثورة يحقُّ لها أن تحتسب بين أجلِّ الخدمات الوطنية التي تقترن باسم السيدة هدى في نهضة مصر الحديثة.

ولا أدري لماذا يخطر لي كثيرًا أن مكان السيدة هدى ومكان السيدة صفية هما أصلح مكانين في عالم المرأة المصرية للتبادل أو للتعاون الذي يتمِّم بعضه بعضًا على نحو من الأنحاء.

فالسيدة هدى تحبُّ المعترك السياسي؛ لأنها تطالب للمرأة بحقوق الانتخاب والاشتراك في الحياة العامة، وهي ذات طبيعة مكافحة لا تستريح إلى السكون.

والسيدة صفية تعمل في المعترك السياسي كلما اضطرتها الحوادث إليه، ولكنها تفضل أعمال البيت إذا بطل الاضطرار ورجعت إلى المشيئة والاختيار.

أليس الجهاد السياسي والجهاد الاجتماعي صالحين هنا للتبادل أو للتعاون على نحو من الأنحاء؟

وقد رأيت السيدة هدى مرات معدودات في مجلس الآنسة «مي» وفي حفلاتها الأدبية أو الاجتماعية، فرأيت منها مثلًا من الأمثلة النادرة لخضوع الحيوية العصبية، وعلمت أن هذه السيدة الوقور قوة لا تكبح ولا غنى لها عن النشاط الدائم، ولو رزق المجتمع المصري عشرة من أمثالها بين نساء الطبقة العليا لكانت له الآن حال غير هذه الحال.

السيدة شريفة هانم رياض

رأيتها كثيرًا في بيت الأمة وفي بعض الحفلات السياسية العامة.

ولكني لا أذكر أنني حادثتها أكثر من مرة واحدة، ويكفي أن تحادثها مرة لتعلم من ملامحها العصبية، ومن نظرات عينيها النافذة، ومن كلماتها التي لا كلفة فيها، أنها تعبِّر عن طبيعة حية وذكاء سريع.

ومما لاحظته عليَّ في خطبي وأحاديثي أنني أبدأ بتوجيه الخطاب إلى السادة ثم إلى السيدات.

وجوابي دائمًا على هذه الملاحظة أن تقديم السيدات مفهوم في مسائل المجاملات، ولكنه غير مفهوم في مسائل العلم والسياسة، وأن هذه السنَّة بقية من بقايا عصر «الفروسية» ومخلفات القرون الوسطى، ونحن الآن في عصر الديمقراطية الذي غيَّر كثيرًا من التقاليد، وينبغي أن يكون هذا التقليد في طليعتها؛ لأنه كما قلت غير مفهوم.

ومع هذا، أعتقد أن السيدة شريفة هانم أقرب السيدات من طبقتنا الراقية إلى شمائل الديمقراطية، وأولاهن أن تفطن إلى نقائص عصر الفروسية؛ لأنها قليلة التكلف جديدة النظر إلى الحياة.

السيدة إستر فهمي

سمعت أباها الأستاذ أخنوخ فانوس خطيبًا، فسمعت أجهر صوت وأطبع متكلم في زمانه.

وعرفت أخاها الأستاذ لويس فعرفت فيه ما يعرفه كل أصحابه من الذكاء والاطِّلاع والقدرة على الإسهاب.

ورأيت السيدة قليلًا جدًّا في مجلس الآنسة «مي» وفي بعض الأندية البيتية، فتبيَّن لي على التحقيق أن الكلام ملكة موروثة في هذا البيت، ومع الكلام الذكاء وحب الاطلاع.

ونود لو أن السيدة الفاضلة استعانت بمعارفها الإنجليزية ومعارفها العربية على تغذية اللغتين بما فيهما من الذخائر التي لا تزال معزولة محجوبة عن الأمتين، ولا سيما في باب السياسة والإصلاح الاجتماعي، ولها منهما نصيب موفور.

السيدة نبوية موسى

كانت تزور الأستاذ «داود بركات» — رحمه الله — في صحيفة الأهرام.

وكنت أجلس معه في مكتب واحد يتَّسِع في بعض الأحيان لخمسة أو ستة من الزوار.

ولا أذكر أنها خاضت قطُّ في حديث من أحاديث السياسة التي كانت تشغل الأذهان كلها في تلك الأيام.

وإنما كان شاغلها الأكبر حديث الرجل والمرأة في الحياة العامة والخاصة، وكانت تطيل المقارنة بين الرجال والنساء، وتقيم الدليل تلو الدليل على أن الرجل هو أضعف الجنسين عقلًا وأقصرهما باعًا وأقلهما حيلة!

ومن أدلتها التي كانت تكررها لإثبات هذا الرأي أن الرجل والمرأة يأكلان الحلوى معًا، ولكن الرجل هو الذي يؤدي الثمن وحده وهو طائع، فلماذا يصنع ذلك لولا أنه هو المخدوع المغلوب الذي يسخَّر لقضاء مآرب المرأة من قديم العصور؟

فلما أكثرت من تكرير هذا الدليل قلت لها مرة: بل أقدر من الرجل والمرأة معًا طفلهما الصغير …

قالت: وكيف ذلك؟

قلت: لأنهما يعطيانه الطعام ويقدمان له الدواء ويرشوانه بالدراهم أحيانًا ليُقْبل على الأكل والعلاج!

قالت وهي تقهقه وتغرب في الضحك: هذا قياس مع الفارق!

وعادت إلى أحاديث الرجال «وقلة عقولهم»؛ لأنهم يقعون في حبائل المرأة، ولا يعرفون لها جمالًا غير جمال الأجسام دون جمال العقول.

ولهذا الإطناب الدائم في العقل ورجاحة العقل ونقصان العقل خُيِّل إلينا أن العقل عند السيدة نبوية موسى هو كل شيء، وأنها هي أيضًا قد أصبحت عقلًا كلها؛ فلا يهمها الثناء على الوجوه بعد الثناء على الرءوس، ولا تبالي ما تباليه بنات حواء جميعًا من تحية المحاسن وتقريظ الجمال.

إلا أننا لم نلبث أيامًا قليلة حتى سمعنا منها أعظم برهان خلقه الله على أن الأنثى أنثى بلا استثناء، وأننا أمام قاعدة أبدية لا استثناء لها، وإن خيل إلينا بعد الجهد الجهيد أننا قد ظفرنا بالاستثناء الوحيد!

فما هي إلا أيام حتى كانت السيدة نبوية مرة أخرى بمكتب الأهرام، وكان من زواره في ذلك اليوم صاحب الفضيلة الشيخ عبد ربه مفتاح، ودارت المناقشة في الحجاب والسفور، فطال الأخذ والرد بين الأستاذ والسيدة بغير أمل في الانتهاء إلى نتيجة، هي تؤيد السفور وهو بطبيعة الحال يؤيد الحجاب … وقبل أن يهم بالانصراف فاجأها قائلًا: ولكن بعد كل هذا أريد أن أسألك يا سيدة نبوية لمن تطلبين السفور؟ إن كنت تطلبينه لك أنت دون سائر النساء فأنت بحكم الشريعة في حل منه؛ لأن المانع من السفور هنا ممنوع!

فاغتصبت ضحكة هازئة، وسكتت عن موضوع الحجاب والسفور هنيهة، ولكنها لم تترك الأستاذ ينصرف حتى عادت إلى ذكريات الدراسة الأولى، وبدأت في حكاية يفهم منها الأستاذ أنها — بحكم الشرع — لا يحل لها السفور؛ لأن بعض المفتشين رآها يومًا فأثنى على عينيها، وصافحها فأثنى على جمال يديها … وكانت مناسبة الحديث — أو المقصود من هذه الحكاية كما يقولون — أن بعض المفتشين لا يُؤتَمَنُون على تعليم البنات، ولم تكن المناسبة تصحيحًا للآراء في محاسن العيون والكفوف.

وأيقنت في تلك اللحظة أن المرأة هي المرأة وإن بدا لك من لسان حالها ولسان مقالها أنها أزهد الناس في تحية جمال من ألسنة الرجال.

السيدة منيرة ثابت

منذ سبع عشرة سنة كانت السيدة منيرة ثابت تصدر صحيفة «الأمل» الأسبوعية وصحيفة «الأسبوار» الفرنسية اليومية.

وكانت إدارة الصحيفتين بمكتب البلاغ في شارع الشريفين.

فكانت السيدة منيرة تشاركني في مكتب واحد، بل في حجرة واحدة؛ لأنها كانت تجلس في حجرتي بعد الظهر عند انتهاء عملنا في البلاغ، وربما حضرت إليها صباحًا إذا دعتها إلى ذلك أعمال الإدارة والتحرير.

ومع هذا لا أحسبني أعرف عن السيدة منيرة أكثر مما أعرفه عن معظم الكاتبات المشتغلات بالصحافة؛ لأنني كنت لا أحضر يومئذ إلى مكتب الصحيفة إلا ريثما أصحح المقالة ثم أنصرف إلى مكان تعودت أن أتردد عليه في معظم الأوقات.

والذي أعرفه عنها — وهو لا يحتاج إلى خبرة طويلة — أنها حادة الشعور، وأن حدة شعورها ربما جردتها من أقوى سلاح في يد المرأة؛ وهو قدرتها على ضبط سريرتها وتمويه ما في نفسها، فإذا غضبت لم يمضِ ربع ساعة حتى يعلم كل من في المكتب أنها غاضبة، وأول علامات هذا الغضب أنها تخاطبني أنا مثلًا في أعمال الصحيفة ولا تخاطب الأستاذ عبد القادر حمزة، وبينها وبينه التليفون أو بينها وبينه باب حجرة. وأعجب من ذلك أنها تخاطبني أنا لتبلغه ما تريد اقتراحه عليه من أعمال الصحيفة كأنها قطعت علاقتها بالإدارة كلها وهي لا تزال فيها!

وأعرف عنها أيضًا أنها عرضتني لنكتة من الزعيم الخالد سعد زغلول — رحمه الله — قد يُرضيها أن تسمع بها الآن في مناسبتها …

فقد شغلت عن زيارة بيت الأمة فترة طويلة في تلك الآونة، ثم ذهبت يومًا إليه وأنا لا أعلم أن الأستاذ عبد القادر حمزة كان منقطعًا عن زيارته أيضًا في الآونة بعينها. وكنا نسمع من حين إلى حين بزواج السيدة من الأستاذ عبد القادر ولا أرى أن أستطلع الحقيقة حتى يطلعاني عليها.

فلما دخلت على الزعيم الخالد — رحمه الله — سألني عن صحة تلك الإشاعة، فلم أجزم بإثباتها ولا بنفيها، ثم قال — رحمه الله — بلهجته البلدية الساخرة: «جرى لكم إيه أنت ومعلمك … طيب عرفنا معلمك لقي «أمله» … وأنت يا ترى لقيت إيه؟»

فكانت ضربة من ضربات سعد الخاطفة التي تجتمع فيها النكتة والتورية والصراحة.

السيدة أمينة السعيد

ذكية سريعة الحس، لها محضر مأنوس وتطلُّع دائم إلى مكانة رفيعة، يلوح اشتياقها إليها من لمحات عينيها.

وهي تعيش في برزخ وسط بين مزاج الفتاة التي خلقت للكتابة والفن ومزاج الفتاة التي خلقت للحياة المنزلية.

ولهذا لا أخالها تستطيع التفرغ — كل التفرغ — لإحدى هاتين الحياتين.

ولكنها تستطيع أن تأخذ من حياة «ربة المنزل» ما يُفيد الكاتبة، وأن تأخذ من حياة الكاتبة ما يُفيد ربة المنزل، وأمامها مجال فسيح للاطلاع في اللغة العربية واللغة الإنجليزية يزيدها فائدة على فائدة.

وأسمعها أحيانًا في «الإذاعة» فلا أزال أذكر قول الشاعر كلما سمعتها:

منطق واضح وتلحن أحيا

نًا وأحلى الحديث ما كان لحنا

نعم! إن الشاعر العربي أراد باللحن هنا معنى الإشارة والتلميح، ولم يرد به معنى الخطأ في الإعراب والقواعد النحوية، ولكنه معنى يخطر على البال كلما تتابعت لحنات السيدة أمينة في أحاديثها، بسرعة تسابق الإحصاء.

الآنسة عائشة عبد الرحمن

رفعت علمًا وظنته علم الثورة، ثم نظرت فإذا هو راية الهلال الأحمر.

وتزودت لميدان القتال، ثم نظرت فإذا هي واقفة بين أخوات الرحمة.

وهي إذا تمردت لا تتمرد إلا لأن التمرد نوع من أنواع الشكوى، وما برحت الشكوى ألزم اللوازم بطبيعة المرأة، وأدلها على أصالة الأنوثة فيها.

ونصيحتي لها أن تعقد الصلح بينها وبين طبيعتها الأصيلة؛ لتعرف أن التمرد عندها حجاب يستر ما وراءه من الأنوثة الأبدية: أنوثة الشكوى والتظلم وحب الظلم في وقت واحد!

وهي متى عقدت الصلح مع طبيعتها تسنَّى لها أن تؤدي واجبًا مشكورًا في عالم الإصلاح الاجتماعي وفي عالم الكتابة النسوية.

***

والآن وقد أجبت عن الأسئلة التي وجهت إليَّ لا أحب أن ألقي القلم حتى أُشهد القراء على أن المحرر الأديب في آخر ساعة هو الذي اقترح لي الأسئلة والأسماء، ولو أنه اقترح أسماءً أخرى لكتبتُ عنها كما كتبت عن هذه الأسماء ما أعرف من كثير معرفة أو قليل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.